يمتنُّ الله ﷾ مرة أخرى على بني إسرائيل بالنعم التي أنعم بها عليهم ويذكرهم بجحودهم بها. . ولكننا نلاحظ أن القرآن الكريم حينما يتكلم عن اليهود. . يتكلم عنهم بالخطاب المباشر. . فهل الذين عاصروا نزول القرآن وهم الذين أخذ الله ﵎ عليهم الميثاق. . هؤلاء مخاطبون بمراد آبائهم وأجدادهم الذين عاصروا موسى ﵇.
نقول أنه كان المطلوب من كل جد أو أب أن يبلغ ذريته ما انتهت إليه قضية الإيمان. . فحين يمتن الله عليهم أنه أهلك أهل فرعون وأنقذهم. . يمتن عليهم لأنه أنقذ آباءهم من التذبيح. . ولولا أنه أنقذهم ما جاء هؤلاء اليهود المعاصرون لرسول الله ﷺ َ. . فهم كانوا مطمورين في ظهور آبائهم. . ولكي ينقذهم الله كان لابد أن تستمر حلقة الحياة متصلة. . فمتى انتهت حياة الأب قبل أن يتزوج وينجب انتهت في اللحظة نفسها حياة ذريته. . الشيء نفسه ينطبق على قول الحق ﷾: ﴿وَإِذِ استسقى موسى لِقَوْمِهِ﴾ . . إمتنان على اليهود المعاصرين لنزول القرآن. . لأنه ﷾ لو لم ينقذ آباءهم من الموت عطشا لماتوا بلا ذرية.
إذن كل إمتنان على اليهود في عهد موسى هو إمتنان على ذريته في عهد رسول الله ﷺ َ. . والحق ﷾ أخذ على اليهود الميثاق القديم. . ولولا هذا الميثاق ما آمنوا ولا آمنت ذريتهم.
وقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور﴾ . . أي أن الله ﵎ يذكرهم
[ ١ / ٣٧٤ ]
بأنهم بعد أن نجوا وأغرق الله فرعون وقومه ذهب موسى لميقات ربه ليتلقى عنه التوراة. . فعبد بنو إسرائيل العجل. وعندما عاد موسى بالتوراة وبالألواح. . وجدوا في تعاليمها مشقة عليهم. . وقالوا نحن لا نطيق هذا التكليف وفكروا ألا يلتزموا به وألا يقبلوه.
التكليف هو من مكلف هو الله ﷾. . وهم يقولون إن الله كلفهم ما لا يطيقون. . مع أن الله ﷻ لا يكلف نفسا إلا وسعها. . هذا هو المبدأ الإيماني الذي وضعه الحق ﷻ. . يظن بعض الناس أن معنى الآية الكريمة: ﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]
يظنون أننا نضع أنفسنا حكما على تكليف الله. . فإن كنا نعتقد أننا نقدر على هذا التكليف نقل هو من الله وإن كنا نعتقد أننا لا نقدر عليه بحكمنا نحن. . نقل الله لم يكلفنا بهذا لأنه فوق طاقتنا. . ولكن الحكم الصحيح هل كلفك الله بهذا الأمر أو لم يكلفك؟ إن كان الله قد كلفك فهو عليم بأن ذلك في وسعك؛ لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها.
. ونحن نسمع الآن صيحات تقول أن العصر لم يعد يحتمل. . وإن ظروف الدنيا وسرعة الحركة فيها وسرعة الأحداث هي تبرير أنه ليس في وسعنا أن نؤدي بعض التكاليف. . ربما كان هذا التكليف في الوسع في الماضي عندما كانت الحياة بسيطة وحركتها بطيئة ومشكلاتها محدودة.
نقول لمن يردّد هذا الكلام: إن الذي كلفك قديما هو الله ﷾. إنه يعلم أن في وسعك أن تؤدي التكليف وقت نزوله. . وبعد آلاف السنين من نزوله وحتى قيام الساعة. . والدليل على ذلك أن هناك من يقوم بالتكليف ويتطوع بأكثر منه ليدخل في باب الإحسان؛ فهناك من يصلي الفروض وهي التكليف. . وهناك من يزيد عليها السنن. . وهناك من يقوم الليل. . فيظل يتقرب إلى الله ﵎ بالتطوع من جنس ما فرض. . وهناك من يصوم رمضان ومن يتطوع ويصوم أوائل الشهور العربية. . أو كل اثنين وخميس على
[ ١ / ٣٧٥ ]
مدار العام أو في شهري رجب وشعبان. . وهناك من يحج مرة ومن يحج مرات. . وهناك من يلتزم بحدود الزكاة ومن يتصدق بأكثر منها.
إذن كل التكاليف التي كلفنا الله بها في وسعنا وأقل من وسعنا. . ولا يقال أن العصر قد اختلف، فنحن الذين نعيش هذا العصر. . بكل ما فيه من متغيرات نقوم بالتكاليف ونزيد عليها دون أي مشقة، والله ﷾ رفع فوق بني إسرائيل الطور رحمة بهم. . تماما كما يمسك الطبيب المشرط ليزيل صديدًا تكوَّن داخل الجسد. . لأن الجسد لا يصح بغير هذا.
