قال أبو جعفرٍ: قد دلَّلْنا على صحةِ القولِ، بما فيه الكفايةُ لمن وُفِّق لفهمِه، على أن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه أنْزَل جميعَ القرآنِ بلسانِ العربِ دونَ غيرِها مِن ألسنِ سائرِ أجناسِ الأممِ، وعلى فسادِ قولِ مَن زعَم أن منه ما ليس بلسانِ العربِ ولغتِها (^١).
فنقولُ الآن - إذْ كان ذلك صحيحًا - في الدَّلالةِ عليه بأيِّ ألسنِ العربِ أُنْزِل: أبألسنِ جميعِها، أم بألسنِ بعضِها؟ إذ كانت العربُ، وإن جمَع جميعَها اسمُ أنهم
_________________
(١) في ص: "لغاتها".
[ ١ / ٢٠ ]
عربٌ، فهم مُخْتَلِفو الألسنِ بالبيانِ، مُتبايِنو المنطِقِ والكلامِ.
وإذْ كان ذلك كذلك، وكان اللَّهُ جل ذكرُه قد أخْبَر عبادَه أنه قد جعَل القرآنَ عربيًّا، وأنه أُنْزِل بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ، ثم كان ظاهرُه (^١) مُحْتَمِلًا خُصوصًا وعُمومًا، لم يَكُنْ لنا السبيلُ إلى العلمِ بما عنَى اللَّهُ تعالى ذكرُه مِن خُصوصِه وعمومِه، إلا ببيانِ مَن جُعِل إليه بيانُ القرآنِ، وهو رسولُ اللَّهِ ﷺ.
فإن كان ذلك كذلك، وكانت الأخبارُ قد تظاهَرت عنه ﷺ بما حدَّثنا به خَلَّادُ بنُ أسلمَ، قال: حدَّثنا أنسُ بنُ عِياضٍ، عن أبي (^٢) حازمٍ، عن أبي سلمةَ، قال: لا أعْلَمُه إلا عن أبي هريرةَ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "أُنْزِلَ القُرْآنُ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فالمِرَاءُ فِي القُرآنِ كُفْرٌ" ثلاثَ مراتٍ "فما عَرَفْتُم منه فاعْمَلُوا به، وما جَهِلْتُم منه فرُدُّوه إِلى عَالِمِه" (^٣).
وحدَّثني عُبَيْدُ بنُ أسْباطَ بنِ محمدٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "أُنْزِلَ القُرْآنُ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ؛ عَلِيمٌ حَكِيمٌ غَفُورٌ رَحِيمٌ" (^٤).
وحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثني عَبْدةُ بنُ سليمانَ، عن محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (^٥).
_________________
(١) بعده في ر، ص، ت ١: "هذا القول ظاهرا".
(٢) في ح: "ابن"، وهو سلمة بن دينار، ينظر تهذيب الكمال ١١/ ٢٧٢.
(٣) أخرجه أحمد ١٣/ ٣٦٩ (٧٩٨٩)، والنسائي في الكبرى (٨٠٩٣)، وأبو يعلى (٦٠١٦)، وابن حبان (٧٤)، وغيرهم من طريق أنس بن عياض به.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٥١٦، وأحمد ١٤/ ١٢٠، ١٥/ ٤٢٤ (٨٣٩٠، ٩٦٧٨)، وغيرهما من طريق محمد بن عمرو به.
(٥) أخرجه ابن حبان (٧٤٣) من طريق عبدة به. وقوله: "عليم حكيم غفور رحيم". قال ابن حبان: قول محمد بن عمرو أدرجه في الخبر، والخبر إلى "سبعة أحرف" فقط.
[ ١ / ٢١ ]
وحدَّثنا محمدُ بنُ حُمَيدٍ الرازيُّ، قال: حدَّثنا جَريرُ بنُ عبدِ الحميدِ، عن مُغيرةَ (^١)، عن واصلِ بنِ حَيَّانَ، عمَّن ذكَره، عن أبي الأحْوَصِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "أُنْزِلَ القُرْآنُ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، لكُلِّ حَرْفٍ منها ظَهْرٌ وبَطْنٌ، ولكُلِّ حَرْفٍ حَدٌّ، ولكُلِّ حَدٍّ مُطَّلَعٌ" (^٢).
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قَال: حدَّثنا مِهْرانُ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن إبراهيمَ الهَجَريِّ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (^٣).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ محمدُ بنُ العَلاءِ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ عَيَّاشٍ، قال: حدَّثنا عاصمٌ، عن زِرٍّ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: اخْتَلَف رجلان في سورةٍ، فقال هذا: أقْرَأَني النبيُّ ﷺ. وقال هذا: أقْرَأَنِي النبيُّ ﷺ. فأتَى النبيَّ ﷺ فأَخْبَر بذلك، قال: فتغَيَّر وجهُه، وعندَه رجلٌ، فقال: اقرَءُوا كما عُلِّمْتُم - فلا أدْرِي أبشيءٍ أُمِر، أم بشيءٍ ابْتَدَعه مِن قِبَلِ نفسِه - فإنما أَهلَكَ مَن كان قبلَكم اخْتِلافُهم على
_________________
(١) في ص: "معاوية". وهو مغيرة بن مقسم، ينظر تهذيب الكمال ٢٨/ ٣٩٧.
(٢) أخرجه أبو يعلى (٥١٤٩)، والطحاوي في المشكل (٣٠٩٥)، والطبراني في الكبير (١٠١٠٧)، وفي الأوسط (٧٧٣)، والبغوي في تفسيره ١/ ٤٦ من طريق جرير به، مطولا ومختصرا، وسموا المبهم عبد اللَّه بن أبي الهذيل، وعند البغوي: عن أبي الهذيل. وينظر ضعيف الجامع (١٣٣٨). وينظر تعريف الحد والمطلع من كلام المصنف في ص ٦٦، ٦٧.
(٣) أخرجه الخطيب في الموضح ١/ ٣٨١ من طريق ابن حميد به مختصرا. وأخرجه أيضًا ١/ ٣٨١، ٣٨٢ من طريق سفيان به. وأخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٥١٦، والبزار (٢٠٨١)، وأبو يعلى (٥٤٠٣)، والطحاوي في المشكل (٣٠٧٧)، وابن حبان (٧٥)، والطبراني في الكبير (١٠٠٩٠) من طريق أبي إسحاق إبراهيم ابن مسلم الهجري به مختصرًا. والهجري لين الحديث رفع موقوفات. وقد اختلف في إسناد هذا الحديث. ينظر ما سيأتي في ص ٤٠.
[ ١ / ٢٢ ]
أنبيائِهم. قال: فقام كلُّ رجلٍ منا، وهو لا يَقْرَأُ على قراءةِ صاحبِه (^١). نحوَ هذا ومعناه.
حدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى بنِ سعيدٍ الأُمويُّ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا الأعمشُ، [وحدَّثني أحمدُ بنُ منيعٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ الأمويُّ، عن الأعمشِ] (^٢)، عن عاصمٍ، عن زِرِّ بنِ حُبَيْشٍ، قال: قال عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ: تمارَيْنا في سورةٍ مِن القرآنِ، فقلْنا: خمسٌ وثلاثون، أو ستٌّ وثلاثون آيةً. قال: فانْطَلَقْنا إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ فوجَدْنا عليًّا يُناجِيه (^٣)، قال: فقلنا: إنا اخْتَلَفْنا في القراءةِ، قال: فاحْمَرَّ وجهُ رسولِ اللَّهِ ﷺ وقال: "إِنَّما هَلَكَ مَن كان قَبْلَكم باخْتِلَافِهم بَيْنَهم". قال: ثم أسَرَّ إلى عليٍّ شيئًا، فقال لنا عليٌّ: إنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُكُم أنْ تَقْرَءُوا كَمَا عُلِّمْتم (^٤).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا (^٥) عُبَيدُ اللَّهِ بنُ موسى، عن عيسى بنِ قِرْطاسٍ،
_________________
(١) أخرجه أبو يعلى (٥٠٥٧) عن أبي كريب به. وأخرجه أحمد ٧/ ٨٨، ١٠٠ (٣٩٨١، ٣٩٩٣) من طريق أبي بكر بن عياش به، مطولًا ومختصرًا. وأصل الحديث عند البخاري من حديث النزال بن سبرة عن ابن مسعود مرفوعًا. وينظر مسند الطيالسي (٣٨٧)، وعلل الدارقطني ٣/ ٧١، وما سيأتي في ص ٤٣.
(٢) سقط من: ر.
(٣) في ر، ت ١: "بناحية".
(٤) أخرجه عبد اللَّه بن أحمد في زوائد المسند ٢/ ١٩٩ (٨٣٢)، وابن حبان (٧٤٦) من طريق سعيد بن يحيى بن سعيد به، دون المرفوع منه. وأخرجه عبد الله بن أحمد - أيضًا - والبزار (٤٤٩)، وابن حبان (٧٤٧)، والحاكم ٢/ ٢٢٣، ٢٢٤ من طريق يحيى بن سعيد به، نحوه، وأخرجه أحمد ٧/ ١٠٠، ٣٤٥ (٣٩٩٢، ٤٣٢٢) من طريق عاصم به نحوه.
(٥) بعده في ر: "أبو". وينظر تهذيب الكمال ٢٣/ ٢٢.
[ ١ / ٢٣ ]
[عن زيدٍ القَصَّارِ] (^١)، عن زيدِ بنِ أَرْقمَ، قال: كنا معه في المسجدِ، فحدَّثنا ساعةً، ثم قال: جاء رجلٌ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ فقال: أقْرَأَني عبدُ اللَّهِ بن مسعودٍ سورةً أقْرَأَنيها زيدٌ، وأقْرَأَنيها أُبَيُّ بنُ كعبٍ، فاخْتَلَفتْ قراءتُهم، فقراءةُ (^٢) أيِّهم آخُذُ؟ قال: فسكَت رسولُ اللَّهِ ﷺ، قال: وعليٌّ إلى جنبِه، فقال عليٌّ: لِيَقْرَأْ كلُّ إنسانٍ كما عُلِّم، كلٌّ حسنٌ جميلٌ (^٣).
حدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعْلَى، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني يونُسُ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخْبَرني عُرْوةُ بنُ الزبيرِ، أنَّ المِسْوَرَ بنَ مَخْرَمةَ وعبدَ الرحمنِ بنَ عبدٍ القارِيَّ، أخْبَراه أنهما سمِعا عمرَ بنَ الخطابِ يقولُ: سمِعْتُ هشامَ بنَ حَكيمٍ يَقْرَأُ سورةَ "الفرقانِ" (^٤) في حياةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، فاسْتَمَعْتُ لقراءتِه، فإذا هو يَقْرَؤُها على حروفٍ كثيرةٍ لَمْ يُقْرئْنِيها رسولُ اللَّهِ ﷺ كذلك (^٥)، فكِدْتُ أُساوِرُه (^٦) في الصلاةِ، فتصَبَّرْتُ حتى سلَّم، فلما سلَّم لبَّبْتُه (^٧) بردائِه، فقلتُ: مَن أقْرَأك هذه السورةَ التي سمِعْتُك تَقْرَؤُها؟ قال: أقْرَأَنِيها رسولُ اللَّهِ ﷺ. قال (٥): فقلْتُ: كذبْتَ، فواللَّهِ إنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ هو (^٨) أقْرَأَنِي هذه السورةَ التي سمِعْتُك تَقْرَؤُها. فانْطَلَقْتُ به أَقُودُه إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إني سمِعْتُ
_________________
(١) سقط من: ص، ر.
(٢) في ص، ر، ت ٢: "بقراءة"، وفي م: "فبقراءة".
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير (٥٠٧٨) من طريق أبي كريب به. وقال الهيثمي في المجمع ٧/ ١٥٣: فيه عيسى بن قرطاس، وهو متروك. اهـ. وزيد القصار هذا لم نجد له ترجمة، وينظر تعليق الشيخ أحمد شاكر عليه.
(٤) في م: "الدخان".
(٥) سقط من: م.
(٦) في ر، ت ١، ت ٢: "أشاوره". وأساوره: أي: أواثبه وأقاتله.
(٧) يقال: أخذ بتلبيب فلان: إذا جمع عليه ثوبه الذي هو لابسه عند صدره وقبض عليه يجره. التاج (ل ب ب).
(٨) في ر، م: "لهو".
[ ١ / ٢٤ ]
هذا يَقْرَأُ سورةَ الفُرْقانِ على حروفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيها، وأنت أقْرَأْتَنِي سورةَ "الفُرْقانِ"! قال: فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "أَرْسِلْهُ يَا عُمَرُ، اقْرَأْ يَا هِشَامُ". فقرَأ عليه القراءةَ التي سمِعْتُه يَقْرَؤُها، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "هكذا أُنْزِلَتْ". ثم قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "اقْرَأْ يَا عُمَرُ". فقرَأْتُ القراءةَ التي أقْرَأَني رسولُ اللَّهِ ﷺ، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "هكذا أُنْزِلَتْ". ثم قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ هذا القُرْآنَ أُنْزِلَ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهَا (^١) " (^٢).
حدَّثني أحمدُ بنُ منصورٍ، قال: [حدَّثنا عبدُ الصمدِ بنُ عبدِ الوارثِ، قال] (^٣): حدَّثنا [حربُ بنُ أبي ثابتٍ] (^٤) مِن بني سُلَيْمٍ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ أبي طَلْحةَ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: قرَأ رجلٌ عندَ عمرَ بنِ الخطابِ فعيَّر عليه، فقال: لقد قرَأْتُ على رسولِ اللَّهِ ﷺ فلم يُغَيِّرْ عليَّ. قال: فاخْتَصَما عندَ النبيِّ ﷺ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، ألم تُقْرِئْني آيةَ كذا وكذا؟ قال: "بَلَى". قال: فوقَع في صدرِ عمرَ شيءٌ، فعرَف النبيُّ ﷺ ذلك في وجهِه، قال: فضرَب صدرَه، وقال: "ابْعَدْ شَيْطَانًا". قالها ثلاثًا، ثم قال: "يَا عمرُ، إِنَّ الْقُرْآنَ كُلَّه صَوابٌ، مَا لَم تَجْعَلْ رَحْمَةً عَذَابًا، أَوْ عَذَابًا رَحْمَةً" (^٥).
_________________
(١) في مصادر التخريج: "منه".
(٢) أخرجه المصنف في مسند عمر من تهذيب الآثار ص ٧٧٦، والنسائي (٩٣٧) عن يونس به. وأخرجه مسلم (٨١٨) من طريق ابن وهب به. وأخرجه البخاري (٢٤١٩، ٤٩٩٢، ٥٠٤١)، ومسلم (٨١٨)، والترمذي (٢٩٤٣)، وغيرهم من طريق الزهري به. وينظر مسند الطيالسي (٣٩).
(٣) سقط من: ص.
(٤) كذا في النسخ، والصواب: حرب بن ثابت. ينظر تعجيل المنفعة ١/ ٤٣٨.
(٥) أخرجه أحمد ٢٦/ ٢٨٥ (١٦٣٦٦) عن عبد الصمد به، دون قوله: فوقع في صدر عمر … وقال: "ابعد شيطانًا". وقال ابن كثير في فضائل القرآن ص: ٧٣: إسناده حسن. وينظر تفسير ابن كثير تحقيق أبي إسحاق الحويني ١/ ٢١٨.
[ ١ / ٢٥ ]
حدَّثنا عُبيدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ الفِرْيابيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ مَيْمونٍ، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّهِ - يعني ابنَ عمرَ - عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: سمِع عمرُ بنُ الخطابِ رجلًا يَقْرَأُ القرآنَ، فسمِع آيةً على غيرِ ما سمِع مِن النبيِّ ﷺ، فأتَى به عمرُ إلى النبيِّ ﷺ فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ هذا قرَأ آيةَ كذا وكذا. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، كُلُّهَا شَافٍ كَافٍ" (^١).
حدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخْبَرني هشامُ بنُ سعدٍ، عن عليِّ بنِ أبي عليٍّ، عن زُبَيْدٍ، عن عَلْقمةَ النَّخَعيِّ، قال: لما خرَج عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ مِن الكوفةِ اجْتَمَع إليه أصحابُه فودَّعهم، ثم قال: لا تَنازَعوا في القرآنِ؛ فإنه لا يَخْتَلِفُ ولا يَتَلاشَى (^٢)، ولا يَتْفَهُ (^٣) لكثرةِ الردِّ، وإن شريعةَ الإسلامِ وحدودَه وفرائضَه فيه واحدةٌ، ولو كان شيءٌ مِن الحرفَيْن يَنْهَى عن شيءٍ يَأْمُرُ به الآخرُ، كان ذلك الاختلافَ، ولكنه جامعٌ ذلك كلَّه، لا تَخْتَلِفُ فيه الحدودُ ولا الفرائضُ، ولا شيءٌ مِن شرائعِ الإسلامِ، ولقد رأيْتُنا نَتَنازَعُ فيه عندَ رسولِ اللَّهِ ﷺ، فيَأْمُرُنا فنَقْرَأُ عليه، فيُخْبِرُنا أَنَّا كلَّنا مُحْسِنٌ، ولو أَعْلَمُ (^٤) أحدًا أعْلَمَ بما أنْزَلَ اللَّهُ على رسولِه منِّي لطلَبْتُه حتى أَزْدادَ عِلمَه إلى علمي، ولقد قرأْتُ من لسانِ رسولِ اللَّهِ ﷺ سبعين سورةً، وقد كنتُ علِمْتُ أنه يُعْرَضُ عليه القرآنُ في كلِّ رمضانَ، حتى كان عامُ قُبِض، فعُرِض عليه مرَّتَيْن، فكان إذا فرَغ أَقْرَأُ عليه، فيُخْبِرُني أنِّي مُحْسِنٌ، فمَن قرَأ على قراءتي فلا يَدَعَنَّها رغبةً عنها، ومَن قرَأ على شيءٍ مِن هذه
_________________
(١) عزاه المتقي الهندي في الكنز (٣٠٩٤) إلى المصنف. وعبد الله بن ميمون القداح متروك.
(٢) في المسند: "ولا يُسْتَشَنُّ" - أي لا يخلَق - وفي تاريخ المدينة: "ولا ينسأن". وينظر تعليق الشيخ شاكر.
(٣) في ص، م، ت ١، ت ٢: "يتغير".
(٤) بعده في ر: "أن".
[ ١ / ٢٦ ]
الحروفِ فلا يَدَعَنَّه رغبةً عنه، فإنه مَن جحَد بآيةٍ جحَد به كلِّه (^١).
حدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أنْبَأَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخْبَرني يونُسُ، وحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا رِشْدينُ بنُ سعدٍ، عن عُقَيْلِ بنِ خالدٍ، جميعًا عن ابنِ شِهابٍ، قال: حدَّثني عُبيدُ اللَّهِ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عُتْبةَ، أن ابنَ عباسٍ حدَّثه، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ على حَرْفٍ، فَراجَعْتُه، فلم أزَلْ أَسْتَزِيدُه فَيَزِيدُنِي، حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ". قال ابنُ شِهابٍ: بلَغَني أن تلك السبعةَ الأحرفِ إنما هي في الأمرِ االذى يَكونُ واحدًا، لا يَخْتَلِفُ في حلالٍ ولا حرامٍ (^٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ أبي مَخْلَدٍ الواسطيُّ ويونسُ بنُ عبدِ الأعلى الصَّدَفيُّ، قالا: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنةَ، عن عُبيدِ اللَّهِ، أخْبَره أبوه، أن أمَّ أيوبَ أخْبَرَته، أن النبيَّ ﷺ قال: "نزلَ (^٣) القُرْآنُ على سَبْعَةِ أحْرُفٍ، أَيَّهَا قَرَأْتَ
_________________
(١) إسناده ضعيف جدًّا؛ علي بن أبي علي اللهبي منكر الحديث، وزييد لم يدرك علقمة. وأخرجه عمر بن شبة في تاريخ المدينة ٣/ ١٠٠٨، وابن عساكر في تاريخه ٣٩/ ٩٢ (طبعة مجمع اللغة بدمشق) من طريق زبيد، عن عبد الرحمن بن عابس، عن رجل، عن ابن مسعود، نحوه. وأخرجه أحمد ٦/ ٣٩٥ (٣٨٤٥) - ومن طريقه ابن عساكر ٣٩/ ٩٢ - عن غندر، عن شعبة، عن عبد الرحمن بن عابس به، نحوه. وسيأتي جزء منه في ص ٤٦ من طريق آخر عن شعبة. وقوله: لا أعلم أحدًا أعلم بما أنزل اللَّه على رسوله ﷺ مني سيأتي نحوه في ص ٧٥. وقوله: لقد قرأت من لسان رسول اللَّه ﷺ سبعين سورة أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما، وينظر مسند الطيالسي (٤٠٥). وقوله: وقد كنت علمت أنه يعرض عليه القرآن في كل رمضان أخرجه البخاري (٤٩٩٨) من حديث أبي هريرة. وقوله: من جحد بآية جحد به كله. سيأتي في ص ٤٩ من وجه آخر عن ابن مسعود.
(٢) أخرجه الطحاوي في المشكل (٣١١٦) عن يونس بن عبد الأعلى به. وأخرجه مسلم (٨١٩) من طريق ابن وهب به. وأخرجه البخاري (٣٢١٩) من طريق يونس بن يزيد، (٤٩٩١) من طريق عقيل، كلاهما عن الزهري به.
(٣) في ص، م: "أنزل".
[ ١ / ٢٧ ]
أَصَبْتَ" (^١).
حدَّثنا إسماعيلُ بنُ موسى السُّدِّيُّ (^٢)، قال: أنْبَأَنا شريكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن سليمانَ بنِ صُرَدَ يَرْفَعُه قال: "أَتَاني مَلَكَانِ فقال أَحدُهما: اقْرَأْ. قَالَ: عَلَى كم؟ قال: على حَرْفٍ. قال: زِدْهُ. حَتَّى انْتَهَى بِهِ إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ" (^٣).
حدَّثنا ابنُ البَرْقِيَّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي مَرْيمَ، قال: حدَّثنا نافعُ بنُ يزيدَ، قال: حدَّثني عُقَيْلُ بنُ خالدٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُبَيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن ابنِ عباسٍ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ قال: "أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ، فَاسْتَزَدْتُه فزَادَنِي، ثم اسْتَزَدْتُه فَزَادَنِي، حتَّى انْتَهَى إلى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ" (^٤).
حدَّثني الربيعُ بنُ سليمانَ، قال: حدَّثنا أسدُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عُبيدِ اللَّهِ بنِ أبي يَزيدَ، عن أبيه، أنه سمِع أمَّ أيوبَ تُحَدِّثُ عن النبيِّ ﷺ، فذكَر نحوَه. [يعني نحوَ حديث ابنِ أبي مَخْلَدٍ] (^٥).
_________________
(١) أخرجه الطحاوي في المشكل (٣١٠٠) عن يونس بن عبد الأعلى به. وأخرجه الحميدي (٣٤٠)، وسعيد بن منصور في سننه (٣٢ - تفسير)، وابن أبي شيبة ١٠/ ٥١٥، ٥١٦، وأحمد ٦/ ٤٣٣ (الميمنية)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣٣٢٠) من طريق ابن عيينة به. وقال ابن كثير في فضائل القرآن ص ٦٤: هذا إسناد صحيح.
(٢) قال الحافظ في التقريب: نسيب السدي، أو ابن بنته، أو ابن أخته. وينظر تهذيب التهذيب ١/ ٣٣٦.
(٣) أخرجه الطحاوي في المشكل (٣١١٤) من طريق إسماعيل بن موسى به. وأخرجه عبد اللَّه بن أحمد في زوائد المسند ٥/ ١٢٥ (الميمنية) من طريق شريك، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن صرد، عن أبي بن كعب. وأخرجه الطحاوي (٣١١٥)، والطبراني في الأوسط (١١٦٧) من طريق أبي إسحاق، عن سليمان بن صرد. بدون ذكر أُبي. وسيأتي حديث أُبيّ والخلاف فيه.
(٤) تقدم في الصفحة السابقة.
(٥) زيادة من: م، ت ٢، وفي ت ١: "مثل الحديث الذي تقدم عن الربيع".
[ ١ / ٢٨ ]
حدَّثنا الربيعُ بنُ سليمانَ، قال: حدَّثنا أسدُ بنُ مُوسى، قال: حدَّثنا أبو الربيعِ السَّمَّانُ، قال: أخبرني [عُبَيدُ اللَّهِ] (^١) بنُ أبي يزيدَ، عن أبيه، عن أمِّ أيوبَ، أنها سمِعَت النبيَّ ﷺ يقولُ: "نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَمَا قَرَأْتَ أَصَبْتَ".
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ آدمَ، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن فلانٍ العَبْديِّ - قال أبو جعفرٍ: ذهَب عني اسمُه - عن سليمانَ بنِ صُرَدَ، عن أُبَيِّ بنِ كعبٍ، قال: رُحْتُ إلى المسجدِ، فسمِعْتُ رجلًا يَقْرَأُ، فقلتُ: مَن أَقْرَأَك؟ فقال: رسولُ اللَّهِ ﷺ. فانْطَلَقْتُ به إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، فقلتُ: اسْتَقْرِئْ هذا. قال: فقرَأ، فقال: "أَحْسَنْتَ". قال: فقلتُ: إنك (^٢) أقْرَأْتَني كذا وكذا. فقال: "وَأَنْتَ قَدْ أَحْسَنْتَ". قال: فقلتُ: قد أحسَنْتَ! قد أحسَنْتَ! قال: فضرَب بيدِه على صدري، ثم قال: "اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْ أُبَيٍّ الشَّكَّ". قال: ففِضْتُ عرفًا، وامْتَلأ جوفي فَرَقًا (^٣)، ثم قال: "إِنَّ المَلَكَيْنِ أتَيَاني، فقال أحَدُهما: اقْرَإِ الْقُرْآنَ على حَرْفٍ. وقال الآخَرُ: زِدْهُ. قال: فَقُلْتُ (^٤): زِدْنِي. قَالَ: اقْرَأْهُ عَلَى حَرْفَيْنِ. حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ، [فقال: اقْرَأْ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ] (^٥) " (^٦).
_________________
(١) في ص: "عبد اللَّه".
(٢) في ص، ت ١: "فإنك".
(٣) بعده في ص، ر: "قال". والفرق: الخوف. اللسان (ف ر ق).
(٤) في ص، ر، ت ١: "قلت".
(٥) سقط من: ص.
(٦) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ٢٠٢، وعبد اللَّه بن أحمد في زوائد المسند ٥/ ١٢٤ (الميمنية)، وابن عبد البر في التمهيد ٨/ ٢٨٥، وابن عساكر في تاريخه ٧/ ٣٢٩ من طريق إسرائيل به. وعندهم: سقير العبدي. وهو مجهول، وينظر تعجيل المنفعة ١/ ٥٩٤. وأخرجه أبو عبيد ص ٢٠١، والنسائي في الكبرى (١٠٥٠٦) من طريق يزيد بن هارون، عن العوام بن حوشب، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن صرد، عن أُبي. =
[ ١ / ٢٩ ]
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، وحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مَيْمونٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، جميعًا عن حُمَيْدٍ الطَّويلِ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن أبيِّ بنِ كعبٍ، قال: ما حاك (^١) في صدري شيءٌ منذ أسْلَمْتُ، إلا أني [قرَأْتُ آيةً] (^٢)، فقرَأها رجلٌ غيرَ قِراءتي، فقلتُ: أقْرَأَنيها رسولُ اللَّهِ ﷺ. فقال الرجلُ: أقْرَأَنيها رسولُ اللَّهِ ﷺ. فأتَيْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ، فقلتُ: أقْرَأْتَني آيةَ كذا وكذا؟ قال: "بَلَى". قال الرجلُ: ألم تُقْرِئْني آيةَ كذا وكذا؟ قال: "بَلَى، إِنَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ أَتَيَانِي، فَقَعَدَ جِبْرِيلُ عَنْ يَمينِي وَمِيكَائِيلُ عَنْ يَسَارِي، فقال جِبْرِيلُ: اقْرَإِ القُرْآنَ على [حَرْفٍ وَاحِدٍ] (^٣)، وقال مِيكَائِيلُ: اسْتَزِدْهُ. قال جِبْرِيلُ: اقْرَإِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفَيْنِ. فقال مِيكَائِيلُ: اسْتَزِدْهُ. حَتَّى بلَغ ستةً أو سبعةً" (^٤) الشكُّ من أبي كُرَيْبٍ. وقال ابنُ بَشَّارٍ في حديثِه: "حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ - ولم يَشُكَّ (^٥) فيه - وَكُلٌّ شَافٍ كَافٍ". ولفظُ الحديثِ لأبي كُريبٍ (^٦).
_________________
(١) = وأخرجه أحمد بن منيع في مسنده - كما في فضائل القرآن لابن كثير ص ٦١ - والنسائي في الكبرى (١٠٥٠٧)، والبيهقي في الدلائل ٦/ ١٨٨ من طريق إسحاق الأزرق وفي يزيد بن هارون، عن العوام، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن صرد، قال: أتى أُبي بن كعب رسول اللَّه ﷺ برجلين. فذكره. وقال ابن كثير: فهذا الحديث محفوظ من حيث الجملة عن أبي بن كعب، والظاهر أن سليمان بن صرد الخزاعي شاهد ذلك، واللَّه أعلم.
(٢) في ص: "حال".
(٣) في ت ١: "قرأنا به".
(٤) في ص، ر: "حرف"، وفي ت ٢: "حرفين".
(٥) بعده في ت ١: "أحرف".
(٦) في ر، ت ١، ت ٢: "يشكك".
(٧) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ٢٠١، وابن أبي شيبة ١٠/ ٥١٧، وأحمد ٥/ ١١٤، ١٢٢ (الميمنية)، وعبد بن حميد (١٦٤)، وعبد اللَّه بن أحمد في زوائد المسند ٥/ ١٢٢ (الميمنية)، والنسائي (٩٤٠)، والطحاوي في المشكل (٣١١١)، وابن حبان (٧٣٧) من طرق عن حميد به.
[ ١ / ٣٠ ]
وحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخْبَرني يحيى بنُ أيوبَ، عن حُميدٍ الطويلِ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن أُبَيِّ بنِ كعبٍ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه. وقال في حديثِه: "حَتَّى بَلَغَ سِتَّةَ (^١) أَحْرُفٍ، قَالَ: اقْرَأْهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، كُلٌّ شَافٍ كَافٍ".
حدَّثنا محمدُ بنُ مرزوقٍ، قال: حدَّثنا أبو الوليدِ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن حميدٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن عُبادةَ بنِ الصامتِ، عن أُبَيِّ بنِ كعبٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ" (^٢).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا حسينُ بنُ عليٍّ وأبو أسامةَ، عن زائدةَ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن أُبيٍّ، قال: لقِي رسولُ اللَّهِ ﷺ جبريلَ عندَ أحْجارِ المِرَاءِ (^٣)، فقال: "إِنِّي بُعِثْتُ إِلَى أُمَّةٍ أُمِّيِّينَ، مِنْهُمُ الغُلَامُ والْخَادِمُ والشَّيْخُ العاسي (^٤) والعَجُوزُ". فقال جِبْريلُ: فَلْيَقْرَءوا القرآنَ على سبعةِ أحرفٍ. ولفظُ الحديثِ لأبي أسامةَ (^٥).
_________________
(١) في ت ١، ت ٢: "سبعة".
(٢) أخرجه أحمد ٥/ ١١٤ (الميمنية)، والطحاوي في المشكل (٣٠٩٦، ٣٠٩٧)، وابن حبان (٧٤٢)، والطبراني في الأوسط (٥٢٥٠)، وابن عدي ٢/ ٦٧٩، وتمام في الفوائد (١٣٢٢ - الروض البسام) من طرق عن حماد بن سلمة به. وقد تفرد حماد بذكر عبادة في إسناده.
(٣) المراء - بكسر الميم -: قباء. النهاية ٤/ ٣٢٣.
