هكذا أطلقها الحق سبحانه شعارًا مُدوّيًا ﴿جَاءَ الحَقُّ. .﴾ وما دام قال للرسول: ﴿قُلْ﴾ فلا بُدَّ أن الحق قادم لا شَكَّ فيه؛ لذلك أمره بهذه الأمر الصريح ولم يُوسْوسُه له، وبعد ذلك يقولها رسول الله في عام الفتح، وعندما دخل مكة فاتحًا وحوْلَ البيت ثلاثمائة وستون صنمًا فيُكبكِبُهم جميعًا، وينادي: «جاء الحق وزهق الباطل، جاء الحق وزهق الباطل، وما يبدئ الباطل وما يعيد» .
أي: جاء الحق واندحر الباطل، ولم يَعُدْ لديْه القوة التي يُبدِئ بها ويُعيد، فقد خَمدتْ قواه ولم يَبْقَ له صَوْلَة ولا كلمة.
وقوله تعالى: ﴿جَآءَ الحق وَزَهَقَ الباطل. .﴾ [الإسراء: ٨١]
[ ١٤ / ٨٧٠٧ ]
يشعرنا بأن الحق أتي بنفسه؛ لأنه نسب المجيء إلى الحق كأنه أمر ذاتيّ فيه، فلم يأْتِ به أحد، وكذلك في: ﴿وَزَهَقَ الباطل. .﴾ [الإسراء: ٨١] فالباطل بطبيعته زاهق مُندحر ضعيف لا بقاءَ له. «ومن العجيب أن الحق الذي جاء على يد رسول الله في فتح مكة انتفع به حتى مَنْ لم يؤمن، ففي يوم الفتح تتجلى صورة من صور العظمة في دين الإسلام، حين يجمع رسول الله أهل مكة الذين عاندوا وتكبَّروا وأخرجوا رسول الله من أحب البلاد إليه، وها هو اليوم يدخلها منتصرًا ويُوقِفهم أمامه ويقول:» ما تظنون أني فاعل بكم؟ «قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم، قال:» اذهبوا فأنتم الطلقاء «» .
إذن: جاء الحق ليس لاستعباد الناس، ولكن لراحتهم ورَفْع رؤوسهم. ومن الحق الذي أظل مكة بالفتح ما يُرْوَى أن واحدًا دخل على النبي ﷺ َ الكعبة وأراد إيذاءه، وحينما وضع يده على رسول الله ﷺ َ تبدَّل حاله وقال: فوالله لقد أقبلت عليه، وما في الأرض أبغض إليَّ منه، فحين وضعت يدي عنده فوالله ما في الأرض أحب إليَّ منه، وهكذا جاء الحق وزهق الباطل.
[ ١٤ / ٨٧٠٨ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الباطل كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]
زَهُوق صيغة مبالغة، فالباطل نفسه سريعًا ما يذهب ويندثر، ومن العَجَب أن ترى الباطل نفسه من جنود الله؛ لأن الباطل لو لم يُؤلم الناس ويُزعجهم ما تشوَّقوا للحق وما مالوا إليه، فإذا ما لدغهم الباطل واكتَووْا بناره عرفوا الحق.
وقد ضرب لنا الحق ﷾ مثلًا للحق وللباطل، فقال: ﴿أَنَزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فاحتمل السيل زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النار ابتغآء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كذلك يَضْرِبُ الله الحق والباطل فَأَمَّا الزبد فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس فَيَمْكُثُ فِي الأرض كذلك يَضْرِبُ الله الأمثال﴾ [الرعد: ١٧]
الحق سبحانه يُمثِّل للحق وللباطل بشيء حِسّيٍّ نراه حينما ينهمر المطر على قمم الجبال، فيسيل الماء على الأودية بين الجبال حاملًا معه صغار الحصى والرمال والقشِّ، وهذا هو الزَّبَد الذي يطفو على صفحة الماء ولا ينتفع الناس به، وهذا الماء مثالٌ للحق الذي ينفع الناس، والزَّبَد مثال للباطل الذي لا خَيْر فيه.
أو: يعطينا المثال في صورة أخرى: صورة الحداد أو الصائغ الذي يُوقِد النار على الذهب ليخرج منه ما علق به من شوائب.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
[ ١٤ / ٨٧٠٩ ]