هنا يأمر الحق رسوله بالآتي: ﴿قُلْ ياأيها الناس إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ في رسالة تعم الزمان، وتعم المكان. وفي ذلك يقول رسول الله:
«أعطيت خمسًا لم يُعْطَهن أحد من الأنبياء قبلي. . نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة وأعطيت الشفاعة» .
[ ٧ / ٤٣٨٥ ]
ثم بعد ذلك أراد الحق ﷾ أن يثبت عمومية الرسالة بعمومية تسخير الكون للخلق؛ لذلك كان الحديث موجهًا إلى كافة الناس: ﴿قُلْ ياأيها الناس﴾ . وكل من يطلق عليهم ناس فالرسول مرسل إليهم: ﴿إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ وأراد سبحانه أن يعطينا الحيثيات التي تجعل لله رسولًا يبلغ قومه وكافة الأقوام منهج الله في حركة حياتهم، فقال: ﴿الذي لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض﴾ .
ومادام هو الذي يملك السموات والأرض، ولم يدّع أحد من خلقه أنه يملكها، وفي السموات والأرض وما بينهما حياتنا ومقومات وجودنا فهو سبحانه أولى وأحق أن يعبد. ولو أن السماء لواحد، والهواء لواحد، والأرض لواحد، وما بينهما لواحد لكان من الممكن أن يكون إله هنا، وإله هناك وإله هنالك. وفي هذا يقول الحق: ﴿إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ ﴾ [المؤمنون: ٩١]
إذن فما دام الوجود كله من السموات والأرض وما سواهما لله، فهو الأوْلى أن يعبد، وأول قمة العبادة أن تشهد بأنه لا إله إلا الله، وحيثية ألوهيته الأولى أن له ملك السموات والأرض. وما دام إلهًا فلا بد أن يطاع، ولا يطاع إلا بمنهج، ولا منهج إلا بافعل ولا تفعل. وأول المنهج القمة العقدية إنه هو التوحيد. وجعل الله للتوحيد حيثية من واقع الحياة فقال: ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ . وهذا أمر لم يدعه أحد أبدًا؛ لأن الله هو الذي له ملك السموات والأرض، ولأنه يحيي ويميت.
ولذلك نجد من حاجّ إبراهيم في ربه يقول الحق عنه: ﴿أَنْ آتَاهُ الله الملك إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ ﴾ [البقرة: ٢٥٨]
وحاول هذا الملك أن يدير حوارًا سفسطائيًّا مضللا ليفحم ويسكت إبراهيم - ﵇ - فقال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ﴾ [البقرة: ٢٥٨]
[ ٧ / ٤٣٨٦ ]
وذلك بأن يأمر بقتل انسان ثم يعفو عنه، وهو بذلك لا يميته بل يحييه في منطق السفسطائيين. لكن هل الأمر بالقتل هو الموت؟ . طبعا لا؛ لأن هناك فارقا بين الموت والقتل، فقد يقتل إنسان إنسانًا آخر، لكنه لا يمكن أن يميته؛ لأن الموت يأتي بدون هدم بنيته بشيء؛ برصاصة أو بحجر أو بقنبلة. ولا أحد قادر على أن يميت احدًا إذا رغب في أن يميته، فالموت هو الحادث بدون سبب، لكن أن يقتل إنسان إنسانًا آخر فهذا ممكن، ولذلك يقول الحق سبحانه عن نفسه: ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ.
. .﴾ [الأعراف: ١٥٨]
وانظروا إلى الدقة في الأداء؛ فما دام قد أمر الحق رسوله أن يقول: إني رسول الله إليكم جميعًا، وحيثية الإِيمان هي الإِقرار والاعتقاد بوحدانية الإِله الذي له ملك السموات والأرض، وهو لا إله إلا هو، وهو يحيي ويميت؛ لذلك يدعوهم إلى الإِيمان بالخالق الأعلى: ﴿فَآمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ﴾ .
لم يقل محمدٌ وآمنوا بي؛ لأنها ليست مسألة ذاتية في شخصك ما يا محمد، إنما هو تكريم لرسالتك إلى الناس، فالإِيمان لا بذاتك وشخصك، ولكن لأنك رسول الله، فجاء بالحيثية الأصلية ﴿فَآمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ﴾، والرسول قد يكون محمدًا أو غير محمد. . وبعد ذلك قال في وصف النبي: ﴿النبي الأمي الذي يُؤْمِنُ بالله وَكَلِمَاتِهِ﴾ . والأمية - كما علمنا من قبل - شرف في سيدنا محمد ﷺ َ، وهو ﷺ َ يؤمن بكلمات الله، وهي إما بما بلغنا عنه من أسلوب القرآن، وإمّا بالذي قاله موسى لقومه: «وجعل كلامي في فيه» .