(٤) في ص: "العاشي"، وفي م، وجامع المسانيد ١/ ٦٧: "الفاني"، وفي المسند: "العاصي"، وفي الترمذي: "الكبير". والعاسي بمعنى ما في هذه المصادر.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٥١٨ - ومن طريقه ابن حبان (٧٣٩) - وأحمد ٥/ ١٣٢ (الميمنية) عن حسين بن علي به. وأخرجه أحمد من طريق زائدة به. وأخرجه الطيالسي (٥٤٥)، والترمذي (٢٩٤٤)، والبزار (٢٩٠٩)، والطحاوي في المشكل (٣٠٩٨) من طريق عاصم به. وقال الترمذي: حسن صحيح. =
[ ١ / ٣١ ]
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا ابنُ نُمَيْرٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، وحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ القَنَّادُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يزيدَ الواسطيُّ، عن إسماعيلَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عيسى بنِ (^١) عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن جدِّه، عن أُبَيِّ بنِ كعبٍ، قال: كنتُ في المسجدِ، فدخَل رجلٌ يُصَلِّي، فقرَأ قراءةً أنْكَرْتُها عليه (^٢)، ثم دخَل رجلٌ آخرُ، فقرَأ قراءةً غيرَ قراءةِ صاحبِه، فدخَلْنا جميعًا على رسولِ اللَّهِ ﷺ. قال: فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنّ هذا قرَأ قراءةً أنْكَرْتُها عليه، ثم دخَل هذا فقرَأ قراءةً غيرَ قراءةِ صاحبِه. فأمَرهما رسولُ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأا، فحسَّن رسولُ اللَّهِ ﷺ شأنَهما، فوقَع في نفسي مِن التكذيبِ ولا إذ كنتُ في الجاهليةِ، فلما رأَى رسولُ اللَّهِ ﷺ ما غشِيني ضرَب في صدري، ففِضْتُ عرقًا، كأنما أَنْظُرُ إلى اللَّهِ فَرَقًا، فقال لي: "يَا أُبَيُّ، أُرْسِلَ إِلَيَّ: أَنِ اقْرَإِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ فَرَدَدْتُ عليه: أنْ هَوِّنْ على أُمَّتِي. فَرَدَّ عَلَيَّ في الثَّانِيَةِ: أَنِ اقْرَإِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ. فَرَدَدْتُ عليه: أنْ هَوِّنْ على أُمَّتِي. فَرَدَّ عَلَيَّ فِي الثَّالِثَةِ: أَنِ اقْرَأْهُ على سَبْعَةِ أحْرُفٍ، ولك بِكُلِّ رَدَّةٍ رَدَدْتُكها (^٣) مَسْأَلَةٌ تَسْألُنِيهَا. فقلْتُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأُمَّتِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأُمَّتِي. وأَخَّرْتُ الثَّالِثَةَ ليَوْمٍ يَرْغَبُ إِلَيَّ فيه الخَلْقُ كُلُّهم حتى إِبْراهِيمُ". إلا أن ابنَ بَيانٍ قال في حديثِه: فقال لهم (^٤) النبيُّ ﷺ: "قد أصَبْتُم وأحْسَنْتُم". وقال أيضًا: فارفضَضْتُ (^٥) عرقًا (^٦).
_________________
(١) = ورُوي عن عاصم، عن زر، عن حذيفة. أخرجه أحمد ٥/ ٣٩١، ٤٠٥ (الميمنية)، والبزار (٢٩٠٨)، والطحاوي في المشكل (٣٠٩٨)، وابن قانع في معجمه ١/ ١٩١، ١٩٢، والطبراني في الكبير (٣٠١٨).
(٢) في ت ١: "عن". وينظر تهذيب الكمال ١٥/ ٤١٢.
(٣) بعده في ص، ت ١: "قال".
(٤) في ص، م: "رددتها".
(٥) في ص، ت ١: "لهما".
(٦) ارفض عرقا: جرى عرقه وسال. انظر النهاية ٢/ ٢٤٣.
(٧) أخرجه مسلم (٨٢٠) - ومن طريقه البغوي في شرح السنة (١٢٢٧) - من طريق ابن نمير به. =
[ ١ / ٣٢ ]
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُضَيْلٍ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، بإسنادِه عن النبيِّ ﷺ نحوَه (^١)، وقال: قال لي: "أُعِيذُكَ بِاللَّهِ مِن الشَّكِّ والتَّكْذِيبِ". وقال أيضًا: "إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ القُرْآنَ على حَرْفٍ، فقُلْتُ: اللَّهُمَّ رَبِّ خَفِّفْ عن أُمَّتِي. فقال: اقْرَأْهُ على حَرْفَيْنِ. فأمَرَنِي (^٢) أن أقْرَأَهُ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، مِن سَبْعَةِ أَبْوَابٍ مِنَ الجَنَّةِ، كُلُّهَا شَافٍ كَافٍ".
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا وَكيعٌ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عيسى بنِ أبي ليلى، عن ابنِ أبي ليلى، [وعن ابنِ أبي ليلى] (^٣)، عن الحكمِ، عن ابنِ أبي ليلى، عن أُبَيٍّ، قال: دخَلْتُ المسجدَ فصلَّيْتُ، فقرَأْتُ "النحلَ"، ثم جاء رجلٌ آخرُ، فقرَأها على غيرِ قراءتي، ثم جاء رجلٌ آخرُ فقرَأ خلافَ قراءتِنا، فدخَل (^٤) نفسي مِن الشكِّ والتكذيبِ أشدُّ مما كان في الجاهليةِ، فأخَذْتُ بأيديهما، فأتَيْتُ بهما النبيَّ ﷺ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، اسْتَقْرِئْ هذين. فقرَأ أحدُهما، فقال: "أَصَبْتَ". قال: ثم اسْتَقْرَأ الآخرَ، فقال: "أَصَبْتَ". فدخَل قلبي أشدُّ مما كان في الجاهليةِ مِن الشكِّ والتكذيبِ، فضرَب رسولُ اللَّهِ ﷺ
_________________
(١) = وأخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٥١٦، وأحمد ٥/ ١٢٧ (الميمنية)، ومسلم (٨٢٠)، وعبد اللَّه بن أحمد في زوائد المسند ٥/ ١٢٨ (الميمنية)، وابن حبان (٧٤٠)، والبيهقي ٢/ ٣٨٣ من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد به.
(٢) أعاده المصنف في ص ٦٣، وفيه: عن عبد اللَّه بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه، عن جده، عن أبي. وهكذا ذكره ابن كثير في فضائل القرآن ص ٥٦ عنه.
(٣) في ت ١: "وأمرني".
(٤) سقط من: ص، ر، ت ٢. وابن أبي ليلى الذي يروي عنه عبد الله بن عيسى والحكم هو عبد الرحمن بن أبي ليلى، والذي يروي عن الحكم هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى.
(٥) بعده في م: "في".
[ ١ / ٣٣ ]
صدري، وقال: "أعَاذَكَ اللَّهُ مِن الشَّكِّ، وَأَخْسَأَ عَنك الشَّيْطانَ". قال إسماعيلُ: ففِضْتُ عرقًا. ولم يَقُلْه ابنُ أبي ليلى. قال: فقال: "أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ: اقْرَإِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ. فَقُلْتُ: إِنَّ أُمَّتِي لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ. حَتَّى قَالَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، فقال لي: اقْرَأْ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، وَلَكَ بِكُلِّ رَدَّةٍ رُدِدْتَها مسألةٌ". قال: "فَاحْتَاجَ إِلَيَّ فِيهَا الْخَلَائِقُ، حَتَّى إِبْرَاهِيمُ".
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ (^١)، عن ابنِ أبي ليلى، عن الحكمِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن أُبَيٍّ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه.
حدَّثني أحمدُ بنُ محمدٍ الطُّوسيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الصمدِ، قال: [حدَّثني أبي، قال] (^٢): حدَّثنا محمدُ بنُ جُحَادةَ، عن الحكمِ بنِ عُتَيْبةَ (^٣)، عن مجاهدٍ، عن ابنِ أبي ليلى، عن أُبيِّ بنِ كعبٍ، قال: أتَى جبريلُ النبيَّ ﷺ وهو عندَ أَضَاةِ بني غِفارٍ (^٤)، فقال: إن اللَّهَ ﵎ يَأْمُرُك أن تُقْرِئَ أمَّتَك القرآنَ على سبعةِ أحرفٍ، فمَن قرَأ منها حرفًا فهو كما قرَأ (^٥).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن
_________________
(١) في ر، ت ١، ت ٢: "عبيد اللَّه". والظاهر أنه عبد اللَّه بن نمير، فهو يروي عن ابن أبي ليلى كما في المسند ٥/ ٢٢ (٢٨٠٨)، ويروي عنه أبو كريب كما تقدم في ص ٣٢.
(٢) سقط من: ر.
(٣) في ت ١، ت ٢: "عيينة".
(٤) أضاة بني غفار: موضع بالمدينة. معجم ما استعجم ١/ ١٦٤.
(٥) أخرجه عبد اللَّه بن أحمد في زوائد المسند ٥/ ١٢٨ (الميمنية) - وعنه الطبراني في الكبير (٥٣٥)، والقطيعي في جزء الألف دينار (٢٨) - وابن حبان (٧٣٨) من طريق عبد الوارث بن سعيد به. وسيأتي في ص ٤٠، ٤١ من طريق آخر عن عبد الوارث.
[ ١ / ٣٤ ]
الحكمِ، عن مُجاهدٍ، عن ابنِ أبي ليلى، عن أُبيِّ بنِ كعبٍ، أن النبيَّ ﷺ كان عندَ أضاةِ بني غِفارٍ، قال: فأتاه جبريلُ، فقال: إنّ اللَّهَ يَأْمُرُك أن تُقْرِئَ أمَّتَك القرآنَ على حرفٍ. قال: "أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَه ومَغْفِرَتَه، وَإِنَّ أُمَّتِي لا تُطِيقُ ذلك". قال: ثم أتاه الثانيةَ، فقال: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُك أن تُقْرِئَ أمَّتَك القرآنَ على حرفين. قال: "أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَه ومَغْفِرَتَه، وإِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذلك". ثم جاءه الثالثةَ، فقال: إن اللَّهَ يَأْمُرُك، أن تُقْرِئَ أمَّتَك القرآنَ على ثلاثةِ أحرفٍ. قال: "أسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَه ومَغْفِرَتَه، وإِن أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذلك". ثم جاءه الرابعةَ، فقال: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُك أن تُقْرِئَ أمَّتَك القرآنَ على سبعةِ أحرفٍ، فأيَّما حرفٍ قرَءوا عليه فقد أصابوا (^١).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عدِيٍّ، عن شعبةَ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ أبي ليلى قال: أتَى جبريلُ النبيَّ ﷺ عندَ أَضاةِ بني غِفارٍ. فذكَر نحوَه.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا موسى بنُ داودَ، قال: حدَّثنا شعبةُ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: حدَّثنا شَبَابةُ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ أبي ليلى، عن أُبيِّ بنِ كعبٍ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه (^٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٨٢١)، وأبو داود (١٤٧٨) عن محمد بن المثنى به. وأخرجه أحمد ٥/ ١٢٧ (الميمنية)، ومسلم (٨٢١)، والنسائي (٩٣٨)، وعبد اللَّه بن أحمد في زوائد المسند ٥/ ١٢٨ (الميمنية) من طريق محمد بن جعفر به. وأخرجه الطيالسي (٥٥٩)، والطحاوي في المشكل (٣١١٧)، والبيهقي ٢/ ٣٨٤ من طريق شعبة به. وأخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ٢٠٢ عن حجاج بن محمد، عن شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، ليس فيه: عن مجاهد. وقال النسائي: هذا الحديث خولف فيه الحكم، خالفه منصور بن المعتمر، رواه عن مجاهد، عن عبيد بن عمير، مرسلا.
(٢) أخرجه الطحاوي في المشكل (٣١١٧) من طريق شبابة به.
[ ١ / ٣٥ ]
حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخْبَرَني هشامُ بنُ سعدٍ، عن [عُبَيدِ اللَّهِ] (^١) بنِ عمرَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن أُبيِّ بنِ كعبٍ أنه قال: سمِعْتُ رجلًا يَقْرَأُ في سورةِ "النحلِ" قراءةً تُخالِفُ قراءتي، ثم سمِعْتُ آخرَ يَقْرَؤُها [قراءةً تُخالِفُ ذلك] (^٢)، فانْطَلَقْتُ بهما إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ فقلتُ: إني سمِعْتُ هذين يَقْرَأان في سورةِ "النحلِ"، فسأَلْتُهما مَن أقْرَأَهما؟ فقالا: رسولُ اللَّهِ ﷺ فقلت: لَأَذْهَبَنَّ بكما إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، إذ خالفْتُما ما أقْرَأَني رسولُ اللَّهِ ﷺ. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ لأحدِهما: "اقْرَأْ". فقرَأ، فقال: "أَحْسَنْتَ". ثم قال للآخرِ: "اقْرَأْ". فقرأ، فقال: "أَحْسَنْتَ". قال أُبيٌّ: فوجَدْتُ في نفسي وَسْوسةَ الشيطانِ، حتى احْمَرَّ وجهي، فعرَف ذلك رسولُ اللَّهِ ﷺ في وجهي، فضرَب بيدِه في صدري، ثم قال: "اللَّهُمَّ أَخْسِئِ الشَّيْطَانَ عنه، يا أُبَيُّ أَتَاني آتٍ مِن رَبِّي، فقال: إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُك أن تَقْرَأَ القُرْآنَ على حَرْفٍ واحِدٍ. فقُلْتُ: رَبِّ، خَفِّفْ عَنِّي (^٣). ثم أَتَانِي الثَّانِيَةَ، فقال: إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُك أن تَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى [حَرْفٍ وَاحِدٍ] (^٤). فَقُلْتُ: رَبِّ، خَفِّفْ عَنْ أُمَّتِي. ثُمَّ أَتَانِيَ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَقُلْتُ مثلَ ذلك، ثُمَّ أَتَانِيَ الرَّابِعَةَ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، ولك بِكُلِّ رَدَّةٍ مَسْأَلَةٌ، فَقُلْتُ:
_________________
(١) في ص: "عبد الله".
(٢) في ص، ر، ت ١، ت ٢: "فخالف".
(٣) في فضائل القرآن: "عن أمتي". وفي نسخة منه كالذي هنا. وينظر تفسير ابن كثير تحقيق أبي إسحاق الحويني ١/ ١٩٤.
(٤) في الفضائل: "حرفين". وفي نسخة منه كالذي هنا.
[ ١ / ٣٦ ]
يَا رَبِّ اغْفِرْ لِأُمَّتي، [يَا رَبِّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي] (^١)، [وَاخْتَبَأْتُ الثَّالِثَةَ شفاعةَ لِأُمَّتِي] (^٢) يَوْمَ القِيَامَةِ" (^٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى الصَّنْعانيُّ، قال: حدَّثنا المُعْتَمِرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ عُبَيدَ اللَّهِ بنَ عمرَ، عن سَيَّارٍ (^٤) أبي الحكمِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، رفَعه إلى النبيِّ ﷺ: ذكر أن رجلين اخْتَصَما في آيةٍ مِن القرآنِ، وكلٌّ يَزْعُمُ أن النبيَّ ﷺ أقْرَأه، فتَقَارأا إلى أُبيٍّ، فخالَفَهما أبيٌّ، فَتَقارَءوا إلى النبيِّ ﷺ فقال (^٥): يا نبيَّ اللَّهِ، اخْتَلَفْنا في آيةٍ مِن القرآنِ، وكلُّنا يَزْعُمُ أنك أقْرَأْتَه. فقال لأحدِهما: "اقْرَأْ". قال: فقرَأ، فقال: "أَصَبْتَ". وقال للآخرِ: "اقْرَأْ". فقرَأ خلافَ ما قرَأ صاحبُه، فقال: "أَصَبْتَ". وقال لأُبيٍّ: "اقْرَأْ". فقرَأ فخالَفهما، فقال: "أَصَبْتَ". قال أُبيٌّ: فدخَلَني مِن الشكِّ في أمرِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ما دخَل فيَّ مِن أمرِ الجاهليةِ. قال: فعرَف رسولُ اللَّهِ ﷺ الذي في وجهي، فرفَع يدَه، فضرَب صدري، وقال: "اسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ". قال: ففِضْتُ عرقًا، وكأنِّي أَنْظُرُ إلى اللَّهِ فَرَقًا، وقال: "إِنَّهُ أَتَانِي آتٍ مِن (^٦) رَبِّي، فقال: إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ على حَرْفٍ وَاحِدٍ. فقُلْتُ: رَبِّ خَفِّفْ عن أُمَّتِي". قال: "ثم جَاءَ الثَّانيةَ (^٧)،
_________________
(١) سقط من: ر، ت ٢.
