أيشركون في عبادة الله من لا يخلقون شيئًا، وهم أنفسهم مخلوقون لله، إن من أشركوا بالله الأصنام فعلوا ذلك بالوهم وتنازلوا عن العقل، وكان الواجب أن يكونوا عقلاء فلا يتخذون من الأصنام آلهة. ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾
ولذلك فإن هناك آية أخرى تفضح زعمهم يقول فيها الحق ﵎: ﴿إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَن يَخْلُقُواْ ذُبَابًا وَلَوِ اجتمعوا لَهُ ﴾ [الحج: ٧٣] .
ونعلم أن البشر في المعامل قد عرفوا العجز عن خلق خلية واحدة وهي التي لا ترى بالعين المجردة، ولذلك أوضح الحق أن المسألة ليست أمر خلق، بل إن الذباب لو وقع على طعام إنسان وأخذ على جناحه أو في خرطومه شيئًا، لن يستطيع أحد أن يسترد المأخوذ منه، فقد ضعف الطالب والمطلوب.
والخلق - كما نعلم - أول مرتبة من مراتب القدرة، فإذا كانت الأصنام التي اتخذها هؤلاء شركاء لا تخلق شيئًا بإقرارهم هم، فكيف يعبدونها؟ إنها لا تخلق شيئًا بدليل أنها لا تتناسل. بل إذا أراد العابدون أن يزيدوا صنمًا صنعه العابدون بأنفسهم. ونلحظ أن الحق جاء هنا بالقول: ﴿أَيُشْرِكُونَ﴾ بصيغة تعجب، والتعجب ينشأ عن إنكار ما به الاستفهام، أي تعجب منكرًا على وفق الطباع العادية، مثلما
[ ٨ / ٤٥١٩ ]
يقول لنا: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله ﴾ [البقرة: ٢٨] .
أي قولوا لنا ما الطريقة التي بها تكفرون بالله وتسترون وجوده، مع هذه الآيات البينات الواضحات؟ فكأن ذلك أمْر عجب يدعو أهل الحق للدهشة والاستغراب والإنكار الشديد، وحينما يتكلم الحق بإنكار شيء لأنه أمر عجيب، يوجه الكلام مرة إليهم، ومرة أخرى يوجهه إلى غيرهم، مثل قوله هنا: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾
والكلام للمؤمنين لأنه يريد أن يعطي لقطتين في الآية، اللقطة الأولى: أن ينكر ما فعله هؤلاء، وأن يزيد القوم الذين لم يفعلوا ثقة في نفوسهم، وفرحة بمواقفهم الإيمانية، حيث لم يكونوا مثل هؤلاء ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ .
وفي الآية الكريمة وقفة لفظية في الأسلوب العربي نفسه قد تثير عند البعض إشكالا، في قوله تعالى: ﴿مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ . و«ما» تعني الذي لم يخلق شيئًا، و«يخلق» هنا للمفرد، وسبحانه وتعالى جعل للمفرد هنا عمل الجمع فقال: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ .
وأقول: إن الذي يقف هذه الوقفة، ويلاحظ هذا الملحظ إنسان سطحي الثقافة بالعربية، لأنه لا يعلم أن «ما» و«من» و«ال» تطلق على المفرد والمفردة، وعلى المثنى والمثناة، وعلى جمع الذكور وجمع الإناث، فتقول: جاءني من أكرمته، وجاءتني من أكرمتها، وجاءني من أكرمتهما، وجاءت من أكرمتهما، وجاء من أكرمتهم وجاء من أكرمتهن.
وكذلك «ما» . إذن فقول الحق: ﴿مَا لاَ يَخْلُقُ﴾ في ظاهرها مفرد، ولكن اللفظ
[ ٨ / ٤٥٢٠ ]
يطلق على المفرد والجماعة؛ لذلك جاء في الأمر الثاني وراعى الجماعة، إذن «يخلق» للمفرد، و«هم يخلقون» للجمع لأن قوله: «ما» صالح للجميع أي للمفرد وللمثنى وللجمع وللمذكر وللمؤنث.
ومثال ذلك قول الحق ﵎: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ ﴾ [محمد: ١٦] .
وسبحانه قال هنا: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾، ولم يقل: «حتى إذا خرج من عندك» بل قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حتى إِذَا خَرَجُواْ﴾ أي أنه جاء بالجماعة، فإذا رأيت ذلك في «ما» و«من» و«ال» فاعلم أن هذه الألفاظ يستوي فيها المفرد والمفردة والمثنى والمثناة وجمع الذكور وجمع الإناث. ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ .
وهنا في هذه الآية وقفة لغوية أخرى في قوله: «هم» وهي لا تطلق إلا على جماعة العقلاء، فكيف يطلق على الأصنام «هم» وليست من العقلاء؟ وأقول: إن الحق ﷾ لما علم أنهم يعتقدون أنها تضر، وأنها تنفع، فقد تكلم معهم على وفق ما يعتقدون، لكي يرتقي معهم في رد الإنكار لكل ما يستحق الإنكار. فأول مرحلة عرفهم أن الأصنام لا تخلق، وثاني مرحلة عرفهم أنهم هم أنفسهم مخلوقون والأصنام لا تقدر على نصرهم، إذن فهم معطلون من كل ناحية؛ لأنهم لا يخلقون. وهذا أول عجز، ومن ناحية أخرى أنهم يُخْلَون وهذا عجز آخر، لكن بعد هذا العجز الأول والعجز الثاني فهل هم قادرون على نصر غيرهم؟ ها هو ذا سبحانه يترقى في الحوار معهم ترقية أخرى فيقول: ﴿وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا ﴾
[ ٨ / ٤٥٢١ ]