والله ﷾ يريد أن يفضح اليهود. . ويبين إن إيمانهم غير صحيح وأنهم عدلوا وبدلوا واشتروا بآيات الله ثمنا قليلا. . وهو سبحانه يريدنا أن نعرف أن هؤلاء اليهود. . لم يفعلوا ذلك عن جهل ولا هم خُدعوا بل هم يعملون أنهم غيروا وبدلوا. . ويعرفون أنهم جاءوا بكلام ونسبوه إلى الله ﷾ زورا وبهتانا. . ولذلك يطلب من رسول الله ﷺ َ أن يفضحهم أمام الناس ويبين كذبهم بالدليل القاطع. . فيقول: ﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدار الآخرة﴾: «قل» موجهة إلى رسول الله ﷺ َ أي قل لهم يا محمد. . ولا يقال هذا الكلام إلا إذا كان اليهود قالوا إن لهم: «الدار الآخرة عند الله خالصة» .
الشيء الخالص هو الصافي بلا معكر أو شريك. أي الشيء الذي لك بمفردك لا يشاركك فيه أحد ولا ينازعك فيه أحد. . فالله ﷾ يقول لرسوله ﷺ َ: إن كانت الآخرة لهم وحدهم عند الله لا يشاركهم فيها أحد. . فكان الواجب عليهم أن يتمنوا الموت ليذهبوا إلى نعيم خالد. . فمادامت لهم الدار الآخرة وماداموا موقنين من دخول الجنة وحدهم. . فما الذي يجعلهم يبقون في الدنيا. . أَلاَ يتمنون الموت كما تمنى المسلمون الشهادة ليدخلوا الجنة. . وليست هذه هي الافتراءات الوحيدة من اليهود على الله ﷾. . واقرأ قوله ﷻ: ﴿وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى﴾ [البقرة: ١١١]
من الذي قال؟ اليهود قالوا عن أنفسهم لن يدخل الجنة إلا من كان هودا،
[ ١ / ٤٧٠ ]
والنصارى قالوا عن أنفسهم لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا. . كل منهم قال عن نفسه إن الجنة خاصة به. ولقد شكل قولهم هذا لنا لغزا في العقائد. . من الذي سيدخل الجنة وحده. . اليهود أم النصارى؟ نقول: إن الله ﷾ أجاب عن هذا السؤال بقوله ﷻ: ﴿وَقَالَتِ اليهود لَيْسَتِ النصارى على شَيْءٍ وَقَالَتِ النصارى لَيْسَتِ اليهود على شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣]
وهذا أصدق قول قالته اليهود وقالته النصارى بعضهم لبعض. فاليهود ليسوا على شيء والنصارى ليسوا على شيء. . وكلاهما صادق في مقولته عن الآخر. . في الآية الكريمة التي نحن بصددها. . اليهود قالوا إن الدار الآخرة خالصة لهم. . سنصدقهم ونقول لهم لماذا لا يتعجلون ويتمنون الموت. . فالمفروض أنهم يشتاقون للآخرة مادامت خالصة لهم. . ولذلك قال الله ﵎: ﴿إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ . . ولكنها أمانٍ كاذبة عند اليهود وعند النصارى. . واقرأ قوله سبحانه: ﴿وَقَالَتِ اليهود والنصارى نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَللَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ المصير﴾
[المائدة: ١٨]
إذن هم يتوهمون أنهم مهما فعلوا من ذنوب فإن الله لن يعذبهم يوم القيامة. . ولكن عدل الله يأبى ذلك. . كيف يعذب بشرا بذنوبهم ثم لا يعذب اليهود بما اقترفوا من ذنوب. . بل يدخلهم الجنة في الآخرة. . وكيف يجعل الله ﷾ الجنة في الآخرة لليهود وحدهم. . وهو قد كتب رحمته لأتباع محمد ﷺ َ والمؤمنين برسالة الإسلام. . وأبلغ اليهود والنصارى بذلك في كتبهم. . واقرأ قوله ﷾:
[ ١ / ٤٧١ ]
﴿واكتب لَنَا فِي هذه الدنيا حَسَنَةً وَفِي الآخرة إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ قَالَ عذابي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزكاة والذين هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الذين يَتَّبِعُونَ الرسول النبي الأمي الذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التوراة والإنجيل﴾ [الأعراف: ١٥٦ - ١٥٧]
إذا كانت هذه هي الحقيقة الموجودة في كتبهم. . والحق ﵎ يقول: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخرة مِنَ الخاسرين﴾ [آل عمران: ٨٥]
فكيف يَدَّعِي اليهود أن الدار الآخرة خالصة لهم يوم القيامة؟ ولكن الحق ﷻ يفضح كذبهم ويؤكد لنا أن ما يقولونه هم أول من يعرف إنه كذب.
[ ١ / ٤٧٢ ]