(٢) سقط من: ت ٢.
(٣) إسناده منقطع. ذكره ابن كثير في فضائل القرآن ص ٥٦، ٥٧ عن المصنف. وعلقه ابن عبد البر في التمهيد ٨/ ٢٨٨ عن الليث، عن هشام به. وصحح إسناده ابن كثير، وقال الحربي - كما في تهذيب التهذيب ٧/ ٤٠ -: عبيد اللَّه لم يدرك عبد الرحمن بن أبي ليلى. وقد روى عنه بواسطة كما في الطريق الآتي.
(٤) في ت ١: "سنان".
(٥) في ص: "فقالوا".
(٦) في ص: "عن".
(٧) زيادة من: ت ١.
[ ١ / ٣٧ ]
فقال: إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُك أَنْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ على حَرْفٍ وَاحِدٍ. فَقُلْتُ: رَبِّ خَفِّفْ عن أُمَّتِي". قال: ["ثُمَّ جَاء الثَّالِثَةَ، فقال: إِنَّ رَبَّك يَأْمُرُك أَنْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ على حَرْفٍ وَاحِدٍ. فَقُلْتُ: رَبِّ خَفِّفْ عَنْ أُمَّتِي". قال:] (^١) "ثم جَاءَني الرَّابِعَةَ، فقال: إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، ولك بِكُلِّ رَدَّةٍ مسْألةٌ". قال: "قُلْتُ: رَبِّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي، رِب اغْفِرْ لِأُمَّتِي، وَاخْتَبَأْتُ الثَّالِثَةَ شَفَاعَةً لِأُمَّتِي، حَتَّى إِنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمنِ لَيَرْغَبُ فِيهَا" (^٢).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا زيدُ بنُ الحُبابِ، عن حمادِ بنِ سلمةَ، عن عليِّ بنِ زيدٍ (^٣)، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي بَكْرةَ، عن أبيه، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "قال (^٤) جِبْرِيلُ: اقْرَءُوا الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ. فَقَالَ مِيكَائِيلُ: اسْتَزِدْهُ. فَقَالَ: عَلَى حَرْفَيْنِ. حَتَّى بَلَغَ سِتَّةَ أَو سَبْعَةَ أَحْرُفٍ، فقال: كُلُّهَا شَافٍ كَافٍ، ما لم تَخْتِمْ آيَةَ عَذَابٍ [بآيةِ رحمةٍ] (^٥)، أَوْ آيَةَ رَحْمَةٍ [بآيةِ عذابٍ] (^٦)، كقولك: هَلُمَّ وتَعَالَ" (^٧).
حدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخْبَرَني سليمانُ
_________________
(١) سقط من: ت ٢.
(٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٧/ ٣٢٩ من طريق ابن وهب، عن عمرو، عن سعيد بن أبي هلال، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن أبي الحكم، عن أبي بن كعب، نحوه.
(٣) في ت ١: "يزيد".
(٤) بعده في ر: "لي".
(٥) في م: "برحمة".
(٦) في م: "بعذاب".
(٧) أخرجه أحمد ٥/ ٤١، ٥١ (الميمنية)، والطحاوي في المشكل (٣١١٨) من طريق حماد به. وعزاه الهيثمي في المجمع ٧/ ١٥١ إلى الطبراني.
[ ١ / ٣٨ ]
ابنُ بلالٍ، عن يَزيدَ بنِ خُصَيْفةَ، عن بُسْرِ (^١) بنِ سعيدٍ، أن أبا جُهَيْمٍ (^٢) الأنصاريَّ أخْبَرَه أن رجلَيْن اخْتَلَفا في آيةٍ مِن القرآنِ، فقال هذا: تلَقَّيْتُها مِن رسولِ اللَّهِ ﷺ وقال الآخرُ: تلَقَّيتُها من رسولِ اللَّهِ ﷺ. فسألا رسولَ اللَّهِ ﷺ عنها، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فلا تَمَارَوْا في القُرْآنِ، فَإِنَّ المِرَاءَ فيه كُفْرٌ" (^٣).
حدَّثنا يونسُ، قال: أخْبَرَنا سفيانُ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، قال: قال النبيُّ ﷺ: "أُنْزِلَ الْقُرْآنُ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، كلُّها شَافٍ كَافٍ" (^٤).
حدَّثني يونسُ، [قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ] (^٥)، قال (^٦): أخْبَرني سليمانُ بنُ بلالٍ، عن أبي عيسى بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، عن أبيه، عن جدِّه، عن (^٧) عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، أنّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "أُمِرْتُ أَنْ أقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، كُلٌّ كَافٍ شَافٍ" (^٨).
_________________
(١) في ر، م، ت ١، ت ٢: "بشر". وينظر تهذيب الكمال ٣٢/ ١٧٢.
(٢) في ر، م: "جهم". وينظر تهذيب الكمال ٣٣/ ٢٠٩.
(٣) أخرجه الطحاوي في المشكل (٣٠٩٩) عن يونس به. وأخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٨/ ٢٨٢ من طريق ابن وهب به. وأخرجه أحمد ٢٩/ ٨٥ (١٧٥٤٢) من طريق سليمان بن بلال به. وقال ابن كثير في فضائل القرآن ص ٦٤: هذا إسناد صحيح. وينظر تفسير ابن كثير تحقيق أبي إسحاق الحويني ١/ ٢٠٧.
(٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٣ - تفسير)، وابن أبي شيبة ١٠/ ٥١٦ عن ابن عيينة به.
(٥) سقط من: ت ١.
(٦) سقط من: م.
(٧) زيادة من: ر. وهذا إسناد مشكل كما قال الشيخ أحمد شاكر، ومن بعده الشيخ الألباني في الصحيحة ٢/ ٤٢٤ (٨٤٤). ولم نهتد إلى معرفة مَن أبو عيسى هذا. ولعله أبو العميس عتبة بن عبد اللَّه بن عتبة بن عبد اللَّه بن مسعود، ثقة، مات في حدود سنة ١٥٠، مترجم في تهذيب الكمال ١٩/ ٣٠٩، وذكر روايته عن أبيه.
(٨) عزاه السيوطي في الجامع الكبير (٤٤٣٢)، والمتقى الهندي في الكنز (٣٠٩٢) إلى المصنف.
[ ١ / ٣٩ ]
حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ الغِفاريُّ، قال: حدَّثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: حدَّثنا أبو خَلْدةَ، قال: حدَّثني أبو العاليةِ، قال: قرَأ على رسولِ اللَّهِ ﷺ مِن كلِّ خمسٍ رجلٌ، فاخْتَلَفوا في اللغةِ، فرضِي قراءتَهم كلِّهم، فكان بنو تَميمٍ أعْرَبَ (^١) القومِ.
حدَّثنا عمرُو بنُ عثمانَ (^٢) العُثمانيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي أُوَيْسٍ (^٣)، قال: حدَّثنا أخي، عن سليمانَ بنِ بلالٍ، عن محمدِ بنِ عَجْلانَ، عن المَقْبُريِّ، عن أبي هريرةَ ﵁، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ. فَاقْرَءُوا وَلَا حَرَجَ، وَلَكِنْ لَا تَخْتِمُوا (^٤) ذِكْرَ رَحْمَةٍ بِعَذَابٍ، وَلَا ذِكْرَ عَذَابٍ بِرَحْمَةٍ" (^٥).
حدَّثنا محمدُ بنُ مرزوقٍ (^٦)، قال: حدَّثنا أبو مَعْمَرٍ (^٧) عبدُ اللَّهِ بنُ عمرِو بنِ أبي (^٨) الحجاجِ (^٩)، قال: حدَّثنا [عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ] (^١٠)، [قال: حدَّثنا محمدُ] (^١١) بنُ
_________________
(١) في ر: "أعرف".
(٢) في ص، ت ١: "محمد".
(٣) في ص: "إدريس".
(٤) في ت ١: "تجمعوا".
(٥) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٨/ ٢٨٨ من طريق إسماعيل بن أبي أويس به. وأخرجه الطحاوي في المشكل (٣١٠١) من طريق ابن عجلان به. واختلف فيه على ابن أبي أويس، فأخرجه البزار، وأبو يعلى، وابن حبان، وغيرهم من طرق عن إسماعيل بن أبي أويس، عن أخيه، عن سليمان بن بلال، عن ابن عجلان، عن أبي إسحاق إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود. وقد تفرد به ابن عجلان عن الهجري. وقد تقدم من وجه آخر عن الهجري في ص ٢٢.
(٦) في ت ٢: "يوسف".
(٧) بعده في ت ٢: "عن".
(٨) سقط من: ص.
(٩) في ت ١: "العجاج".
(١٠) سقط من: ص.
(١١) في ت ٢: "يعني".
[ ١ / ٤٠ ]
جُحادةَ (^١)، عن الحكمِ بنِ عُتَيْبةَ (^٢)، عن مُجاهدٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن أُبَيِّ بنِ كعبٍ، قال: أتى النبيَّ ﷺ جبريلُ وهو بأَضَاةِ بني غِفارٍ، فقال: إن اللَّهَ يَأْمُرُك أن تُقْرِئَ أمَّتَك القرآنَ على حرفٍ واحدٍ. قال: فقال: "أَسْأَلُ اللهَ مَغْفِرَتَهُ وَمُعَافَاتَهُ -[أو قال: مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ] (^٣) - سَلِ اللَّهَ لَهُمُ التَّخْفِيفَ، فَإِنَّهم لَا يُطِيقُونَ ذلك". فَانْطَلَقَ ثُمَّ رَجَعَ، فقال: إن اللَّهَ يَأْمُرُك أن تُقْرِئَ أمَّتَك القرآنَ على حرفين. فقال: "أَسأَلُ اللَّهَ مَغْفِرَتَهُ وَمُعَافَاتَهُ -[أو قال: مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ] (^٣) - إِنَّهُمْ لَا يُطِيقُونَ ذلك، فَسَلِ اللَّهَ لهم التَّخْفِيفَ". فانْطَلَق ثم رجَع. فقال: إن اللَّهَ يَأْمُرُك أن تُقْرِئَ أمتَك القرآنَ على ثلاثةِ (^٤) أحرفٍ. [فقال: "أَسْأَلُ اللَّهَ مَغْفِرَتَهُ وَمُعَافَاتَهُ - أو قال (^٥): مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ - إِنَّهم لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، [سَلِ اللَّهَ] (^٦) لهم التَّخْفِيفَ". فانْطَلَق ثم رجَع، فقال: إن اللَّهَ يَأْمُرُك أن تُقْرِئَ أمَّتَك القرآنَ على سبعةِ أحرفٍ] (^٣)، فمَن قرَأ منها بحرفٍ فهو كما قرَأ (^٧).
قال أبو جعفرٍ: صحَّ وثبَت أن الذي نزَل به القرآنُ مِن ألسنِ العربِ، البعضُ منها دونَ الجميعِ؛ إذ كان معلومًا أن ألسنتَها ولُغاتِها أكثرُ مِن سبعةٍ، بما يُعْجَزُ عن إحصائِه.
فإن قال: وما برهانُك على أن معنى قولِ النبيِّ ﷺ: "نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ". وقولِه: "أُمِرْتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبعَةِ أَحْرُفٍ". هو ما ادَّعَيْتَه - مِن أنه
_________________
(١) في ت ٢: "حجارة".
(٢) في ت ١، ت ٢: "عيينة".
(٣) سقط من: ص، ت ٢.
(٤) في ص، ت ٢: "سبعة".
(٥) زيادة من: م.
(٦) سقط من: ت ١.
(٧) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٨/ ٢٨٧ من طريق أبي معمر به.
[ ١ / ٤١ ]
نزَل بسبعِ لغاتٍ، وأُمِر بقراءتِه على سبعةِ ألسُنٍ - دونَ أن يكونَ معناه ما قاله مخالفوك، مِن أنه نزَل بأمرٍ، وزجْرٍ، وتَرْغيبٍ، وترهيبٍ، وقَصَصٍ، ومَثَلٍ، ونحوَ ذلك مِن الأقوالِ، فقد علمتَ قائلَ ذلك مِن سلفِ الأمةِ وخيارِ الأئمةِ؟
قيل له: إن الذين قالوا ذلك لم يَدَّعُوا أن تأويلَ الأخبارِ التي تقَدَّم ذكرُناها هو ما زعمتَ أنهم قالوه في الأحرفِ السبعةِ التي نزَل بها القرآنُ دون غيرِه، فيكونَ ذلك لقولِنا مُخالِفًا، وإنما أخْبَروا أن القرآنَ نزَل على سبعةِ أحرفٍ، يَعْنون بذلك أنه نزَل على سبعةِ أوجهٍ. والذي قالوه مِن ذلك كما قالوا.
وقد رَوَيْنا بمثل الذي قالوا مِن ذلك، عن النبيِّ ﷺ وعن جماعةٍ مِن أصحابِه، أخبارًا قد تقدم ذكرُنا بعضَها، وسنَسْتَقْصِي [ذكرَ باقيها] (^١) ببيانِه، إذا انتهَيْنا إليه إن شاء اللَّهُ.
فأما الذي تقَدَّم (^٢) ذِكْرُناه مِن ذلك، فخبرُ أُبيِّ بنِ كعبٍ، مِن روايةِ أبي كُرَيْبٍ، عن ابنِ فُضَيْلٍ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، الذي ذكَر فيه عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "أُمِرْتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، مِن سَبْعَةِ أَبْوَابٍ مِن (^٣) الجَنَّةِ".
والسبعةُ الأحرفُ هو ما قلْنا مِن أنه الألسنُ السبعةُ. والأبوابُ السبعةُ مِن الجنةِ هي المعاني التي فيها؛ مِن الأمرِ والنهيِ، والترغيبِ والترهيبِ، والقَصَصِ والمَثَلِ، التي إذا عَمِل بها العاملُ، وانتهى إلى حدودِها المُنْتَهِي، اسْتَوْجَب به الجنةَ. وليس - والحمدُ للَّهِ - في قولِ مَن قال ذلك مِن المُتَقَدِّمِين خلافٌ لشيءٍ مما قلْناه.
_________________
(١) في ص، ت ١، ت ٢: "ذكرنا فيها".
(٢) تقدم في ص ٣٣.
(٣) سقط من: م.
[ ١ / ٤٢ ]
والدَّلالةُ على صحةِ ما قلْناه، مِن أن معنى قولِ النبيِّ ﷺ: "نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ". إنما هو أنه نزَل بسبعِ لغاتٍ، كما تقَدَّم ذكرُنا مِن الرواياتِ الثابتةِ عن عمرَ بنِ الخطابِ، وعبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، وأُبيِّ بنِ كعبٍ، وسائرِ مَن قد قدَّمْنا الروايةَ عنه عن النبيِّ ﷺ في أولِ هذا البابِ، أنهم تَمارَوْا في القرآنِ، فخالَف بعضُهم بعضًا في نفسِ التلاوةِ، دون ما في ذلك مِن المعاني، وأنهم احْتَكَموا فيه إلى النبيِّ ﷺ، فاسْتَقْرَأ كلَّ رجلٍ منهم، ثم صوَّب جميعَهم في قراءتِهم على اختلافِها، حتى ارْتاب بعضُهم لتصويبِه إياهم، فقال ﷺ للذي ارتاب منهم عندَ تصويبِه جميعَهم: "إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ".