ويقول فيه عيسى - الذي لا يتكلم من قِبَل نفسه -، وإنما تأتي له كلمات ربنا في فمه، والقول الشامل في وصف كلمات محمد ﷺ َ: ما بيّنه الحق في قوله: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى﴾ [النجم: ٣]
أو أن الإِيمان بالكلمات هو أن يؤمن بأن كل كون الله مخلوق بكلمة منه:
[ ٧ / ٤٣٨٧ ]
﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]
ولقائل أن يقول: كيف يخاطب الله شيئًا وهو لم يكن بعد؟ ونقول: إنه سبحانه قد علمه أزلًا، ووجوده ثابت وحاصل، ولكن الله يريد أن يبرز هذا الموجود للناس، فوجود أي شيء هو أزلي في علم الله، وكأنه يقول للشيء: اظهر يا كائن للوجود ليراك الناس بعد أن كنت مطمورًا في طيّ قدرتي.
وسواء أكانت الكلمة بخلق الأسباب، مثل خلث الشمس والقمر أم بخلق شيء بلا أسباب، كعيسى - ﵇ - فأنه «كلمة منه» أي كلمة تخطت نطاق الأسباب؛ بأن ولدت سيدتنا مريم من غير رجل. وفي هذا تخطٍ للأسباب، ولذلك قال الحق سبحانه:
﴿بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ﴾ . ونعلم أن كل شيء لا يكون إلا بكلمة منه سبحانه، ولكن بكلمة لها أسباب، أو بكلمة لا أسباب لها. والكلمات هي أيضًا الآيات التي فيها منهج الأحكام، ولذلك يأتي قوله الحق: ﴿قولوا آمَنَّا بالله وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ والأسباط وَمَآ أُوتِيَ موسى وعيسى وَمَا أُوتِيَ النبيون مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦]
ويروي لنا الأثر أن سيدنا موسى ﵇ قال لربه:
«أني أجد في الألواح أمة يؤمنون بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر ويقاتلون فصول الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الكذاب، فاجعلهم أمتي قال: تلك أمة أحمد» .
[ ٧ / ٤٣٨٨ ]
وقول موسى آمنوا بالكتاب الآخر، هو الذي يدل عليه قول الحق سبحانه: ﴿قولوا آمَنَّا بالله وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ والأسباط ﴾ [البقرة: ١٣٦]
ويذيل الحق الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها بقوله:
﴿واتبعوه لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ . و«لعل» رجاء وطلب. ونعلم أن كل طلب يتعلق بأحد أمرين: إما طلب لمحال لكنك تطلبه لتدل بذلك على أنك تحبه، وهو لون من التمني مثل قول من قال: ليت الشباب يعود يومًا، إنه يعلم أن الشباب لا يعود لكنه يقول ذلك ليشعرك بأنه يحب الشباب. أو كقول إنسان: ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها عقود مدح، وهذا طلب لمحال، إلا أنه يريد أن يشعرك بأن هذا أمر يحبه، إمَّا طلب ممكن التحقيق. وهو ما يسمى بالرجاء. وله مراحل: فأنت حين ترجو لإِنسان كذا، تقول: لعل فلانًا يعطيك كذا، والإِدخال في باب الرجاء أن تقول: لعلي أعطيك؛ لأن الرجاء منك أنت، وأنت الذي تقوله، ومع ذلك قد لا تستطيع تحقيقه، والأقوى أن تقول: لعل الله يعطيك. أما الله يعطيك. ولكنها من كلامك أنت فقد يستجيب الله لك وقد لا يستجيب، أما إذا قال الله: لعلكم، فهذا أرجي الرجاءات، ولابد أن يتحقق.
وحينما يتكلم الحق عن قوم موسى، يتكلم عنهم بعرض قصصهم، وفضائحهم للعهد بعد نعم الله الواسعة الكثيرة عليهم، وأوضح لنا: إياكم أن تأخذوا هذا الحكم عامًا؛ لأن الحكم لو كان عامًا، لما وُجد من أمة موسى من يؤمن بمحمد. ولذلك قلنا قديمًا إن هناك ما يسمى «صيانة الاحتمال» . ومثال على ذلك نجد من اليهود من آمنوا برسالة رسول الله مثل مخريق الذي قال فيه رسول الله - ﷺ َ -: «مخريق خير يهود» . وعبد الله بن سلام إن بعض اليهود كانوا مشغولين بقضية الإِيمان، ولذلك لا تأخذ المسألة كحكم عام؛ لأن من قوم موسى من يصفهم الحق بالقول الكريم:
[ ٧ / ٤٣٨٩ ]
﴿وَمِن قَوْمِ موسى أُمَّةٌ ﴾
[ ٧ / ٤٣٩٠ ]