ختم الحق سبحانه سورة الإسراء بالحمد، وبدأ سورة الكهف بالحمد، والحمد لله دائمًا هو الشعار الذي أطلقه رسول الله ﷺ َ في خير الكلمات: «سبحان الله والحمد لله» سبحان الله بُدئتْ بها سورة الإسراء، والحمد لله بُدئت بها سورة الكهف. سبحان الله تنزيه لذاته سبحانه أن يكون له شريك، لا في الذات، ولا في الأفعال، ولا في الصفات، والحمد لله كذلك تكبرة للذات، وبعد ذلك جاء العطاء من الذات فقُلْنا: الحمد لله، فسبحان الله تنزيه، والحمد لله شكر على العطاء.
والحمد يشترك معه في المعنى العام: ثناء وشُكْر ومدح، إلا أن هذه الألفاظ وإنْ تقاربت في المعنى العام فلكُلٍّ منها معناه الخاص،
[ ١٤ / ٨٨٢٧ ]
وكل هذه الألفاظ فيها ثناء، إلا أن الشكر يكون من مُنعَم عليه بنعمة خاصة به، كأن يُسدي لك إنسان جميلًا لك وحدك، فتشكره عليه.
أما الحمد فيكون على نعمة عامة لك ولغيرك، فرُقْعة الحمد أوسع من رُقْعة الشكر، أما المدح فقد تمدح ما لا يعطيك شيئًا، كأن تمدح مثلًا الشكل الجميل لمجرد أنه أعجبك.
فقَوْلُ الحق: ﴿الحمد لِلَّهِ﴾ بالألف واللام الدالة على الحصر، فالمراد الحمد المطلق الكامل لله، الحمد المستوعب لكل شيء، حتى إنَّ حمدك لأيِّ إنسان قدَّم لك جميلًا فهو إذا سَلْسَلْتَهُ حَمْدٌ لله تعالى الذي أعان هذا الإنسان على أن يحسن إليك، فالجميل جاء من حركته، وحركته موهوبة له من خالقه، والنعمة التي أمدّك بها موهوبة من خالقه تعالى، وهكذا إذا سلسلتَ الحمد لأيِّ إنسان في الدنيا تجده يصل إلى المنعِم الأول ﷾.
وكلمة ﴿الحمد لِلَّهِ﴾ هذه هي الصيغة التي علمنا الله أنْ نحمدَهُ بها، وإلا فلو ترك لنا حرية التعبير عن الحمد ولم يُحدِّد لنا صيغة نحمده ونشكره بها لاختلف الخَلْق في الحمد حَسْب قدراتهم وتمكّنهم من الأداء وحَسْب قدرتهم على استيعاب النعم، ولوجدنا البليغ صاحب القدرة الأدائية أفصح من العيي والأُمّي. فتحمّل الله عنا جميعًا هذه الصيغة، وجعلها متساوية للجميع، الكل يقول ﴿الحمد لِلَّهِ﴾ البليغ يقولها، والعيي يقولها، والأُمّي يقولها.
لذلك يقول ﷺ َ وهو يحمد الله ويُثنِي عليه: «سبحانك لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسك» .
[ ١٤ / ٨٨٢٨ ]
فإنْ أردنا أنْ نُحصي الثناء عليك فلن نستطيع؛ لأن الثناء عليك لا يعرف مداه إلا أنت، ولا يُحصيه غيرك، ولا نملك إلا أنْ نقولَ ما علَّمتنا من حمدك: الحمد لله.
إذن: فاستواء الناس جميعًا في الحمد لله نعمة كبرى في ذاتها تستحق الحمد، فنقول: الحمد لله على ما عَلِمنا من الحمد لله، والحمْد الأول أيضًا نعمة، وبذلك نقول: الحمد لله على ما عَلِمنا من الحمد لله بالحمد لله.
وهكذا، لو تتبعتَ الحمدَ لوجدته سلسلةً لا تنتهي، حَمْد على حَمْد على حَمْد على حَمْد، فيظل الله محمودًا دائمًا، يظل العبد حامدًا إلى ما لا نهاية.