ومعلومٌ أن تَمارِيَهم فيما تَمارَوْا فيه مِن ذلك، لو كان تَماريًا واختلافًا فيما دلَّت عليه تِلاواتُهم (^١)؛ مِن التحليلِ والتحريمِ، والوعدِ والوَعيدِ، وما أشبهَ ذلك، لكان مستحيلًا أن يُصَوِّبَ (^٢) جميعَهم ﷺ، ويَأْمُرَ (^٣) كلَّ قارئٍ منهم أن يَلْزَمَ قراءتَه في ذلك على النحوِ الذي هو عليه؛ لأن ذلك لو جاز أن يكون صحيحًا وجَب أن يَكونَ اللَّهُ جل ثناؤه قد أمَر بفعلِ شيءٍ بعينِه، وفرَضه في تلاوةِ مَن دلَّت تلاوتُه على فرضِه، ونهَى عن فعلِ ذلك الشيءِ بعينِه وزجَر عنه في تلاوةِ الذي دلَّت تلاوتُه على النهيِ والزجرِ عنه، وأباح وأطْلَق فِعْلَ ذلك الشيءِ بعينِه، وجعَل لمن شاء مِن عبادِه أن يَفْعَلَه فِعْلَه، ولمن شاء منهم أن يَتْرُكَه تَرْكَه، في تلاوةِ مَن دلَّت تلاوتُه على (^٤) التخييرِ!
وذلك مِن قائلِه - إن قاله - إثباتُ ما قد نفَى اللَّهُ جَلّ ثناؤه عن تنزيلِه وحكمِ
_________________
(١) في ت ٢: "تلاوتهم".
(٢) في ت ٢: "تصوب".
(٣) في ت ٢: "تأمر".
(٤) في م، ت ٢: "عن".
[ ١ / ٤٣ ]
كتابِه، فقال تعالى ذِكرُه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. وفي نفْيِ اللَّهِ جل ثناؤه ذلك عن حكمِ كتابِه، أوضحُ الدليلِ على أنه لم يُنَزِّلْ كتابَه على لسانِ محمدٍ ﷺ إلا بحكمٍ واحدٍ مُتَّفِقٍ في جميعِ خلقِه، لا بأحكامٍ فيهم مختلفةٍ.
وفي صحةِ كونِ ذلك كذلك ما يُبْطِلُ دعوى مَن ادَّعى خلافَ قولِنا في تأويلِ قولِ النبيِّ ﷺ: "أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ". للذين تخاصَموا إليه عندَ اختلافِهم في قراءتِهم؛ لأنه ﷺ قد أمَر جميعَهم بالثبوتِ على قراءتِه، ورضِي قراءةَ كلِّ قارئٍ منهم - على خلافِها قراءةَ خصومِه ومُنازِعيه فيها - وصوَّبها.
ولو كان ذلك منه تصويبًا فيما اخْتَلَفت فيه المعاني، وكان قولُه (^١) ﷺ: "أُنْزِلَ عَلَيَّ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ". إعلامًا منه لهم أنه نزَل بسبعةِ أوجهٍ مختلفةٍ، وسبعةِ معانٍ مُفْتَرِقةٍ - كان ذلك إثباتًا لما قد نفَى اللَّهُ عن كتابِه مِن الاختلافِ، ونفيًا لما قد أوْجَب له مِن الائْتِلافِ.
مع أن في قيامِ الحجةِ بأن النبيَّ ﷺ لم يَقْضِ في شيءٍ واحدٍ في وقتٍ واحدٍ بحكمين مختلفين ولا أذِن بذلك لأمتهِ - ما يُغْنِي عن الإكثارِ في الدَّلالةِ على أن ذلك مَنْفيٌّ عن كتابِ اللَّهِ.
وفي انتفاءِ ذلك عن كتابِ اللَّهِ وجوبُ صحّةِ القولِ الذي قلْناه في معنى قولِ النبيِّ ﷺ: "أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ". عندَ اخْتِصامِ المُخْتَصِمِين إليه فيما اخْتَلَفوا فيه مِن (^٢) تلاوةِ ما تَلَوْه مِن القرآنِ، وفسادِ تأويلِ قولِ مَن خالَف قولَنا في ذلك.
_________________
(١) بعده في ر: "لهم".
(٢) في ص، ت ١: "في".
[ ١ / ٤٤ ]
وأُخْرى (^١)، أنَّ الذين تَمارَوْا فيما تمارَوْا فيه مِن قراءتِهم (^٢) فاحْتَكموا إلى النبيِّ ﷺ، لم يَكُنْ مُنْكَرًا عندَ أحدٍ منهم أن يَأْمُرَ اللَّهُ عبادَه جل ثناؤه في كتابِه وتنزيلِه بما شاء، ويَنْهَى عما شاء، ويَعِدَ فيما أحبَّ مِن طاعاتِه، ويُوعِدَ على مَعاصِيه، ويَحْتِمَ (^٣) لنبيِّه ويَعِظَه (^٤) فيه، ويَضْرِبَ فيه لعبادِه الأمثالَ، فيُخاصِمَ غيرَه على إنكارِه سماعَ ذلك مِن قارئِه؛ بل على الإقرارِ بذلك كلِّه كان إسلامُ مَن أسْلَم منهم. فما الوجهُ الذي أوْجَب له إنكارَ ما أنكر، إن لم يَكُنْ كان ذلك اختلافًا منهم في الألفاظِ واللغاتِ؟
وبعدُ، فقد أبان صحةَ ما قلنا الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ نصًّا، وذلك الخبرُ الذي ذكَرْنا (^٥): أن أبا كُرَيْبٍ حدَّثنا، قال: حدَّثنا زيدُ بنُ الحُبابِ، عن حمادِ بنِ سلمةَ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي بَكْرةَ، عن أبيه، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "قَالَ جِبْرِيلُ: اقْرَإِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ. قَالَ مِيَكائِيلُ: اسْتَزِدْه. فقال: على حَرْفَيْنِ. حَتَّى بَلَغَ سِتَّةَ أَوْ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ، فقال: كُلُّهَا شَافٍ كَافٍ، مَا لَمْ يَخْتِمْ آيَةَ عَذَابٍ بِآيَةِ رَحْمَةٍ، أَوْ آيَةَ رَحْمَةٍ بِآيَةِ عَذَابٍ، كقَوْلِكَ: هَلُمَّ وَتَعَالَ".
فقد أوْضَح نصُّ هذا الخبرِ أن اختلافَ الأحرفِ السبعةِ إنما هو اختلافُ ألفاظٍ، كقولِك: هَلُمَّ وتعال. باتفاقِ المعاني، لا باختلافِ معانٍ مُوجِبةٍ اختلافَ أحكامٍ، وبمثلِ الذي قلْنا في ذلك صحَّت (^٦) الأخبارُ عن جماعةٍ مِن
_________________
(١) في ص، م، ت ١، ت ٢: "أحرى".
(٢) في ص: "قراءاتهم".
(٣) في ر، م: "يحتج".
(٤) في ر، ت ١: "يعظ"، وفي ت ٢: "بعضا".
(٥) تقدم في ص ٣٨.
(٦) بعده في ص، ت ١: "به".
[ ١ / ٤٥ ]
السلفِ والخلفِ.
حدَّثني أبو السائبِ سَلْمُ (^١) بنُ جُنادةَ السُّوَائيُّ، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ، وحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن شعبةَ، جميعًا عن الأعمشِ، عن شَقيقٍ، قال: قال عبدُ اللَّهِ: إني قد سمِعْتُ القَرَأةَ (^٢) فوجَدْتُهم مُتَقارِبِين، فاقْرَءُوا كما عُلِّمْتُم، وإياكم والتَّنَطُّعَ، فإنما هو كقولِ أحدِكم: هَلُمَّ وتَعالَ (^٣).
وحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عمَّن سمِع ابنَ مسعودٍ يقولُ: مَن قرَأ منكم على حرفٍ فلا يَتَحَوَّلَنَّ، ولو أَعْلَمُ أحدًا أعْلَمَ مني بكتابِ اللَّهِ لَأَتَيْتُه (^٤).
وحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ قال: حدَّثنا شعبةُ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ عابسٍ، عن رجلٍ مِن أصحابِ عبدِ اللَّهِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، قال: مَن قرَأ القرآنَ (^٥) على حرفٍ فلا يَتَحَوَّلَنَّ منه إلى غيرِه (^٦).
فمعلومٌ أن عبدَ اللَّهِ لم يَعْنِ بقولِه هذا: مَن قرَأ ما في القرآنِ مِن الأمرِ والنهيِ فلا يَتَحَوَّلَنَّ منه إلى قراءةِ ما فيه مِن الوعدِ والوَعيدِ، ومَن قرَأ ما فيه مِن الوعدِ والوَعيدِ
_________________
(١) في ر، م، ت ١: "سالم". وينظر تهذيب الكمال ١١/ ٢١٨.
(٢) في ص: "إلى القرأة"، وفي ر: "إلى القراءة"، وفي م: "القرّاء".
(٣) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ٢٠٧، ٢١٧، وابن أبي شيبة ١٠/ ٤٨٨ عن أبي معاوية به. وأخرجه البيهقي ٢/ ٣٨٥ من طريق شعبة به. وسيأتي في سورة يوسف، الآية ٢٣ من وجه آخر عن الأعمش.
(٤) رُوي من طرق عن ابن مسعود، وسيأتي تخريجه في ص ٧٥.
(٥) زيادة من: م، ت ٢.
(٦) أخرجه أحمد وغيره من طريق شعبة به. وهو جزء من أثر مطول تقدم في ص ٢٦.
[ ١ / ٤٦ ]
فلا يَتَحَوَّلَنَّ منه إلى قراءةِ ما فيه مِن القَصَصِ والمَثَلِ. وإنما عنَى رحمةُ اللَّهِ عليه أن مَن قرَأ بحرفِه - وحرفُه قراءتُه، وكذلك تقولُ العربُ لقراءةِ رجلٍ: حرفُ فلانٍ. وتقولُ للحرفِ مِن حروفِ الهِجاءِ المُقَطَّعةِ: حرفٌ. كما تقولُ لقصيدةٍ مِن قصائدِ الشاعرِ: كلمةُ فلانٍ - فلا يَتَحَوَّلَنَّ عنه إلى غيرِه رغبةً عنه. ومَن قرَأ بحرفِ أُبيٍّ، أو بحرفِ زيدٍ، أو بحرفِ بعضِ مَن قرَأ مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ببعضِ الأحرفِ السبعةِ - فلا يَتَحَوَّلَنَّ عنه إلى غيرِه رغبةً عنه، فإن الكفرَ ببعضِه كفرٌ بجميعِه، والكفرُ بحرفٍ مِن ذلك كفرٌ بجميعِه. يعني بالحرفِ ما وصَفْنا مِن قراءةِ بعضِ مَن قرَأ ببعضِ الأحرفِ السبعةِ.
وقد حدَّثنا يحيى بنُ داودَ الواسطيُّ، قال: حدَّثنا أبو أسامةَ، عن الأعمشِ، قال: قرَأ أنسٌ هذه الآيةَ: (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيلِ هِيَ أَشَدُّ وَطئًا وأَصْوَبُ قِيلًا). فقال له بعضُ القومِ: يا أبا حمزةَ، إنما هي ﴿وَأَقْوَمُ﴾. فقال: "أقومُ" و"أصوبُ" و"أهْيَأُ" (^١) واحدٌ.
وحدَّثني محمدُ بنُ حُميدٍ الرازيُّ، قال: حدَّثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن ليثٍ، عن مُجاهدٍ أنه كان يَقْرَأُ القرآنَ على خمسةِ أحرفٍ.
وحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن سالمٍ، أن سعيدَ بنَ جُبيرٍ كان يَقْرَأُ القرآنَ على حرفين.
وحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا جَريرٌ، عن مُغيرةَ، قال: كان يزيدُ بنُ الوليدِ يَقْرَأُ القرآنَ على ثلاثةِ أحْرُفٍ.
_________________
(١) في م: "أهدى"، وفي ت ٢: "أهنى".
[ ١ / ٤٧ ]
أفَتَرَى الزاعمَ أن تأويلَ قولِ النبيِّ ﷺ: "أُنْزِلَ القُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ". إنما هو أنه نزَل (^١) على الأوجهِ السبعةِ التي ذكَرْنا؛ مِن الأمرِ، والنهيِ، والوعدِ، والوَعيدِ، والجَدَلِ، والقَصَصِ، والمَثَلِ - كان يَرَى أن مُجاهِدًا وسعيدَ بنَ جُبيرٍ لم يقرأا مِن القرآنِ إلا ما كان مِن وجهيه أو وجوهِه الخمسةِ دون سائرِ مَعانيه؟ لئن كان ظنَّ ذلك بهما لقد ظنَّ بهما غيرَ الذي يُعْرفانِ به مِن منازِلِهما مِن القرآنِ، ومعرفتِهما بآيِ الفُرْقانِ.
وحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: حدَّثنا أيوبُ، عن محمدٍ، قال: نُبِّئْتُ أن جبرائيلَ وميكائيلَ أتَيا النبيَّ ﷺ، فقال له جبرائيلُ: اقْرَإِ القرآنَ على حرفين. فقال له ميكائيلُ: اسْتَزِدْه. فقال: اقْرَإِ القرآنَ على ثلاثةِ أحرفٍ. فقال له ميكائيلُ: اسْتَزِدْه. قال: حتى بلَغ سبعةَ أحرفٍ. قال محمدٌ: لا تَخْتَلِفُ في حَلالٍ ولا حَرامٍ، ولا أمرٍ ولا نَهْيٍ، هو كقولك: تعالَ وهَلُمَّ وأقْبِلْ. قال: وفي قراءتِنا ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: ٢٩]. وفي قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (إن كانت إلا زَقْيةً واحدةً) (^٢).
وحدَّثني يعقوبُ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: حدَّثنا شعيبٌ - يعني ابنَ الحَبْحابِ - قال: كان أبو العاليةِ إذا قرَأ عندَه رجلٌ لم يَقُلْ: ليس كما تقْرَأُ. وإنما يقولُ: أما أنا فأَقْرَأُ كذا وكذا. قال: فذكَرْتُ ذلك لإبراهيمَ النَّخَعيِّ، فقال: أُرَى
_________________
(١) في ص، ت ١: "أنزل".
(٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٥ - تفسير) من طريق أيوب وهشام عن ابن سيرين إلى قوله: حتى بلغ سبعة أحرف. وأخرج باقيه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ٢٠٨، ٢٠٩ عن ابن علية به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
[ ١ / ٤٨ ]
صاحبَك قد سمِع أنه مَن كفَر بحرفٍ منه فقد كفَر به كلِّه (^١).
حدَّثنا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أنْبَأنا ابنُ وهبٍ، قال: حدَّثنا يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخْبَرَني سعيدُ بنُ المسيبِ أن الذي ذكَر اللَّهُ تعالى ذِكْرُه ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣]. إنما افتَتَن أنه كان يَكْتُبُ الوحيَ، فكان يُمْلِي (^٢) عليه رسولُ اللَّهِ ﷺ: سمِيعٌ عليمٌ، أو عزيزٌ حكيمٌ، أو غير ذلك مِن خواتمِ الآيِ، ثم يَشْتَغِلُ عنه رسولُ اللَّهِ ﷺ وهو على الوحيِ، فيَسْتَفْهِمُ رسولَ اللَّهِ ﷺ فيقولُ: أعزيزٌ حكيمٌ، أو سميعٌ عليمٌ، أو عزيزٌ عليمٌ؟ فيقولُ له رسولُ اللَّهِ ﷺ: "أيَّ ذلك كتَبْتَ فهو كذلك". ففتَنه ذلك، فقال: إنَّ محمدًا وكَل ذلك إليَّ فأَكْتُبُ ما شئتُ. وهو الذي ذكَر لي سعيدُ بنُ المسيبِ مِن الحروفِ السبعةِ.
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللَّهِ قال: مَن كفَر بحرفٍ مِن القرآنِ أو بآيةٍ منه فقد كفَر به كلِّه (^٣).
قال أبو جعفرٍ: فإن قال لنا قائلٌ: فإذْ (^٤) كان تأويلُ قولِ النبيِّ ﷺ: "أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ". عندَك ما وصَفْتَ، بما عليه اسْتَشْهَدْتَ، فأوْجِدْنا حرفًا في كتابِ اللَّهِ مَقْرُوءًا بسبعِ لغاتٍ، فنُحَقِّقَ بذلك قولَك، وإلَّا، فإن لم تَجِدْ ذلك كذلك، كان معلومًا بِعَدَمِكَهُ صحّةُ قولِ مَن زعَم أن تأويلَ ذلك أنه نزَل بسبعةِ مَعانٍ؛ وهو الأمرُ، والنهيُ، والوعدُ، والوَعيدُ، والجَدَلُ، والقَصَصُ، والمثَلُ، وفسادُ قولِك. أو تقولَ في ذلك: إن الأحرفَ السبعةَ لغاتٌ في القرآنِ سبعٌ، مُتَفَرِّقةٌ
_________________
(١) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ١٨/ ١٧٤ من طريق ابن علية به. وأخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٥١٣ من طريق شعيب به. وينظر ما تقدم في ص ٢٧.
