قلنا ساعة تسمع «إذ» فأعلم أن معناها أذكر. . وقلنا إن الميثاق هو العهد الموثق. . وقوله تعالى: ﴿لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ﴾ . . والله ﵎ ذكر قبل ذلك في الميثاق عبادة الله وحده. . وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين. . وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة إلى آخر ما جاء في الآية الكريمة. . وكلها أوامر أي وكلها افعل. . إستكمالا للميثاق. . يقول الله في هذه الآية الكريمة ما لا تفعل. . فالعبادة كما قلنا هي إطاعة الأوامر والامتناع عن النواهي. . أو ما نهى عنه الميثاق:
﴿لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ﴾ ومعناها لا يسفك كل واحد منكم دم أخيه. . لا يسفك بعضكم دم بعض. ولكن لماذا قال الله: «دماءكم»؟ لأنه بعد ذلك يقول: ﴿وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ﴾ . . الحكم الإيماني يخاطب الجماعة الإيمانية على أنها وحدة واحدة. . لذلك يقول رسول الله ﷺ َ:
«مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى»
فكأن المجتمع الإيماني وحدة واحدة. . والله ﷾ يقول: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُواْ على أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ الله مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١]
[ ١ / ٤٣٤ ]
ولكن إذا كنت أنا الداخل فكيف أسلم على نفسي؟ كأن الله يخاطب المؤمنين على أساس أنهم وحدة واحدة. . وعلى هذا الأساس يقول سبحانه: ﴿لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ﴾ . . أي لا تقتلوا أنفسكم. . السفك معناه حب الدم. . «ودماءكم» هو السائل الموجود في الجسم اللازم للحياة. . وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ﴾ يعني لا يخرج بعضكم بعضا من ديارهم. . ثم ربط المؤمنين من بني إسرائيل بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ . . أقررتم أي اعترفتم: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ الشهادة هي الإخبار بمشاهد. . والقاضي يسأل الشهود لأنهم رأوا الحادث فيروون ما شاهدوا. . وأنت حين تروي ما شاهدت. . فكأن الذين سمعوا أصبح ما وقع مشهودا وواقعا لديهم. . وشاهد الزور يغير المواقع.
الحق ﷾ يخاطب اليهود المعاصرين لرسول الله ﷺ َ. . ويذكرهم بما كان من آبائهم الأولين. . وموقفهم من أخذ الميثاق حين رفع فوقهم جبل الطور وهي مسألة معروفة. . والقرآن يريد أن يقول لهم إنكم غيرتم وبدلتم فيما تعرفون. . فالذي جاء على هواكم طبقتموه. . والذي لم يأت على هواكم لم تطبقوه.
[ ١ / ٤٣٥ ]