عندما رفض اليهود الإيمان برسول الله ﷺ َ وطردهم الله من رحمته. . بيّن لنا أنهم: ﴿بِئْسَمَا اشتروا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ . . وكلمة إشترى سبق الحديث عنها وقلنا إننا عادة ندفع الثمن ونأخذ السلعة التي نريدها. . ولكن الكافرين قلبوا هذا رأسا على عقب وجعلوا الثمن سلعة. . على أننا لابد أن نتحدث أولا عن الفرق بين شرى واشترى. . شَرَى بمعنى باع. . واقرأ قوله ﷿: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزاهدين﴾ [يوسف: ٢٠]
ومعنى الآية الكريمة أنهم باعوه بثمن قليل. . واشترى يعني ابتاع. . ولكن اشترى قد تأتي بمعنى شرى. . لأنك في بعض الأحيان تكون محتاجا إلى سلعة ومعك مال. . وتذهب وتشتري السلعة بمالك وهذا هو الوضع السليم. . ولكن لنفرض أنك احتجت لسلعة ضرورية كالدواء مثلا. . وليس عندك المال ولكن عندك سلعة أخرى كأن يكون عندك ساعة أو قلم فاخر. . فتذهب إلى الصيدلية وتعطي الرجل سلعة مقابل سلعة. . أصبح الثمن في هذه الحالة مشترى. . إذن فمرة يكون البيع مشتري ومرة يكون مبيعًا. .
والحق ﵎ يقول: ﴿بِئْسَمَا اشتروا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ . . وكأنما يعيرهم بأنهم يدعون الذكاء والفطنة. . ويؤمنون بالمادية وأساسها البيع والشراء. . لو كانوا حقيقة يتقنون هذا لعرفوا أنهم قد أتموا صفقة خاسرة. . الصفقة الرابحة
[ ١ / ٤٥٧ ]
كانت أن يشتروا أنفسهم مقابل التصديق بما أنزل الله على محمد ﷺ َ. . ولكنهم باعوا أنفسهم واشتروا الكفر فخسروا الصفقة لأنهم أخذوا الخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة. . والله ﷾ يجعل بعض العذاب في الدنيا ليستقيم ميزان الأمور حتى عند من لم يؤمن بالآخرة. . فعندما يرى ذلك من لا يؤمن بالآخرة عذابا دنيويا يقع على ظالم. . يخاف من الظلم ويبتعد عنه حتى لا يصيبه عذاب الدنيا ويعرف أن في الدنيا مقاييس في الثواب والعقاب. . وحتى لا ينتشر في الأرض فساد من لا يؤمن بالله ولا بالآخرة. . وضع الحق ﵎ قصاصا في الدنيا. . واقرأ قوله ﷻ: ﴿وَلَكُمْ فِي القصاص حَيَاةٌ ياأولي الألباب لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩]
والله ﷾ في قصاصه يلفت المؤمن وغير المؤمن إلى عقوبة الحياة الدنيا. . فيأتي للمرابي الذي يمتص دماء الناس ويصيبه بكارثة لا يجد بعدها ما ينفقه. . ولذلك نحن نقول يا رب إن القوم غرهم حلمك واستبطأوا آخرتك فخذهم ببعض ذنوبهم أخذ عزيز مقتدر حتى يعتدل الميزان.
والله ﵎ جعل مصارع الظالمين والباغين والمتجبرين في الدنيا. . جعلها الله عبرة لمن لا يعتبر بمنهج الله.
فتجد إنسانا ابتعد عن دينه وأقبلت عليه الدنيا بنعيمها ومجدها وشهرتها ثم تجده في آخر أيامه يعيش على صدقات المحسنين. . وتجد امرأة غرها المال فانطلقت تجمعه من كل مكان حلالا أو حراما وأعطتها الدنيا بسخاء. . وفي آخر أيامها تزول عنها الدنيا فلا تجد ثمن الدواء. . وتموت فيجمع لها الناس مصاريف جنازتها. . كل هذه الأحداث وغيرها عبرة للناس. . ولذلك فهي تحدث على رؤوس الأشهاد. . يعرفها عدد كبير من الناس. . إما لأنها تنشر في الصحف وإما أنها تذاع بين أهل الحي فيتناقلونها. . المهم أنها تكون مشهورة.