(٢) في ص، ت ١: "يُمِلّ". وهما بمعنًى.
(٣) تقدم في ص ٢٦، ٢٧ ضمن أثر طويل من طريق آخر عن ابن مسعود.
(٤) في ص: "فإن"، وفي م: "فإذا".
[ ١ / ٤٩ ]
في جميعِه، مِن لغاتِ أحياءٍ مِن قبائلِ العربِ مُخْتلفةِ الألسنِ، كما كان يقولُه بعضُ مَن لم يُنْعِمِ (^١) النظرَ في ذلك، فيصيرُ بذلك إلى القولِ بما لا يَجْهَلُ فسادَه ذو عقلٍ، ولا يَلْتَبِسُ خطَؤُه على ذي لُبٍّ؛ وذلك أن الأخبارَ التي بها احْتَجَجْتَ لتصحيحِ مقالتِك في تأويلِ قولِ النبيِّ ﷺ: "نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ". وهي الأخبارُ التي روَيْتَها (^٢) عن عمرَ بنِ الخطابِ، وعبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، وأُبيِّ بنِ كعبٍ، رحمةُ اللَّهِ عليهم، وعمّن روَيْتَ ذلك عنه مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، بأنهم تَمارَوْا في تلاوةِ بعضِ القرآنِ، فاخْتَلَفوا في قراءتِه دونَ تأويلِه، وأنْكَر بعضٌ قراءةَ بعضٍ، مع دعْوَى كلِّ قارئٍ منهم قراءةً منها أن رسولَ اللَّهِ ﷺ أقْرَأه ما قرَأ بالصفةِ التي قرَأ، ثم احْتَكموا (^٣) إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، فكان مِن حكمِ رسولِ اللَّهِ ﷺ بينَهم أن صوَّب قراءةَ كلِّ قارئٍ منهم، على خلافِها قراءةَ أصحابِه الذين نازعوه فيها، وأمَر كلَّ امرئٍ منهم أن يَقْرَأَ كما عُلِّم، حتى خالَط قلبَ بعضِهم الشكُّ في الإسلامِ؛ لما رأَى من تَصْويبِ رسولِ اللَّهِ ﷺ قراءةَ كلِّ قارئٍ منهم على اختلافِها، ثم جَلاه اللَّهُ عنه ببيانِ رسولِ اللَّهِ ﷺ أن القرآنَ أُنْزِل على سبعةِ أحرفٍ.
فإن كانت الأحرفُ السبعةُ التي نزَل بها القرآنُ عندَك - كما قال هذا القائلُ - مُتَفَرِّقةً في القرآنِ، مُثْبَتةً اليومَ في مَصاحفِ أهلِ الإسلامِ، فقد بطَلَت معاني الأخبارِ التي روَيْتَها عمَّن رويتَ (^٤) عنه مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ أنهم اخْتَلَفوا في قراءةِ سورةٍ مِن القرآنِ، فاخْتَصَموا إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، فأمَر كلًّا أن يَقْرَأَ كما عُلِّم؛ لأن
_________________
(١) في م: "يمعن"، وفي ت ٢: "يعن".
(٢) في ت ٢: "رويناها".
(٣) في ص، ت ١: "اختلفوا".
(٤) في م، ت ١: "رويتها".
[ ١ / ٥٠ ]
الأحرفَ السبعةَ إذا كانت لغاتٍ متفرقةً في جميعِ القرآنِ، فغيرُ مُوجِبٍ حرفٌ مِن ذلك اختلافًا بينَ تاليه؛ لأن كلَّ تالٍ فإنما يَتْلُو ذلك الحرفَ تِلاوةً واحدةً، على ما هو به في المصحفِ، وعلى ما أُنْزِل.
وإذ كان ذلك كذلك، بطَل وجهُ اختلافِ الذين رُوِي عنهم (^١) أنهم اخْتَلَفوا في قراءةِ سورةٍ، وفسَد معنى أمرِ النبيِّ ﷺ كلَّ قارئٍ منهم أن يَقْرَأَه على ما عُلِّم؛ إذ كان لا معنى هنالك يُوجِبُ اخْتِلافًا في لفظٍ، ولا افتراقًا في معنًى، وكيف يَجوزُ أن يكونَ هنالك اختلافٌ بينَ القومِ، والمُعَلِّمُ واحدٌ، والعلمُ واحدٌ غيرُ ذي أوجهٍ؟ وفي صحةِ الخبرِ عن الذين رُوِي عنهم الاختلافُ في حروفِ القرآنِ على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ بأنهم اخْتَلفوا وتَحاكموا إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ في ذلك، على ما تقَدَّم وَصْفُناه - أبينُ الدَّلالةِ على فسادِ القولِ بأن الأحرفَ السبعةَ إنما هي أحرفٌ سبعةٌ متفرقةٌ في سورِ القرآنِ، لا أنها لغاتٌ مختلفةٌ في كلمةٍ واحدةٍ باتفاقِ المعاني.
مع أن المُتَدَبِّرَ إذا تدَبَّر قولَ هذا القائلِ، في تأْويلِه قولَ النبيِّ ﷺ: "أُنْزِلَ القُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ". وادعائِه أن معنى ذلك أنها سبعُ لغاتٍ متفرقةٍ في جميعِ القرآنِ، ثم جمَع بينَ قِيله ذلك واعتلالِه لقِيله ذلك بالأخبارِ التي رُوِيَت عمَّن رُوِي ذلك عنه مِن الصحابةِ والتابعِين أنه قال: هو بمنزلةِ قولِك: تعالَ وهلمَّ وأقبلْ. وأن بعضَهم قال: هو بمنزلةِ قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (إلا زَقيَةً). وهي في قراءتِنا: ﴿إِلَّا صَيْحَةً﴾. وما أشبه ذلك من حُجَجِه - علِم أن حججَه مُفْسِدةٌ في ذلك مقالتَه، وأن مقالتَه فيه مُضادَّةٌ حُجَجَه؛ لأن الذي نزَل به القرآنُ عندَه إحدى القراءتين: إمَّا ﴿صَيْحَةً﴾ (^٢)، وإمَّا (زقية)، وإما "تعالَ"، أو "أقبلْ"، أو "هَلُمّ"، لا جميعُ
_________________
(١) في م: "منهم".
(٢) في م: "صحيحة".
[ ١ / ٥١ ]
ذلك؛ لأن كلَّ لغةٍ مِن اللغاتِ السبعِ عندَه في كلمةٍ أو حرفٍ مِن القرآنِ، غيرُ الكلمةِ أو الحرفِ الذي فيه اللغةُ الأخرى.
وإذ كان ذلك كذلك، بَطل اعتلالُه لقولِه بقولِ مَن قال: ذلك بمنزلةِ "هلُمَّ"، و"تعالَ"، و"أقبلْ"؛ لأن هذه الكلماتِ هي ألفاظٌ مختلفةٌ يَجْمَعُها في التأويلِ معنًى واحدٌ. وقد أبْطَل قائلُ هذا القولِ الذي حكَيْنا قولَه اجتماعَ اللغاتِ السبعِ في حرفٍ واحدٍ مِن القرآنِ، فقد تبَيَّن بذلك إفسادُه (^١) حجتَه لقولِه بقولِه، وإفسادُه (^١) قولَه بحجتِه.
فقيل له: ليس القولُ في ذلك بواحدٍ مِن الوجهين اللذين وصَفْتَ، بل الأحرفُ السبعةُ التي أَنْزَل اللَّهُ بها القرآنَ هن لغاتٌ سبعٌ، في حرفٍ واحدٍ وكلمةٍ واحدةٍ، باختلافِ الألفاظِ واتفاقِ المعاني، كقولِ القائلِ: "هلم"، و"تَعالَ" و"أقْبِل"، و"إليَّ"، و"قَصْدي"، و"نحْوِي"، و"قُرْبِي"، ونحوِ ذلك مما تَخْتَلِفُ فيه الألفاظُ بضُروبٍ مِن المَنْطِقِ، وتَتَّفِقُ فيه المعاني، وإن اختلفتْ بالبيانِ به الألسنُ، كالذي رَوَينا آنفًا عن رسولِ اللَّهِ ﷺ، وعمّن رَوَيْنا ذلك عنه مِن الصحابةِ، أن ذلك بمنزلةِ قولِه (^٢): "هلم"، و"تعال"، و"أقبل". وقولِه: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً﴾، و(إلا زَقْيَةً).
فإن قال: ففي أيِّ كتابِ اللَّهِ نَجِدُ حرفًا واحدًا مَقْروءًا بلغاتٍ سبعٍ مختلفاتِ الألفاظِ مُتَّفِقاتِ المعنى، فنُسَلِّمَ لك صحةَ ما ادَّعَيْتَ مِن التأويلِ في ذلك؟
قيل: إنا لم نَدَّعِ أن ذلك موجودٌ اليومَ، وإنما أخْبرْنا أن معنى قولِ النبيِّ ﷺ: "أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ". على نحوِ ما جاءت به الأخبارُ التي تقَدَّم
_________________
(١) في ص، ت ١: "إفساد".
(٢) في م: "قولك"، وفي ت ١: "قولهم".
[ ١ / ٥٢ ]
ذِكْرُناها، وهو ما وصَفْنا، دون ما ادَّعاه مُخالِفونا في ذلك، للعللِ التي قد بيَّنَّا.
فإن قال (^١): فما بالُ الأحرفِ الأُخَرِ الستةِ غيرُ موجودةٍ، إن كان الأمرُ في ذلك على ما وصَفْتَ، وقد أقْرَأَهن رسولُ اللَّهِ ﷺ أصحابَه، وأمَر بالقراءةِ بهن، وأنْزَلَهن اللَّهُ مِن عندِه على نبيِّه ﷺ، أنُسِخَت فرُفِعَت، فما الدَّلالةُ على نَسْخِها ورَفْعِها؟ أمْ نسِيَتْهن الأمةُ؟ فذلك تَضْييعُ ما قد أُمِروا بحفظِه، أم ما القصةُ في ذلك؟
قيل له: لم تُنْسَخْ فتُرْفَعَ، ولا ضيَّعَتْها الأمَّةُ وهي مأمورةٌ بحفظِها، ولكنَّ الأمَّةَ أُمِرَت بحفظِ القرآنِ، وخُيِّرَت في قراءتِه وحفظِه بأيِّ تلك الأحرفِ السبعةِ شاءَت، كما أُمِرَت إذا هي حنَثَتْ في يمينٍ وهي مُوسِرةٌ، أن تُكَفِّرَ بأيِّ الكفَّاراتِ الثلاثِ شاءت؛ إما بعتقٍ، أو إطعامٍ، أو كِسوةٍ، فلو أجْمَعَ جميعُها على التكفيرِ فيها (^٢) بواحدةٍ مِن الكفاراتِ الثلاثِ، دونَ حَظْرِها التكفيرَ فيها (^٣) بأيِّ الثلاثِ شاء المُكَفِّرُ، كانت مُصيبةً حُكْمَ اللَّهِ، مُؤَدِّيةٌ في ذلك الواجبَ عليها مِن حقِّ اللَّهِ. فكذلك الأمةُ أُمِرَت بحفظِ القرآنِ وقراءتِه، وخُيِّرَت في قراءتِه بأيِّ الأحرفِ السبعةِ شاءت، فرأَتْ -لعلةٍ مِن العللِ أوْجَبَت عليها الثباتَ على حرفٍ واحد- قراءتَه بحرفٍ واحدٍ، ورفْضَ القراءةِ بالأحرفِ الستةِ الباقيةِ، ولم تَحْظُرْ قراءتَه بجميعِ حروفِه على قارئِه، بما أُذِن له في قراءتِه به.
فإن قال: وما العلةُ التي أوْجَبَت عليها الثباتَ على حرفٍ واحدٍ دونَ سائرِ الأحرفِ الستةِ الباقيةِ؟
_________________
(١) بعده في ر: "قائل".
(٢) زيادة من: ر.
(٣) سقط من: ص، وفي ت ١: "بها".
[ ١ / ٥٣ ]
قيل: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ الدَّرَاوَرْديُّ، عن عُمارةَ بنِ غَزِيَّةَ، عن ابنِ شِهابٍ، عن خارجةَ بنِ زيدِ بنِ ثابتٍ، عن أبيه زيدٍ، قال: لما قُتِل أصحابُ رسولِ اللَّهِ ﷺ باليَمامةِ، دخَل عمرُ بنُ الخطَّابِ علَى أبي بكرٍ، فقال: إن أصحابَ رسولِ اللَّهِ ﷺ باليمامةِ تَهافَتوا تَهافُتَ الفَراشِ في النارِ، وإني أَخْشَى ألا يَشْهَدوا موطنًا إلا فعَلوا ذلك حتى يُقْتَلوا - وهم حملةُ القرآنِ - فيَضِيعَ القرآنُ ويُنْسَى، فلو جَمَعْتَه وكتَبْتَه. فنفَر منها أبو بكرٍ، وقال: أَفْعَلُ ما لم يَفْعَلْ رسولُ اللَّهِ ﷺ! فتَراجَعا في ذلك، ثم أرْسَل أبو بكرٍ إلى زيدِ بنِ ثابتٍ، قال زيدٌ: فدخَلْتُ عليه، وعمرُ مُحْزَئِلٌّ (^١)، فقال أبو بكرٍ: إن هذا قد دعاني إلى أمرٍ فأبَيْتُ عليه، وأنت كاتبُ الوحيِ، فإن تَكُنْ معه اتَّبَعْتُكما، وإن تُوافِقْني لا أَفْعَلْ. قال: فاقْتَصَّ أبو بكرٍ قولَ عمرَ، وعمرُ ساكتٌ، فنفَرْتُ مِن ذلك، وقلتُ: نَفْعَلُ ما لم يَفْعَلْ رسولُ اللَّهِ ﷺ؟ إلى أن قال عمرُ كلمةً: وما عليكما لو فعَلْتُما ذلك؟ قال: فذهَبْنا نَنْظُرُ، فقلْنا: لا شيءَ، واللَّهِ ما علينا في ذلك شيءٌ. قال زيدٌ: فأمَرَني أبو بكرٍ فكتَبْتُه في قِطَعِ الأُدُمِ وكِسَرِ الأكْتافِ والعُسُبِ (^٢)، فلما هلَك أبو بكرٍ، وكان عمرُ، كتَب ذلك في صحيفةٍ واحدةٍ، فكانت عندَه، فلما هلَك كانت الصحيفةُ عندَ حفصةَ زوجِ النبيِّ ﷺ، ثم إن حذيفةَ بنَ اليمانِ قدِم مِن غزوةٍ كان غزاها في فرجِ (^٣) إرْمِينِيَةَ، فلم يَدْخُلْ بيتَه حتى أتَى عثمانَ بنَ عفانَ، فقال: يا أميرَ المؤمنين،
_________________
(١) محزئل: أي منضم بعضه إلى بعضٍ، وقيل: مستوفز. النهاية ١/ ٣٧٩.
(٢) الأُدُم، جمع أديم: وهو الجلد المدبوغ. والأكتاف، جمع كتف: وهو عظم عريض خلف المنكب. والعُسُب، جمع عسيب: وهو جريدة النخل المستقيمة يكشف خوصها.
(٣) في ص: "مرج"، والفرج: الثغر المخوف. وإرمينية جمهورية صغيرة من جمهوريات ما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي، وتقع على حدود تركيا وإيران. ينظر: البلدان الإسلامية والأقليات الإسلامية في العالم المعاصر ص ٥٧٧.
