وما دام الوليّ هو الله، فالرسول ﷺ َ لا يبالي بهم، و«الولي» هو الذي يليك، وأنت لا تجعل أحدًا يليك إلا أقربهم إلى نفسك، وإلى قلبك، ولا يكون أقربهم إلى نفسك وإلى قلبك، إلا إذا آنست منه نفعًا فوق نفعك، وقوة فوق قوتك، وعلمًا فوق علمك، وقول الرسول بأمره ﷾: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ الله ﴾
أي أنه ناصري على أي كيد يحاول معسكر الشرك أن يصنعه أو يبيته لي. فالله هو ولي الرسول أي ناصره، والقريب منه بصفات الكمال والجلال التي تخصه ﷾، وعندما يكون لمؤمن خصلة ضعف فهو يذهب لمن عنده خصلة قوة، ولذلك قلنا في قصة موسى ﵇ حين التفت قومه ووجدوا قوم فرعون فقالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾
[ ٨ / ٤٥٢٨ ]
أي أن جيش فرعون سيدركهم، لأن البحر أمامهم والعدو وراءهم. وليس أمامهم فسحة أمامية للهرب ولا منفذ لهم إلا أن يصمدوا أمام جيش فرعون وهم بلا قوة ولم يكذبهم موسى ﵇ في قولهم. بل قال لهم يطمئنهم: ﴿كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] .
وهنا خرجت المسألة عن أسباب البشر وانتهت إلى الركن الشديد الذي يأوي إليه الرسل. ولا يقول هذا القول إلا وهو واثق تمام الثقة من نصرة الله، وسبق أن رويت لكم حكاية المرأة الأوروبية التي أسلمت لأنها كانت تقرأ سيرة الرسول ﷺ َ كبطل من أبطال العالم، صنع أكبر انقلاب في تاريخ البشرية، ولما مرت في تاريخه ﷺ َ، قرأت أن صحابته كانوا يحرسونه من خصومه وأعدائه، إلى أن فوجئوا في يوم ما بأن قال لهم رسول الله ﷺ َ: «اذهبوا عني. فإن الله أنزل عليّ: ﴿والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس ﴾» [المائدة: ٦٧] .
واستوقفت هذه الواقعة هذه المرأة فقالت: إن هذا الرجل إن أراد أن يكذب على الناس جميعًا ما كذب على نفسه، ولا يمكن أن يُسلم نفسه لأعدائه بدون حراسة إلا إذا كان واثقًا من أن الله أنزل عليه هذا، وأنه قادر أن يعصمه، وإلا دخلَ بنفسه في تجربة. والباحثة من هذه الواقعة قد أخذت لفتة العبرة. وفي مثل هذا يقول الحق ﵎ على لسان رسول الله ﷺ َ: ﴿ قُلِ ادعوا شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥] .
[ ٨ / ٤٥٢٩ ]
وكأنه ﷺ َ يستدعيهم إلى التحدي بالمعركة بالمكر والتبييت، وألا يتأخروا عن ذلك وهو واثق من أن الله ﷿ ينصره. ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ الله الذي نَزَّلَ الكتاب وَهُوَ يَتَوَلَّى الصالحين﴾ [الأعراف: ١٩٦]
وأنزل الحق ﵎ على رسوله الكتاب المبين ليبلغه للخلق، ولا يمكن أن يسلمه إلى عدو يمنعه من تمام البلاغ عن الله.
لقد أنزل الحق الكتاب على رسوله ليبلغه إلى الكافة ولا يمكن أن يتخلى عنه. ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ الله الذي نَزَّلَ الكتاب وَهُوَ يَتَوَلَّى الصالحين﴾
وقوله: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصالحين﴾ أي أنه لا يجعل الولاية خصوصية للرسول ﷺ َ، بل يقول لكل واحد من أتباعه: كن صالحًا في أي وقت، أمام أي عدو، ستجد الله وهو يتولاك بالنصر، وساعة يعمم الله الحكم؛ فهو ينشر الطمأنينة الإيمانية في قلوب أتباعه ﷺ َ. وكل من يحمل من أمر دعوته ﷺ َ شيئًا ما سوف يكون له هذا التأييد، وسبحانه الذي جعل رسوله مُبلغًا عنه المنهج، وهو سبحانه يتولى الصالحين لعمارة الكون؛ لأن الله قد جعل الإنسان خليفة ليصلح في الكون، وأول مراتب الإصلاح أن يبقى الصالح على صلاحه، أو أن يزيده صلاحًا إن أمكن.
ويقول سبحانه بعد ذلك: ﴿والذين تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ﴾
[ ٨ / ٤٥٣٠ ]