من هذه الآية الكريمة نعرف أن بني إسرائيل رفضوا رزق السماء من المن والسلوى مع أنه كان رزقا عاليا. . عاليا في الجودة لأنه طعام حلو نقي شهي ينزل لهم من السماء مباشرة، وعاليا في الكثرة من أنه كان يأتيهم بلا عمل وبلا تعب وبكميات هائلة تكفيهم وتزيد. . وطلبوا من موسى طعام الأرض الذي يزرعونه بأيديهم ويرونه أمامهم كل يوم فقد كانوا يخافون أن يستيقظوا يوما فلا يجدون المن والسلوى. الحق ﷾ يكمل لنا القصة في آية قادمة: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ وَاحِدٍ فادع لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأرض مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الذي هُوَ أدنى بالذي هُوَ خَيْرٌ اهبطوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة: ٦١]
فالله ﷾ مازال يمتن على بني إسرائيل بنعمه وكيف قابلوها بالجحود. . فيذكرهم بإنجائهم من عذاب آل فرعون. . ويذكرهم بالبحر الذي انشق لهم فمشوا فيه ثم انقض الماء بعد ذلك على آل فرعون فأغرقهم. . ويذكرهم كيف أنهم عبدوا العجل بعد ذلك. . وكان من الممكن أن يهلكهم الله بذنوبهم. كما أهلك الأمم السابقة ولكنه عفا عنهم. . ثم يذكرهم بفضله عليهم بأن أعطاهم الكتاب الذي يفرق بين الحق والباطل. . ويذكرهم بأنهم طلبوا أن يروا الله جهرة. . فصعقوا وماتوا ثم بعثهم الله. ويذكرهم كيف ظللهم بالغمام
[ ١ / ٣٥٢ ]
من حرارة الشمس المحرقة. . ورزقهم بالمن والسلوى. . ثم يذكرهم بأنهم طلبوا طعام الأرض فاستجاب لهم.
في هذه الآية يقول الحق ﵎: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ . وفي آية أخرى يقول: ﴿رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ . الفرق في المعنى أن قوله تعالى: ﴿حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ تدل على أن هناك أصنافًا كثيرة من الطعام.
﴿ورَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ يكون هناك صنف واحد والناس جائعون فيقبلون على الطعام. . عندما يقول الحق ﷻ: كلوا رغدًا يكون المخاطب هنا نوعين: إنسان غير جائع ولذلك تعد له ألوانا متعددة من الطعام لتغريه على الأكل. . فتقدم في هذه الحالة «حيث شئتم» فيقال: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ . . فإذا كان الإنسان جوعان يرضى بأي طعام. . فيقال رغدا حيث شئتم.
إن المسألة في القرآن الكريم ليست تقديما وتأخيرًا في الألفاظ. . ولكن المعنى لا يستقيم بدون هذا التغيير. . قوله تعالى ﴿ادخلوا هذه القرية﴾ . . والقرية هي هنا بيت المقدس أو فلسطين أو الأردن. . الحق ﵎ يقول: ﴿وادخلوا الباب سُجَّدًا وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ المحسنين﴾ . .
والحق ﷻ حين خاطبهم بين لنا أنهم لم يكونوا في حالة جوع شديد بحيث يأكلون أي شيء فقال: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ أي ستجدون فيها ألوانا كثيرة من الطعام تغريكم على الأكل ولو لم تكونوا جائعين.
وقوله تعالى: ﴿وادخلوا الباب سُجَّدًا﴾ . . أي ادخلوا الباب وأنتم في منتهى الخضوع. . ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾ أي حط عنا ذنوبنا يا رب. . غير أنهم حتى في الأمر يغيرون مضمونه. . ويلبسون الحق بالباطل. . وهذه خاصية فيهم. . ولذلك دخلوا الباب وهم غير ساجدين. . دخلوه زاحفين على ظهورهم. . مع أن ما أمرهم الله به أقل مشقة مما فعلوه. . فكأن المخالفة لم تأت من أن أوامر الله شاقة. . ولكنها أتت من الرغبة في مخالفة أمر الخالق وبدلا من أن يقولوا حطة. أي حط عنا يا رب ذنوبنا قالوا حنطة والحنطة هي القمح. . ليطوعوا اللفظ لأغراضهم. . فكأن المسألة ليست عدم قدرة على الطاعة ولكن رغبة في المخالفة.
ومع أن الحق ﵎ وعدهم بالمغفرة والرحمة والزيادة للمحسنين. .
[ ١ / ٣٥٣ ]
فإنهم خالفوا وعصوا. . وقوله تعالى: ﴿وَسَنَزِيدُ المحسنين﴾ يأتي في الآية الكريمة: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]
أي لهم أجر مثل ما فعلوا أضعافا مضاعفة. . وما هي الزيادة؟
أن يروا الله يوم القيامة. هذه هي الزيادة التي ليس لها نظير في الدنيا.
[ ١ / ٣٥٤ ]