[ ١ / ٥٤ ]
أدْرِكِ الناسَ. فقال عثمانُ، وما ذاك؟ قال: غزَوْتُ فرجَ إرْمِينِيَةَ، فحضَرها أهلُ العراقِ وأهلُ الشامِ، فإذا أهلُ الشامِ يَقْرَءون بقراءةِ أُبيِّ بنِ كعبٍ، فيَأْتُون بما لم يَسْمَعْ أهلُ العراقِ، فيُكَفِّرُهم أهلُ العراقِ، وإذا أهلُ العراقِ يَقْرَءون بقراءةِ ابنِ مسعودٍ، فيَأْتُون بما لم يَسْمَعْ أهلُ الشامِ، فيُكَفِّرُهم أهلُ الشامِ. قال زيدٌ: فأمَرَني عثمانُ بنُ عفانَ (^١) أكْتُبُ له مصحفًا. وقال: إني مُدْخِلٌ معك رجلًا لَبيبًا فَصيحًا، فما اجْتَمَعْتُما عليه فاكْتُباه، وما اخْتَلَفْتُما فيه فارْفَعاه إليَّ. فجعَل (^٢) أبانَ بنَ سعيدِ بنِ العاصِ. قال: فلما بلغا: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ [البقرة: ٢٤٨]. قال زيدٌ: فقلتُ: (التابوه). وقال أبانُ بنُ سعيدٍ: ﴿التَّابُوتُ﴾. فرفَعْنا ذلك إلى عثمانَ فكتَب: ﴿التَّابُوتُ﴾. قال: فلما فرَغْتُ عرَضْتُه (^٣) معه عَرْضةً، فلم أَجِدْ فيه (^٤) هذه الآيةَ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾. إلى قوِله: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣]. قال: فاسْتَعْرَضْتُ المهاجرين أَسْألُهم عنها، فلم أَجِدْها عندَ أحدٍ منهم، ثم اسْتَعْرَضْتُ الأنصارَ أَسْألُهم عنها، فلم أَجِدْها عندَ أحدٍ منهم، حتى وجَدْتُها عندَ خُزَيْمةَ بنِ ثابتٍ، فكتَبْتُها، ثم عَرَضتُه عَرْضَةً أخرى، فلم أَجِدْ فيه هاتين الآيتَيْن: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ إلى آخرِ السورةِ. [التوبة: ١٢٨، ١٢٩] فاسْتَعْرَضْتُ المهاجرِين، فلم أَجِدْها عند أحدٍ منهم، [ثم اسْتَعْرَضْتُ الأنْصارَ أَسْأَلُهم عنها، فلم أَجِدْها عندَ أحدٍ منهم] (^٥)، حتى وجَدْتُها مع رجلٍ آخرَ يُدْعَى خزيمةَ أيضًا، فأثْبَتُّها في آخرِ "براءة"، ولو تَمَّتْ ثلاثَ آياتٍ لجعَلْتُها سورةً على حِدَةٍ، ثم
_________________
(١) بعده في ت ١: "أن".
(٢) زيادة من: م.
(٣) في ص، ت ١، ت ٢: "عرضت".
(٤) بعده في ر: "إلا".
(٥) سقط من: ر.
[ ١ / ٥٥ ]
عرَضْتُه عَرْضةً أخرى فلم أَجِدْ فيه شيئًا، ثم أرْسَل عثمانُ إلى حفصةَ يَسْأَلُها أن تُعْطِيَه الصَّحيفةَ، وحلَف لها لَيَرُدَّنَّها إليها، فأعْطَتْه إياها، فعرَض المصحفَ عليها، فلم يَخْتَلِفا في شيءٍ، فردَّها إليها، وطابت نفسُه، وأمَر الناسَ أن يَكْتُبوا مَصاحفَ، فلما ماتت حفصةُ أرْسَل إلى عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ في الصَّحيفةِ بعَزْمةٍ، فأعطاهم إياها، فغُسِلَت غَسْلًا (^١).
وحدَّثني [به أيضًا] (^٢) يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا نُعَيْمُ بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ، عن عُمارةَ بنِ غَزِيَّةَ، عن ابنِ شِهابٍ، عن خارجةَ بنِ زيدٍ، عن أبيه زيدِ بنِ ثابتٍ، بنحوِه سواءً (^٣).
وحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: حدَّثنا أيوبُ، عن أبي قِلابَةَ، قال: لما كان في خِلافةِ عثمانَ، جعَل المُعَلِّمُ يُعَلِّمُ قراءةَ الرجلِ، والمُعَلِّمُ يُعَلِّمُ قراءةَ الرجلِ، فجعَل الغِلْمانُ يَلْتَقون فيَخْتَلِفون، حتى ارْتَفَع ذلك إلى المُعَلِّمِين، قال أيوبُ: فلا أَعْلَمُه إلا قال: حتى كفَر بعضُهم بقراءةِ بعضٍ. فبلَغ ذلك عثمانَ،
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير (٤٨٤٤)، والخطيب في المدرج ١/ ٣٩٧ من طريق الدراوردي به. وأخرجه البخاري (٤٩٨٦ - ٤٩٨٨) من طريق ابن شهاب، عن عبيد بن السباق، عن زيد بقصته مع أبي بكر وعمر، وعن أنس بقصة حذيفة مع عثمان، وعن خارجة بن زيد بقصة فقد الآية من سورة الأحزاب. وقال الحافظ: هذا هو الصحيح عن الزهري وأغرب عمارة بن غزية فرواه عن الزهري فقال: عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه. وساق القصص الثلاث بطولها؛ قصة زيد مع أبي بكر وعمر، ثم قصة حذيفة مع عثمان أيضًا، ثم قصة فقد زيد بن ثابت الآية من سورة الأحزاب، أخرجه الطبري، وبين الخطيب في المدرج أن ذلك وهم منه وأنه أدرج بعض الأسانيد على بعض. ينظر المدرج ١/ ٣٩٩، ٤٠٠، والفتح ٩/ ١١، ١٢، ومسند الطيالسي (٦٠٩).
(٢) في ص: "أيضًا"، وفي م: "به".
(٣) أخرجه الطحاوي في المشكل (٣١١٨) عن يونس به.
[ ١ / ٥٦ ]
فقام خطيبًا، فقال: أنتم عندي تَخْتَلِفون فيه وتَلْحَنون، فمَن نأَى (^١) عني مِن أهلِ الأمصارِ أشدُّ فيه اخْتِلافًا، وأشدُّ لَحْنًا، اجْتَمِعوا [يا أصحابَ] (^٢) محمدٍ، فاكْتُبوا للناسِ إمامًا. قال أبو قِلابةَ: فحدَّثني [مالكٌ أبو أنسٍ] (^٣)، قال: كنتُ في مَن يُمْلَى عليهم، قال: فربما اخْتَلَفوا في الآيةِ، فيَذْكُرُون الرجلَ قد تَلَقَّاها مِن رسولِ اللَّهِ ﷺ، ولعله أن يكونَ غائبًا، أو في بعضِ البَوادِي، فيَكْتُبون ما قبلَها وما بعدَها، ويَدَعُون موضعَها حتى يَجِيءَ أو يُرْسَلَ إليه، فلما فرَغ مِن المصحفِ، كتَب عثمانُ إلى أهلِ الأمصارِ: إني قد صنَعْتُ كذا وكذا، ومحَوْتُ ما عندي، فامْحُوا ما عندَكم (^٤).
حدَّثني يونُسُ بن عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا ابن وهبٍ، قال: أخْبَرني يونُسُ، قال: قال ابنُ شهابٍ: أخْبَرني أنسُ بنُ مالكٍ الأنصاريُّ، أنه اجْتَمَع لغزوةِ أَذْرَبِيجانَ وإرْمِينِيَةَ أهلُ الشامِ وأهلُ العراقِ، فتَذاكَروا القرآنَ، فاخْتَلَفوا فيه حتى كاد يَكونُ بينَهم فتنةٌ، فركِب حذيفةُ بنُ اليَمانِ لمَّا رأَى اختلافَهم في القرآنِ إلى عثمانَ، فقال: إن الناسَ قد اخْتَلَفوا في القرآنِ (^٥)، حتى إني واللَّهِ لَأَخْشَى أن يُصِيبَهم مثلُ ما أصاب اليهودَ والنصارى مِن الاختلافِ. قال: ففزِع لذلك فزعًا شديدًا، فأرْسَل إلى حفصةَ،
_________________
(١) في ر: "غاب".
(٢) في ص، ت ١، ت ٢: "بأصحاب".
(٣) في ص، م، ت ١، ت ٢: "أنس بن مالك". وفي المصاحف لابن أبي داود - وعنه الكنز (٤٧٧٦) -: "مالك بن أنس - قال أبو بكر بن أبي داود: هذا مالك بن أنس جد مالك بن أنس". والصواب ما أثبتنا كما في "ر". وهو مالك بن أبي عامر الأصبحي - وهكذا ذكره الحافظ في الفتح ٩/ ١٩ عن ابن أبي داود - كان ممن قرأ في زمان عثمان، وكان يكتِّبه المصاحف. ينظر المصاحف ص ٢٦، وجمهرة أنساب العرب ص ٤٣٥، ٤٣٦ وتهذيب الكمال ٢٧/ ١٤٨.
(٤) أخرجه ابن أبي داود في المصاحف ص ٢١ من طريق ابن علية به. وعزاه المتقي الهندي في الكنز (٤٧٧٦) إلى ابن الأنباري. وينظر المتفق والمفترق للخطيب ١/ ١٢٩، ١٣٠.
(٥) في ت ٢: "القراءة".
[ ١ / ٥٧ ]
فاسْتَخْرَج الصحفَ (^١) التي كان أبو بكرٍ أمَر زيدًا بجمعِها، فنسَخ منها مَصاحفَ، فبعَث بها إلى الآفاقِ (^٢).
حدَّثني سعيدُ بنُ الربيعِ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنةَ، عن الزهريِّ، قال: قُبِض النبيُّ ﷺ ولم يَكُنِ القرآنُ جُمِع، وإنما كان في الكَرانيفِ (^٣) [والعُسُبِ والسَّعَفِ] (^٤).
حدَّثنا سعيدُ بنُ الربيعِ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن مُجالِدٍ، عن الشعبيِّ، عن صَعْصَعةَ، أن أبا بكرٍ أولُ مَن ورَّث الكَلالةَ، وجَمَع المصحفَ (^٥).
وما أشبهَ ذلك مِن الأخبارِ التي يَطولُ باستيعابِ جميعِها الكتابُ، والآثارِ الدالةِ على أن إمامَ المسلمين وأميرَ المؤمنين عثمانَ بنَ عفانَ رحمةُ اللَّهِ عليه، جَمَع المسلمين؛ نظرًا منه لهم، وإشْفاقًا منه عليهم، ورأفةً منه بهم، حِذارَ الرِّدَّةِ (^٦) مِن بعضِهم بعدَ الإسلامِ، و(^٧) الدخولِ في الكفرِ بعدَ الإيمانِ، إذ ظهَر مِن بعضِهم بمحضَرِه وفي عصرِه التكذيبُ ببعضِ الأحرفِ السبعةِ التي نزَل عليها القرآنُ، مع سَماعِ أصحابِ رسولِ اللَّه ﷺ مِن رسولِ اللَّهِ ﷺ النهيَ عن التكذيبِ بشيءٍ منها، وإخبارِه إياهم أن المِراء فيها كفرٌ، فحمَلهم رحمةُ اللَّهِ عليه، إذ رأَى ذلك ظاهرًا بينَهم في عصرِه، وبحَداثةِ عهدِهم بنزولِ القرآنِ، وفِراقِ رسولِ اللَّهِ ﷺ
_________________
(١) في ص، وكتاب المصاحف ص ٢١: "الصحيفة"، وفي ت ١: "المصحف".
(٢) أخرجه ابن أبي داود في المصاحف ص ١٨، ٢١ من طريق الزهري به.
(٣) الكرانيف: جمع كُرنافة، وهي أصل السعفة الغليظة. النهاية ٤/ ١٦٨.
(٤) في ص، ت ١: "والسعف"، وفي م: "والعسب"، وفي ت ٢: "والشعف". والأثر أخرجه ابن أبي داود في المصاحف ص ٢٣ من طريق الزهري به نحوه.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٥٤٥ من طريق سفيان به.
(٦) بعده في م بين معكوفين: "بمحضره".
(٧) سقط من: م.
[ ١ / ٥٨ ]
إياهم، بما أمِن عليهم معه عظيمَ البلاءِ في الدينِ؛ مِن تلاوةِ القرآنِ على حرفٍ واحدٍ، وجَمَعهم على مصحفٍ واحدٍ (^١)، وخرَّق (^٢) ما عدا المصحف الذي جَمَعهم عليه، وعزَم على كلِّ مَن كان عندَه مصحفٌ مُخالِفٌ المصحفَ الذي جَمَعَهم عليه أن يُخَرِّقَه (^٣)، فاسْتَوْثَقَت له الأمةُ على ذلك بالطاعةِ، ورأَت أن فيما فعَل مِن ذلك الرشدَ والهدايةَ، فترَكَت القراءةَ بالأحرفِ الستةِ التي عزَم عليها إمامُها العادلُ في تركِها، طاعةً منها له، ونظرًا منها لأنفسِها ولمن بعدَها مِن سائرِ أهلِ ملَّتِها، حتى دَرَسَت مِن الأمةِ معرفتُها، وتعَفَّت آثارُها، فلا سبيلَ اليومَ لأحدٍ إلى القراءةِ بها، لدُثورِها وعُفُوِّ آثارِها، وتتابعِ المسلمين على رفضِ القراءةِ بها، مِن غيرِ جُحودٍ منها (^٤) صحتَها وصحةَ شيءٍ منها، ولكن نظرًا منها لأنفسِها ولسائرِ أهلِ دينِها، فلا قراءةَ للمسلمين اليومَ إلا بالحرفِ الواحدِ الذي اخْتارَه لهم إمامُهم الشفيقُ الناصحُ، دونَ ما عداه مِن الأحرفِ الستةِ الباقيةِ.
فإن قال بعضُ مَن ضعُفَت معرفتُه: وكيف جاز لهم تركُ قراءةٍ أقْرَأَهموها رسولُ اللَّهِ ﷺ وأمَرهم بقراءتِها؟
قيل: إن أمرَه إياهم بذلك لم يَكُنْ أمرَ إيجابٍ وفرضٍ، وإنما كان أمرَ إباحةٍ ورُخْصةٍ؛ لأن القراءةَ بها لو كانت فرضًا عليهم، لَوجَب أن يكونَ العلمُ (^٥) بكلِّ حرفٍ مِن تلك الأحرفِ السبعةِ عندَ مَن يَقومُ بنقلِه الحُجَّةُ، ويَقْطَعُ خبرُه العذرَ،
_________________
(١) بعده في ص، م: "وحرف واحد".
(٢) في ر، م، ت ١: "حرق".
(٣) في ر، م، ت ١: "يحرقه". قال الحافظ في الفتح ٩/ ٢٠: في رواية الأكثر: "أن يخرق" بالخاء المعجمة، وللمروزي بالمهملة، ورواه الأصيلي بالوجهين، والمعجمة أثبت.
(٤) في ص، ر، ت ١: "منهم". ومنها: أي من الأمة.
(٥) بعده في ت ١: "بذلك".
[ ١ / ٥٩ ]
ويُزِيلُ الشكَّ مِن قَرَأَةِ الأمةِ، وفي تركِهم نقلَ ذلك كذلك أوضحُ الدليلِ على أنهم كانوا في القراءةِ بها مُخَيَّرِين، بعدَ (^١) أن يكونَ في نَقَلةِ القرآنِ مِن الأمَّةِ مَن تَجِبُ بنقلِه الحجةُ ببعضِ تلك الأحرفِ السبعةِ، فإذ (^٢) كان ذلك كذلك، لم يَكُنِ القومُ بتركِهم نقلَ جميعِ القراءاتِ السبعِ تارِكِين ما كان عليهم نقلُه، بل كان الواجبُ عليهم مِن الفعلِ ما فعَلوا، إذ كان الذي فعَلوا مِن ذلك، كان هو النَّظَرَ للإسلامِ وأهلِه، فكان القيامُ بفعلِ الواجبِ عليهم بهم أولى مِن فعلِ ما لو فعَلوه كانوا إلى الجنايةِ على الإسلامِ وأهلِه أقربَ منهم إلى السلامةِ مِن ذلك.
فأما ما كان مِن اختلافِ القرأةِ في رفعِ حرفٍ وجرِّه ونصبِه، وتَسْكينِ حرفٍ وتحريكِه، ونقلِ حرفٍ إلى آخرَ، مع اتفاقِ الصورةِ، فمِن معنى قولِ النبيِّ ﷺ: "أُمِرْتُ أن أقْرَأَ الْقُرْآنَ على سَبْعَةِ أحْرُفٍ" - بمَعْزِلٍ؛ لأنه معلومٌ أنه لا حرفَ مِن حروفِ القرآنِ مما اخْتَلَفَت القرأَةُ في قراءتِه بهذا المعنى يُوجِبُ المِراءُ به كفْرَ المُمارِي به في قولِ أحدٍ مِن علماءِ الأمةِ (^٣).