وتجد مثلا أن اليهود الذين كانوا زعماء المدينة تجار الحرب والسلاح. . ينتهي بهم الحال أن يطردوا من ديارهم وتؤخذ أموالهم وتسبى نساؤهم. . أليس هذا خزيا؟
[ ١ / ٤٥٨ ]
قوله تعالى: ﴿أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أنَزَلَ الله بَغْيًا﴾ . . البغي تجاوز الحد، والله جعل لكل شيء حدا مَنْ تجاوزه بَغَى. . والحدود التي وضعها الله سبحانه هي أحكام. . ومرة تكون أوامر ومرة تكون نواهي. ولذلك يقول الحق بالنسبة للأوامر: ﴿تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]
ويقول تعالى بالنسبة للنواهي: ﴿تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]
ولكن ما سبب بغيهم؟ . . بغيهم حسد على رسول الله ﷺ َ أن تأتي إليه الرسالة. . وعلى العرب أن يكون الرسول منهم. . واليهود اعتقدوا لكثرة أنبيائهم أنهم الذين ورثوا رسالات الله إلى الأرض. . وعندما جاءت التوراة والإنجيل يبشران برسول خاتم قالوا إنه منا. . الرسالة والنبوة لن تخرج عنا فنحن شعب الله المختار. . ولذلك كانوا يعلنون أنهم سيتبعون النبي القادم وينصرونه. . ولكنهم فوجئوا بأنه ليس منهم. . حينئذ ملأهم الكبر والحسد وقالوا مادام ليس منا فلن نتبعه بل سنحاربه. . لقد خلعت منهم الرسالات لأنهم ليسوا أهلا لها. . وكان لابد أن يعاقبهم الله على كفرهم ومعصيتهم ويجعل الرسالة في أمة غيرهم. . والله ﵎ يقول: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى الله بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر: ١٦ - ١٧]
لقد اختبرهم الله في رسالات متعددة ولكنهم كما قرأنا في الآيات السابقة. . كذبوا فريقا من الأنبياء. ومن لم يكذبوه قتلوه. . لذلك كان لابد أن ينزع الله منهم هذه الرسالات ويجعلها في أمة غيرهم. . لتكون أمة العرب فيها ختام رسالات السماء إلى الأرض. . ولذلك بغوا.
[ ١ / ٤٥٩ ]
وقوله تعالى: ﴿بَغْيًا أَن يُنَزِّلُ الله مِن فَضْلِهِ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ . . ومن هنا نعرف أن الرسالات واختيار الرسل. . فضل من الله يختص به من يشاء. . والله سبحانه حين يطلق أيدينا ويملكنا الأسباب. . فإننا لا نخرج عن مشيئته بل نخضع لها. . ونعرف أنه لا ذاتية في هذا الكون.
. وذلك حتى لا يغتر الإنسان بنفسه. . فإن بطل العالم في لعبة معينة هو قمة الكمالات البشرية في هذه اللعبة. . ولكن هذه الكمالات ليست ذاتية فيه لأن غيره يمكن أن يتغلب عليه. . ولأنه قد يصيبه أي عائق يجعله لا يصلح للبطولة. . وعلى كل حال فإن بطولته لا تدوم. . لأنها ليست ذاتية فيه ومَنْ وهبها له وهو الله سيهبها لغيره متى شاءَ. . ولذلك لابد أن يعلم الإنسان أن الكمال البشري متغير لا يدوم لأحد. . وأن كل من يبلغ القمة ينحدر بعد ذلك لأننا في عالم أغيار. . ولابد لكل من علا أن ينزل. . فالكمال لله وحده. . والله سبحانه يحرس كماله بذاته.
إذن اليهود حسدوا رسول الله. . حسدوا نزول القرآن على العرب. . والحق سبحانه يقول: ﴿فَبَآءُو بِغَضَبٍ على غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ . . والله ﷻ يخبرنا أنه غضب عليهم مرتين.
الغضب الأول أنهم لم ينفذوا ما جاء في التوراة فغضب الله عليهم. . والغضب الثاني حين جاءهم رسول مذكور عندهم في التوراة ومطلوب منهم أن يؤمنوا به فكفروا به. . وكان المفروض أن يؤمنوا حتى يرضى الله عنهم. . ولذلك غضب الله عليهم مرة أخرى عندما كفروا برسول الله ﷺ َ. .
وقوله تعالى: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ . . العذاب في القرآن الكريم وُصِفَ بأنه أليم. . وَوُصِفَ بأنه عظيم وَوُصِفَ بأنه مهين. . أليم أي شديد الألم يصيب من يعذب بألم شديد. . ولكن لنفرض أن الذي يعذب يتجلد. . ويحاول ألا يظهر الألم حتى لا يشمت فيه الناس. . يأتيه الله بعذاب عظيم لا يقدر على احتماله. . ذلك أن عظمة العذاب تجعله لا يستطيع أن يحتمل. . فإذا كان الإنسان من الذين تزعموا الكفر في الدنيا. . ووقفوا أمام دين الله يحاربونه وتزعموا قومهم. . يأتيهم الله ﵎ بعذاب مهين. . ويكون هذا أكثر إيلاما للنفس من الألم. . تماما كما تأتي لرجل هو أقوى مَنْ في المنطقة يخافه الناس جميعا ثم تضربه بيدك وتسقطه على الأرض. . تكون في هذه الحالة قد أهنته أمام
[ ١ / ٤٦٠ ]
الناس. . فلا يستطيع بعد ذلك أن يتجبر أو يتكبر على واحد منهم. . ويكون هذا أشد إيلاما للنفس من ألم العذاب نفسه ولذلك يقول الحق ﷾: ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرحمن عِتِيًّا ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذين هُمْ أولى بِهَا صِلِيًّا﴾ [مريم: ٦٩ - ٧٠]
وقوله ﷻ: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم﴾ [الدخان: ٤٩]
ذلك هو العذاب المهين.
[ ١ / ٤٦١ ]