فهو ﷾ قد علم أنه ليس فيهم خير، فلم يسمعهم سماع الاستجابة.
[ ٨ / ٤٦٣٧ ]
والمولى ﷾ منزه من أن يبتدئهم بعدم إسماعهم؛ لأنهم لم يوجد فيهم خير، والخير هنا مقصود به الإيمان الأول بالرسول، وهم لم يؤمنوا. فلم يستمعوا لنداء الهداية منه ﷺ َ كمبلغ عن الله تعالى. إذن فعدم وجود الخير بدأ من ناحيتهم، وسبحانه وتعالى القائل: ﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين﴾ [البقرة: ٢٦٤] .
وهم - إذن - سبقوا بالكفر فلم يهدهم الله. ﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾ [البقرة: ٢٥٨] .
وهم سبقوا بالظلم فلم يهدهم الله.
وسبحانه وتعالى القائل: ﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين﴾ [المائدة: ١٠٨] .
وهم سبقوا بالفسق فلم يهدهم الله.
والله منزه عن الافتئات على بعض عباده، فلم يسمعهم سماع الاستجابة لنداء رسول الله ﷺ َ:
﴿وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾
وعلم الله تعالى أزلي، لكنه لا يحاكم عباده بما علم عنهم أزلًا. بل ينزل لهم
[ ٨ / ٤٦٣٨ ]
حق الاختيار في التجربة الحياتية العملية. وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - تجد أبًا يعاني من مأساة فشل ابنه في الدراسة أو في الاعتماد على نفسه في الحياة، ويحيا الولد لاهيًا غير مقدر لتبعات الحياة، فيقول أصدقاء الوالد له: لماذا لا تقيم لابنك مشروعًا يشغله بدلًا من اللهو، فيرد الأب: إنني أعرف هذا الولد، سيأخذ المشروع ليبيعه ويصرف ثمنه على اللهو. والأب يقول ذلك بتجربته مع الابن. لكنْ ألا يُحتمل أن يكون هذا الابن قد ملَّ الانحراف واللهو وأراد أن يتوب، أو على الأقل ليثبت للناس أن رأى والده فيه غير صحيح؟ لذلك نجد الأب يفتح لابنه مشروعًا، لكن الولد يغلبه طبعه السيىء فيبيع المشروع ليصرف نقوده في الفساد.
هل حدث ذلك من نقص في تجربة الوالد؟ لا، بل عرف الأب عدم الجد عن ابنه، وسهولة انقياده لهواه. فما بالنا بالحق الأعلى العليم أزلًا بكل ما خفي وما ظهر من عباده؟ .
ولكنّه ﷾ شاء ألا يحاسب عباده بما علمه أزلًا، بل يحاسبهم ﷾ بما يحدث منهم واقعًا، فهو القائل: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين آمَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ المنافقين﴾ [العنكبوت: ١١] .
فسبحانه وتعالى العالم أزلًا، لكنه شاء أن يعلم أيضًا علم الإقرار من العبد نفسه؛ لأن الله لو حكم على العباد بما علم أزلًا، لقال العبد: كنت سأفعل ما يطلبه المنهج يا رب. لذلك يترك الحق الاختيار للبشر ليعلموا على ضوء اختياراتهم ويكون العمل إقرارًا بما حدث منهم.
﴿وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣] .
[ ٨ / ٤٦٣٩ ]
وحتى لو أسمعهم الله ﷿ لتولوا هم عن السماع وأعرضوا عنه؛ لأنه ﷾ يعلم أنهم اختاروا أن يكونوا شرًّا من الدواب عنده، وهو الصم الذين لا يسمعون دعوة هداية، وبُكْم لا ينطقون كلمة توحيد، ولا يعقلون فائدة المنهج الذي وضعه الله تعالى لصلاح دنياهم وأخراهم.
ويقول الحق ﵎ بعد ذلك: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾
[ ٨ / ٤٦٤٠ ]