بعد أن تاب الله على قوم موسى بعد عبادتهم للعجل. . عادوا مرة أخرى إلى عنادهم وماديتهم. فهم كانوا يريدون إلها ماديا. . إلها يرونه ولكن الإله من عظمته أنه غيب لا تدركه الأبصار. . واقرأ قوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ [الأنعام: ١٠٣]
فكون الله ﷾ فوق إدراك البشر. . هذا من عظمته ﷻ. . ولكن اليهود الذين لا يؤمنون إلا بالشيء المادي المحس. . لا تتسع عقولهم ولا قلوبهم إلى أن الله ﷾ فوق المادة وفوق الأبصار. . وهذه النظرة المادية نظرة حمقاء. . والله ﵎ قد لفتنا إلى قضية رؤيته جهرا في الدنيا. . بقوله تعالى: ﴿وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]
أي أن الله ﷻ وضع دليل القمة على وجود الله الذي لا تدركه الأبصار. وضع هذا الدليل في نفس كل واحد منا. وهي الروح الموجودة في الجسد. . والإنسان مخلوق من مادة نفخت فيها الروح فدبت فيها الحياة والحركة والحس. . إذن كل ما في جسدك من حياة. . ليس راجعا إلى المادة التي تراها
[ ١ / ٣٤٥ ]
أمامك. . وإنما يرجع إلى الروح التي لا تستطيع أن تدركها إلا بآثارها. . فإذا خرجت الروح ذهبت الحياة وأصبح الجسد رمة.
إذا كانت هذه الروح التي في جسدك. . والتي تعطيك الحياة لا تستطيع أن تدركها مع أنها موجودة داخلك. . فكيف تريد أن تدرك الله ﷾. . كان يجب أولا أن تسأل الله أن يجعلك تدرك الروح التي في جسدك. . ولكن الله ﷾ قال إنها من أمر الله. . واقرأ ﷻ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ العلم إِلاَّ قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]
إذا كانت هذه الروح هي مخلوقة لله لا تدركها. . فكيف تطمع أن ترى خالقها. . وانظر إلى دقة الأداء القرآني في قوله سبحانه. ﴿حتى نَرَى الله جَهْرَةً﴾ . . فكلمة نرى تطلق ويراد بها العلم. مثلا: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ﴾ [الفرقان: ٤٣]
أي أعلمت. . ولكن جاءت كلمة جهرة لتنفي العلم فقط وتطالب بالرؤية مجهورة واضحة يدركونها بحواسهم. وهذا دليل على أنهم متمسكون بالمادية التي هي قوام حياتهم. . نقول لهؤلاء إن سؤالكم يتسم بالغباء. . فأنتم حين تطلبون أن تروا الله جهرة. والمفروض أن الله ﵎ له مدلول عندكم. . ولذلك تطلبون رؤيته لتقارنوا المدلول على الموجود. . ذلك لو كانت القضية أصلا أن تعرفوا أن الله موجود أو غير موجود. . والذي شجعهم على أن يقولوا ما قالوا. . طلب موسى ﵇ من الله ﷾ أن يراه.
واقرأ قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي ولكن انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣]
[ ١ / ٣٤٦ ]
ولابد أن نعرف أن قضية رؤية الله في الدنيا محسوسة. . وأنه لا سبيل إلى ذلك والإنسان في جسده البشري. . لأن هذا الجسد له قوانين في ادراكاته. . ولكن يوم القيامة نكون خلقا بقوانين تختلف. . ففي الدنيا لابد أن تخرج مخلفات الطعام من أجسادنا. وفي الآخرة لا مخلفات. وفي الدنيا يحكمنا الزمن. . وفي الآخرة لا زمن. إذ يظل الإنسان شبابا دائما. . إذن فهناك تغيير. .
المقاييس هنا غير المقاييس يوم القيامة في الدنيا بإعدادك وجسدك لا يمكن أن ترى الله. وفي الآخرة يسمح إعدادك وجسدك بأن يتجلى عليك الله ﷾. . وهذا قمة النعيم في الآخرة. أنت الآن تعيش في أثار قدرة الله. . وفي الآخرة تعيش عيشة الناظر إلى الله ﵎. . وفي ذلك يقول الحق ﷻ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]
والإنسان في الدنيا قد اخترع آلات مكنته من أن يرى ما لا يراه بعينه المجردة يرى الأشياء الدقيقة بواسطة الميكرسكوب. والأشياء البعيدة بواسطة التلسكوب. . فإذا كان عمل الإنسان في الدنيا جعله يبصر ما لم يكن يبصره. . فما بالك بقدرة الله في الآخرة. . وإذا كان الإنسان عندما يضعف نظره. يطلب منه الطبيب استعمال نظارة. . فإذا ذهب إلى طبيب أمهر. . أجرى له عملية جراحية في عينه يستغني بها عن النظارة ويرى بدونها. . فما بالكم بإعداد الحق للخلق وبقدرة الله التي لا حدود لها في أن يعيد خلق العين بحيث تستطيع أن تتمتع بوجهه الكريم.
ولقد حسم الله ﵎ المسألة مع موسى ﵇ بأن أراه العجز البشري. . لأن الجبل بقوته وجبروته لم يستطع احتمال نور الله فجعله دكا. . وكأن الله يريد أن يفهم موسى. . أن الله ﵎ حجب عنه رؤيته رحمة منه. لأنه إذا كان هذا قد حدث للجبل فماذا كان يمكن أن يحدث بالنسبة لموسى. إذا كان موسى قد صعق برؤية المتجلَّى عليه. . فكيف لو رأى المتجلِّي؟ . .
والإنسان حين يعجز عن إدراك شيء في الدنيا لأنه مخلوق بهذه الإمكانات
[ ١ / ٣٤٧ ]
يكون العجز عن الإدراك إدراكا لأن العجز عن الإدراك هو في عظمة الله ﷾. . وقوم موسى حينما طلبوا منه أن يروا الله جهرة أخذتهم الصاعقة وهم ينظرون. . عندما اجترأوا هذا الاجتراء على الله أخذتهم الصاعقة. . والصاعقة إما نار تأتي وإما عذاب ينزل. . المهم أنه بلاء يعمهم. . والصاعقة قد أصابت موسى.
[ ١ / ٣٤٨ ]