لذلك عندما أراد الله ﷾ أن يصيب بفضله ورحمته بني إسرائيل رغم أنوفهم. . رفع فوقهم جبل الطور الموجود في سيناء. . وقال لهم تقبلوا التكليف أو أطبق عليكم الجبل. . تماما كما أهلك الله ﵎ الذين كفروا ورفضوا الإيمان وقاوموا الرسل الذين من قبلهم. . قد يقول البعض إن الله ﷾ أرغم اليهود على تكليف وهو القائل: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي﴾ [البقرة: ٢٥٦]
وقوله تعالى: ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]
نقول إن الله ﷻ لم يرغم أحدا على التكليف. . ولكنه رحمة منه خيرهم بين التكليف وبين عذاب يصيبهم فيهلكهم. . وهذا العذاب هو أن يُطْبقَ عليهم جبل الطور. . إذن المسألة ليس فيها إجبار ولكن فيها تخيير. . وقد خُيِّرَ الذين من قبلهم بين الإيمان والهلاك فلن يصدقوا حتى أصابهم الهلاك. . ولكن حينما رأى بنو إسرائيل الجبل فوقهم خشعوا ساجدين على الأرض. . وسجودهم دليل
[ ١ / ٣٧٦ ]
على أنهم قبلوا المنهج. . ولكنهم كانوا وهم ساجدون ينظرون إلى الجبل فوقهم خشية أن يطبق عليهم.
. ولذلك تجد سجود اليهود حتى اليوم على جهة من الوجه. . بينما الجهة الأخرى تنظر إلى أعلى وكان ذلك خوفا من أن ينقض الجبل عليهم. . ولو سألت يهوديًا لماذا تسجد بهذه الطريقة يقول لك أحمل التوراة ويهتز منتفضا. . نقول أنهم اهتزوا ساعة أن رفع الله جبل الطور فوقهم. . فكانوا في كل صلاة يأخذون الوضع نفسه، والذين شهدوهم من أولادهم وذريتهم. . اعتقدوا أنها شرط من شروط السجود عندهم. . ولذلك أصبح سجودهم على جانب من الوجه. . ونظرهم إلى شيء أعلاهم يخافون منه. . أي أن الصورة التي حدثت لهم ساعة رفع جبل الطور لا زالوا باقين عليها حتى الآن.
في هذه الآية الكريمة يقول الحق ﵎: ﴿وإذا رفعنا فوقكم الطور. .﴾ وفي آية أخرى يقول المولى ﷻ في نفس ما حدث: ﴿وَإِذ نَتَقْنَا الجبل فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وظنوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَآ ءاتيناكم بِقُوَّةٍ واذكروا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٧١]
«نتقنا» كأن الجبل وتد في الأرض ونريد أن نخلعه. . فنحركه يمينا ويسارا حتى يمكن أن يخرج من الأرض. . هذه الحركة والزحزحة والجذب هي النتق. . والجبل كالوتد تماما يحتاج إلى هز وزعزعة وجذب حتى يخرج من مكانه. . وهذه الصورة عندما حدثت خشعوا وسجدوا وتقبلوا المنهج.
يقول الحق ﷾: ﴿خُذُواْ مَآ ءاتيناكم بِقُوَّةٍ﴾ . . الأخذ عادة مقابل للعطاء. . أنت تأخذ من معطٍ. . والتكليف أخذ من الله حتى تعطي به حركة صلاح في الكون. . إذن كل أخذ لابد أن يأتي منه عطاء؛ فأنت تأخذ من الجيل الذي سبقك وتعطي للجيل الذي يليك. . ولكنك لا تعطيه كما هو، ولكن لابد أن تضيف عليه. وهذه الإضافة هي التي تصنع الحضارات.
وقوله تعالى: «بقوة» . . أي لا تأخذوا التكليف بتخاذل. . والإنسان عادة
[ ١ / ٣٧٧ ]
يأخذ بقوة ما هو نافع له. . ولذلك فطبيعة مناهج الله أن تؤخذ بقوة وبيقين. . لتعطي خيرا كثيرا بقوة وبيقين. . وإذا أخذت منهج الله بقوة فقد ائتمنت عليه وأن صدرك قد انشرح وتريد أن تأخذ أكثر. . لذلك تجد في القرآن الكريم يسألونك عن كذا. . دليل على أنهم عشقوا التكليف وعلموا أنه نافع فهم يريدون زيادة النفع.
ومادام الحق ﷾ قال: ﴿خُذُواْ مَآ ءاتيناكم بِقُوَّةٍ﴾ . . فقد عشقوا التكليف ولم يعد شاقا على أنفسهم.
وقوله تعالى: ﴿واذكروا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ . . إذكروا ما فيه أي ما في المنهج وأنه يعالج كل قضايا الحياة واعرفوا حكم هذه القضايا. . ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أي تطيعون الله وتتقون عقابه وعذابه يوم القيامة.
[ ١ / ٣٧٨ ]