وكان سؤالهم يبين نقص درجة الإيمان عندهم. . لم يقولوا ادع لنا ربنا. . بل قالوا إدع لنا ربك، وكأنه رب موسى وحده. . ولقد تكررت هذه الطريقة في كلام بني إسرائيل عدة مرات. . حتى إنهم قالوا كما يروي لنا القرآن الكريم: ﴿فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فقاتلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]
ولقد استمر الحوار بينهم وبين موسى فترة طويلة. . يوجهون السؤال لموسى فيدعو الله فيأتيه الجواب من الله ﵎. . فبدلا من أن ينفذوا الأمر وتنتهي المسألة يوجهون سؤالا آخر. . فيدعو موسى ربه فيأتيه الجواب، ويؤدي الجواب إلى سؤال في غير محله منهم. . ثم يقطع الحق ﷾ عليهم أسباب الجدل. . بأن يعطيهم أوصافا لبقرة لا تنطبق إلا على بقرة واحدة فقط. . فكأنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم. .
نأتي إلى أسئلة بني إسرائيل. . يقول الحق ﷾: ﴿قَالُواْ ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ﴾ . . سؤال لا معنى له ولا محل. . لأن الله ﵎ قال لهم إنها بقرة. . ولم يقل مثلا إنها حيوان على إطلاقه فلم يكن هناك محل للسؤال. . فجاء الحق ﵎ يقول لهم: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ﴾ . . الفارض في اللغة هو الواسع والمراد به بقرة غير مسنة. . ولكن ما العلاقة بين سن البقرة وبين الواسع؟ البقرة تتعرض للحمل كثيرا وأساسا هي للبن وللإنجاب. . ومادامت قد تعرضت للحمل كثيرا يكون مكان اللبن فيها في
[ ١ / ٣٩٢ ]
اتساع. . أي أن بطنها يزداد اتساعا مع كل حمل جديد. . وعندما يكون بطن البقرة واسعًا يعرف أنها مسنة وولدت كثيرا وصارت فارضا.
وكلمة «بكر» لها معانٍ متعددة منها أنه لم يطأها فحل. . ومنها أنها بكر ولدت مرة واحدة. . ومنها أنها ولدت مرارا ولكن لم يظهر ذلك عليها لأنها صغيرة السن.
وقوله تعالى: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذلك﴾ . . يعني وسط بين هذه الأوصاف كلها. . الحق بعد ذلك يقرعهم فيقول: ﴿فافعلوا مَا تُؤْمَرونَ﴾ . . يعني كفاكم مجادلة ونفذوا أمر الله واذبحوا البقرة. . ولكنهم لم يسكنوا أنهم يريدون أن يحاوروا. . ولذلك غيروا صيغة السؤال.
[ ١ / ٣٩٣ ]