والحمد لله استهل بها الحق سبحانه خَمْس سور من القرآن:
﴿الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ [الفاتحة: ٢] ﴿الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ السماوات والأرض وَجَعَلَ الظلمات والنور ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]
﴿الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب. .﴾ [الكهف: ١] ﴿الحمد للَّهِ الذي لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وَلَهُ الحمد فِي الآخرة﴾ [سبأ: ١] ﴿الحمد للَّهِ فَاطِرِ السماوات والأرض جَاعِلِ الملائكة رُسُلًا أولي أَجْنِحَةٍ. .﴾ [فاطر: ١]
ولكن، لكُلِّ حَمْد في كل سورة حيثية خاصة، فالحمد في الأولى
[ ١٤ / ٨٨٢٩ ]
لأن الله ربُّ العالمين، وربٌّ يعني الخالق والمتولي للتربية، خلق من عدم، وأمدَّ من عُدم، وتولّى تربية عباده، فهو رَبٌّ لكل العالمين؛ لذلك يجب أنْ نحمدَ الله على أنه هو الربُّ الذي خلق العالمين، وأمدَّهم بفضله.
وفي الثانية: نحمده سبحانه الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور، وهذه آيات من آيات الله ونِعَم من نِعَمه، فالسماوات والأرض فيها قيام البشر كله بما يمدُّ حياتهم بالقوت، ويستبقي نوعهم بالتكاثر.
والظلمات والنور مِنَ نعم الله، وهما متكاملان لا متضادان، فَلِلْظُّلمة مهمة، كما أن للنور مهمة، الظلمة للسكون والراحة، والنور للسعي والحركة، ولا يمكن لسَاعٍ أنْ يسعى ويجدّ في عمل، إلا إذا ارتاح وسكن وجدَّد نشاطه، فتقابُل الظلمة والنور للتكامل، فالحياة لا تستقيم في ظلام دائم، كما أنها لا تستقيم في نور دائم.
وفي السورة الثالثة من السور التي افتتحها الحق سبحانه ب ﴿الحمد لِلَّهِ﴾ والتي نحن بصددها أراد الحق سبحانه أنْ يُوضّح أنه لم يُربِّ الخلْق تربية مادية فقط، بل هناك تربية أعلى من المادة تربية روحية قيمية، فذكر هنا الحيثية الحقيقية لخَلْق الإنسان، فهو لم يُخلق لمادته فحسْب، ولكن لرسالة أسمى، خلق ليعرف القيم والرب والدين، وأنْ يعملَ لحياة أخرى غير هذه الحياة المادية، فقال تعالى: ﴿الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب. .﴾ [الكهف: ١]
فحيثية الحمد هنا إنزالُ الكتاب الذي يجمع كل القيم. وقلنا: إن
[ ١٤ / ٨٨٣٠ ]
الحق سبحانه محمود برحمانيته قبل أنْ يخلق الخَلْق وضع له النماذج التي تُصلِح حركة الحياة، كما قال تعالى: ﴿الرحمن عَلَّمَ القرآن خَلَقَ الإنسان عَلَّمَهُ البيان﴾ [الرحمن: ١ - ٤]
فتعليم القرآن جاء قبل خَلْق الإنسان، إذن: وضع الحق سبحانه لعباده المنهج المنظِّم لحياتهم قبل أن يخلقَهم، لعِلْمه سبحانه بطبيعة خَلْقه، وبما يصلحهم، كالمخترع للآلة الذي يعلم مهمتها ويُحدد قانون صيانتها، فالكتاب الذي نزل على محمد ﷺ َ هو المهمة الأساسية، فيجب أنْ تُوطّن عليها نفسك، وتعلَم أنه المنظِّم لحياتك، وبه قانون صيانتك.
وقوله: ﴿على عَبْدِهِ. .﴾ [الكهف: ١] كما قلنا: في سورة الإسراء: إن العبودية كانت حيثية الرِّفْعة في الإسراء والمعراج، فقال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ. .﴾ [الإسراء: ١]
فالعبودية رفعتْه إلى حضرته تعالى؛ لأنه كان عبدًا بحقّ، وهذا يعني إنزال الكتاب عليه، فكان عبدًا بحق قبل أن يُسرَى به، وحمل منهج الله أولًا فالتفتَ لربه لَفْتةً أراد أنْ يلفتَ بها سواه، فأخلص هو أولًا في العبودية، وتحمَّل ما تحمّل، فكان من جزائه أن يرتفع إلى مقام الحضرة فَعُرِج به، وهناك أعطاه الله الصلاة لينزلَ بها إلى الخَلْق ليرفع بها صوته إلى المقام الذي سعى إليه بالمعراج.
إذن: فالنبي تناول ليناوِل، وتناول لأنه أخلصَ العبودية، فصعد إلى حضرة ربه، وأخذ فريضة الصلاة وبلَّغها لقومه، وكأنه يقول لهم: مَنْ أراد أن يلتقي بالله، فليدخل في الصلاة.
[ ١٤ / ٨٨٣١ ]
و﴿الكتاب. .﴾ [الكهف: ١] هو القرآن الكريم، لكن سورة الكهف ترتيبها الثامنة عشرة بين سور المصحف من المائة والأربعة عشرة سورة، أي: أن القرآن لم يكتمل بعد، فلماذا قال تعالى ﴿الكتاب﴾ وهو لم يكتمل بعد؟
نقول: الكتاب يُطلَق ويُرَادُ به بعضه، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتبع قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨]
فالآية الواحدة تُسمَّى قرآنًا، والسورة تُسمَّى قرآنًا، والكل نُسمِّيه قرآنًا.
أو: يكون المراد أَنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ، ثم نزَّله بعد ذلك مُنَجَّمًا حَسْب الوقائع، فالمراد هنا الإنزال لا التنزيل.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا﴾ [الكهف: ١] أي: جعله مستقيمًا، لا عِوجَ فيه، كما قال في آية أخرى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ. .﴾ [الزمر: ٢٨] والاعوجاج، أن يأخذ الشيءُ امتدادًا مُنْحنيًا ملتويًا، أما الاستقامة فهي الامتداد في نفس الاتجاه، لا يميل يمينًا أو شمالًا، ومعلوم أن الخطَّ المستقيم يمثل أقرب مسافة بين نقطتين، ولا تستقيم حياة الناس في الدنيا إلا إذا ساروا جميعًا على منهج مستقيم يعصمهم من التصادم في حركة الحياة.
فالحق ﷾ خلق الخَلْق متكاملين، فكُلٌّ منهم لديه موهبة يحتاجها الآخرين، فهذا طبيب، وهذا مهندس، وهذا نجار، وهذا خياط، ولا يستطيع أحد أن يقومَ بذاته أو يستغني عن مواهب غيره، فلا بُدَّ أن يتواجه الناس في الحياة، وأنْ يتكاملوا.
[ ١٤ / ٨٨٣٢ ]
هذا التواجه إنْ لم يُنظِّم وتوضع له قوانين مرور دقيقة لتصادمت حركات الناس، كما يحدث على الطريق الملتوي كثير المنحنيات، فالقادم من هنا لا يرى القادم من هناك، فيحدث التصادم. إذن: لا بُدَّ من استقامة الطريق ليرى كلٌّ مِنّا الآخر، فلا يصطدم به. والمنهج الإلهي هو الطريق المستقيم الذي يضمن الحركة في الحياة.
وقد ذُكر الاعوجاج أيضًا في قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجبال فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لاَّ ترى فِيهَا عِوَجًا ولا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٥ - ١٠٧]
أي: أرضًا مستوية خالية من أي شيء ﴿لاَّ ترى فِيهَا عِوَجًا﴾ [طه: ١٠٧] أي: مستقيمة ﴿ولا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٧] .
أي: مُسْتوية لا يُوجد بها مرتفعات ومنخفضات تعوق الرؤية أيضًا وتسبب التصادم، وهذا ما يُسمِّيه رجال المرور (العقبة) .
ثم يقول الحق سبحانه واصفًا القرآن الكريم: ﴿قَيِّمًا لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ المؤمنين ﴾ .
[ ١٤ / ٨٨٣٣ ]