وقد أوْجَب ﷺ بالمراءِ فيه الكفرَ مِن الوجهِ الذي تَنازَع فيه المُتَنازِعون إليه، وتَظاهَرَت عنه بذلك الروايةُ، على ما قد قدَّمْنا ذكرَها في أولِ هذا البابِ (^٤).
_________________
(١) في ت ١: "بين".
(٢) في م: "فإذا".
(٣) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والنزاع في أن القراءات السبعة المنسوبة إلى نافع وعاصم وغيرهما هل هي حرف من الحروف السبعة أم لا؟ فالذي عليه جمهور العلماء من السلف والأئمة أنها حرف من الحروف السبعة، وهو متضمن للعرضة الآخرة التي عرضها النبي ﷺ على جبريل، والأحاديث والآثار المشهورة المستفيضة تدل على هذا القول. مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٩٥.
(٤) في ت ٢: "الكتاب".
[ ١ / ٦٠ ]
فإن قال لنا قائلٌ: فهل لك مِن علمٍ بالألسنِ السبعةِ التي نزَل بها القرآنُ؟ وأيِّ الألسنِ هي مِن ألسنِ العربِ؟
قلْنا: أما الألسنُ الستةُ التي قد نزَلَت القراءةُ بها فلا حاجةَ بنا إلى معرفتِها؛ لأنا لو عرَفْناها لم نَقْرَأ اليومَ بها، مع الأسبابِ التي قدَّمْنا ذكرَها. وقد قيل: إن خمسةً منها لعَجُزِ هَوازنَ، واثنين منها لقريشٍ وخُزاعةَ.
رُوِي جميعُ ذلك عن ابنِ عباسٍ، وليست الروايةُ به (^١) عنه مِن روايةِ مَن يَجوزُ الاحتجاجُ بنقلِه، وذلك أن الذي روَى عنه أن خمسةً منها مِن لسانِ العَجُزِ مِن هَوازنَ، الكلبيُّ (^٢) عن أبي صالحٍ (^٣)، وأن الذي روَى عنه أن اللسانين الآخرَيْن لسانُ قريشٍ وخزاعةَ، قتادةُ، وقتادةُ لم يَلْقَهُ ولم يَسْمَعْ منه.
حدَّثني بذلك بعضُ أصحابِنا، قال: حدَّثنا صالحُ بنُ نصرٍ الخُزاعيُّ، قال: حدَّثنا الهيثمُ بنُ عديٍّ، عن سعيدِ بنِ أبي عَروبةَ، عن قتادةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: نزَل القرآنُ بلسانِ قريشٍ ولسانِ خُزاعةَ، وذلك أن الدارَ واحدةٌ (^٤).
وحدَّثني بعضُ أصحابِنا، قال: حدَّثنا صالحُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن قتادةَ، عن أبي الأسودِ الدُّئليِّ، قال: نزَل القرآنُ بلسانِ الكعبَيْن؛ كعبِ بنِ عمروٍ، وكعبِ بنِ لُؤَيٍّ. فقال خالدُ بنُ سلَمةَ لسعدِ بنِ إبراهيمَ: ألا تَعْجَبُ مِن هذا
_________________
(١) سقط من: م، ت ٢.
(٢) في ت ٢: "الكلام".
(٣) ذكره أبو عبيد في فضائل القرآن ص ٢٠٤ عن الكلبي به.
(٤) ذكره أبو عبيد في فضائل القرآن ص ٢٠٤، قال: وكذلك يحدثون عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عمن سمع ابن عباس.
[ ١ / ٦١ ]
الأعْمَى (^١)، يَزْعُمُ أن القرآنَ نزَل بلسانِ الكعبَيْن، وإنما نزَل بلسانِ قريشٍ (^٢).
قال أبو جعفرٍ: والعَجُزُ مِن هَوازِنَ؛ سعدُ بنُ بكرٍ، وجُشَمُ (^٣) بنُ بكرٍ، ونصرُ بنُ معاويةَ، وثَقيفٌ.
وأما معنى قولِ النبيِّ ﷺ إذ ذكَر نزولَ القرآنِ على سبعةِ أحرفٍ: "إن كلَّها شافٍ كافٍ". فإنه كما قال جل ثناؤُه في وصفِه القرآنَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧]. جعَله اللَّهُ للمؤمنين شفاءً، يَسْتَشْفُون بمواعظِه مِن الأدواءِ العارضةِ لصدورِهم، مِن وَساوسِ الشيطانِ وخَطَراتِه (^٤)، فيَكْفِيهم ويُغْنِيهم عن كلِّ ما عداه مِن المواعظِ ببيانِ آياتِه.
القولُ في البيانِ عن معنى قولِ رسولِ اللَّهِ ﷺ: "أُنزِلَ القُرآنُ مِن سبعةِ أبوابِ الجَنَّةِ". وذكرُ الأخبارِ المرويةِ (^٥) بذلك.
قال أبو جعفرٍ: اختَلَفَت النَّقَلَةُ في ألفاظِ الخبرِ بذلك عن رسولِ اللَّهِ ﷺ؛ فرُوِي عن ابنِ مسعودٍ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "كان الكِتابُ الأوَّلُ نَزَل مِن بَابٍ واحِدٍ، وعلى حَرْفٍ واحِدٍ، ونَزَل القُرآنُ مِن سبعةِ أبوابٍ، وعلى سبعةِ أحْرُفٍ؛ [زَاجِرٌ، وآمِرٌ] (^٦)، وحَلالٌ، وحَرامٌ، ومُحْكَمٌ، ومُتَشابِهٌ، وأمْثالٌ، فأحِلُّوا حلالَه، وَحَرِّمُوا حرامَه، وافْعَلُوا ما أُمِرْتُم به، وانْتَهُوا عما نُهِيتُم عنه، واعْتَبِرُوا بأمْثالِه
_________________
(١) في ت ١: "الأعجمي".
(٢) قتادة لم يدرك أبا الأسود. وينظر تاريخ بغداد ٥/ ١٧٣.
(٣) في م: "خيثم". وينظر جمهرة أنساب العرب ص ٣٠٤، والتمهيد ٨/ ٢٨٠.
(٤) في ص، ت ١: "خطواته".
(٥) في ص، ت ١: "الواردة".
(٦) في م: "زجر وأمر".
[ ١ / ٦٢ ]
واعْمَلُوا بمُحْكَمِه، وآمِنُوا بمُتَشابهِه، وقُولُوا: آمَنَّا به كلٌّ من عندِ رَبِّنا".
حدَّثني بذلك يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخْبَرَني حَيْوَةُ بنُ شُرَيْحٍ، عن عُقَيْلِ بنِ خالدٍ، عن سَلَمةَ بنِ أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ، عن أبيه، عن ابنِ مسعودٍ، عن النبيِّ ﷺ (^١).
ورُوِي عن أبي قِلابةَ، عن النبيِّ ﷺ مرسلًا غيرُ ذلك.
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، قال: حدَّثنا عَبّادُ بنُ زكريا، عن عوفٍ، عن أبي قِلابةَ، قال: بلَغَني أن النبيَّ ﷺ قال: "أُنزِلَ القُرْآنُ على سبعةِ أَحْرُفٍ؛ أمْرٌ، وزَجْرٌ، وتَرْغِيبٌ، وتَرْهِيبٌ، وجَدَلٌ، وقَصَصٌ، ومَثَلٌ" (^٢).
ورُوِي عن أُبيٍّ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ في ذلك ما حدَّثني به أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُضَيْلٍ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن عبدِ (^٣) اللَّهِ بنِ عيسى بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن أبيه، عن جدِّه، عن أُبيِّ بنِ كعبٍ، قال: قال لي رسولُ اللَّهِ ﷺ: "إنَّ اللَّهَ أَمَرَني أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ على حَرْفٍ واحِدٍ، فقُلْتُ: رَبِّ، خَفِّفْ عن أُمَّتِي. قال: اقْرَأْه على حَرْفَيْن. فقُلْتُ: رَبِّ، خَفِّفْ عن أُمَّتي. فأمَرَني أن أقْرَأَه على سبعةِ أَحْرُفٍ، من سَبْعَةِ أبْوابٍ من الجنَّةِ، كلُّها شافٍ كافٍ" (^٤).
_________________
(١) إسناده منقطع؛ أبو سلمة لم يلق ابن مسعود. وأخرجه ابن حبان (٧٤٥)، والحاكم ١/ ٥٥٣، ٢/ ٢٨٩، وابن عبد البر في التمهيد ٨/ ٢٧٥ من طريق ابن وهب به. وأخرجه الطحاوي في المشكل (٣١٠٢) من طريق حيوة بن شريح به. وهذا الحديث ضعفه الطحاوي وابن عبد البر وغيرهما. ورُوي موقوفا على ابن مسعود - كما سيأتي - وقال ابن كثير: هو أشبه. وينظر فضائل القرآن ص ٦٦، والفتح ٩/ ٢٩، والسلسلة الصحيحة (٥٨٧).
(٢) عزاه المتقي الهندي في الكنز (٣٠٩٦) إلى المصنف.
(٣) في م: "عبيد". وتقدم على الصواب في ص ٣٢، وينظر تهذيب الكمال ١٥/ ٤١٢.
(٤) تقدم في ص ٣٣.
[ ١ / ٦٣ ]
ورُوِي عن ابنِ مسعودٍ مِن قِيلِه (^١) خلافُ ذلك كلِّه، وهو ما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا المُحارِبيُّ، عن الأحوصِ (^٢) بنِ حَكيمٍ، عن ضَمْرةَ بنِ حَبيبٍ، عن القاسمِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، قال: إن اللَّهَ أنْزَل القرآنَ على خمسةِ أحرُفٍ؛ حلالٌ، وحرامٌ، ومُحْكَمٌ، ومُتَشَابِهٌ، وأمثالٌ، فأحِلَّ الحلالَ، وحَرِّمِ الحَرامَ، واعْمَلْ بالمُحْكَمِ، وآمِنْ بالمتشابهِ، واعْتَبِرْ بالأمثالِ (^٣).
وكلُّ هذه الأخبارِ التي ذكَرْناها عن رسولِ اللَّهِ ﷺ مُتَقارِبةُ المعاني؛ لأن قولَ القائلِ: فلانٌ مُقيمٌ على بابٍ مِن أبوابِ هذا الأمرِ، وفلانٌ مقيمٌ على وَجْهٍ مِن وجوهِ هذا الأمرِ، وفلانٌ مقيمٌ على حرفٍ مِن هذا الأمرِ. سواءٌ، ألا تَرَى أن اللَّهَ تعالى ذكرُه وَصف قومًا (^٤) عبَدوه على وجهٍ مِن وجوهِ العباداتِ، فأخْبَر عنهم أنهم عبَدوه على حرفٍ فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١]. يعْني أنهم عبَدوه على وجهِ الشكِّ، لا على اليقينِ به (^٥) والتسليمِ لأمرِه.
فكذلك روايةُ مَن روَى عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "نَزَل القُرآنُ مِن سَبعةِ أَبْوابٍ" و"نَزَل على سَبْعَةِ أَحْرْفٍ". سَواءٌ معناهما مُؤْتَلِفٌ، وتأويلُهما غيرُ مختلفٍ في هذا الوجهِ.
ومعنى ذلك كلِّه الخبرُ منه ﷺ عما خصَّه اللَّهُ به وأمتَه مِن الفضيلةِ والكرامةِ
_________________
(١) في م: "قبله".
(٢) في ر: "أبي الأحوص". وينظر تهذيب الكمال ٢/ ٢٨٩.
(٣) أخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن (١٢٩) من طريق ابن إدريس عن الأحوص، عن القاسم به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٦ إلى ابن المنذر. والقاسم لم يدرك ابن مسعود.
(٤) بعده في ص، ت ١: "أنهم".
(٥) سقط من: ص، م، ت ١.
[ ١ / ٦٤ ]
التي لم يُؤْتِها أحدًا في تنزيلِه؛ وذلك أن كلَّ كتابٍ تقَدَّم كتابَنا نزولُه على نبيٍّ مِن أنبياءِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهم، فإنما نزَل بلسانٍ واحدٍ، متى حُوِّل إلى غيرِ اللسانِ الذي نزَل به كان ذلك له ترجمةً (^١) وتفسيرًا، لا تلاوةً له على ما أنْزَله اللَّهُ، وأنْزَل كتابَنا بألسنٍ سبعةٍ، بأيِّ تلك الألسنِ السبعةِ تلاه التالي كان له تاليًا على ما أنْزَله اللَّهُ لا مُتَرْجِمًا ولا مُفَسِّرًا، حتى يُحَوِّلَه عن تلك الألسنِ السبعةِ إلى غيرِها، فيصيرَ فاعلُ ذلك حينَئذٍ - إذا أصاب معناه - له مترجِمًا، كما كان التالي بعضَ (^٢) الكتبِ التي أنْزَلها اللَّهُ بلسانٍ واحدٍ، إذا تلاه بغيرِ اللسانِ الذي نزَل به، له مترجِمًا، لا تاليًا على ما أنْزَله اللَّهُ به.
فذلك معنى قولِ النبيِّ ﷺ: "كان الكِتابُ الأوَّلُ نَزَل على حَرْفٍ واحِدٍ، ونَزَل القُرآنُ على سبعةِ أحْرُفٍ".
وأما معنى قولِه ﷺ: "إِنَّ الكِتابَ الأوَّلَ نَزَل مِن بابٍ واحِدٍ، ونَزَل القُرآنُ مِن سبعةِ أبْوابٍ". فإنه ﷺ عنَى بقولِه: "نَزَل الكِتابُ الأوَّلُ مِن بابٍ واحِدٍ" - واللَّهُ أعلمُ - ما نزَل مِن كتبِ اللَّهِ على مَن أنْزَله مِن أنبيائِه، خاليًا مِن الحدودِ والأحكامِ والحلالِ والحرامِ، كزَبورِ داودَ، الذي إنما هو تذكيرٌ ومَواعظُ، وإنجيلُ عيسى، الذي هو تَمْجيدٌ ومَحامدُ وحضٌّ على الصَّفْحِ والإعْراضِ، دونَ غيرِها مِن الأحكامِ والشرائعِ، وما أشْبَهَ ذلك مِن الكتبِ التي نزَلت ببعضِ المعاني السبعةِ التي يَحْوِي جميعَها كتابُنا الذي خصَّ اللَّهُ به نبيَّنا محمدًا ﷺ وأمَّتَه.
فلم يكنِ المتعبِّدون بإقامتِه يَجِدون لرِضَا اللَّهِ تعالى ذكرُه مَطْلَبًا يَنالُون به الجنةَ،
_________________
(١) الترجمة هنا: البيان.
(٢) في ص، م: "لبعض".
[ ١ / ٦٥ ]
ويسْتَوْجِبون به (^١) منه القُرْبَةَ، إلا مِن الوجهِ الواحدِ الذي أُنْزِل به كتابُهم، وذلك هو البابُ الواحدُ مِن أبوابِ الجنةِ الذي نزَل منه ذلك الكتابُ. وخصَّ اللَّهُ - جلَّ وعزَّ - نبيَّنا محمدًا ﷺ وأمَّتَه بأن أَنْزَل عليهم كتابَه على أوجهٍ سبعةٍ مِن الوجوهِ التي يَنالُون بها رِضْوانَ اللَّهِ، ويُدْرِكون بها الفوزَ بالجنةِ إذا أقاموها، فكلُّ (^٢) وجهٍ مِن أوجُهِه السبعةِ بابٌ مِن أبوابِ الجنةِ الذي نزَل منه القرآنُ؛ لأن العاملَ بكلِّ وجهٍ مِن أوجُهِه (^٣) السبعةِ عاملٌ على (^٤) بابٍ مِن أبوابِ الجنةِ، وطالبٌ مِن قِبَلِه الفوزَ بها، فالعملُ بما أمَر اللَّهُ جلَّ ذكرُه في كتابِه بابٌ مِن أبوابِ الجنةِ، وتركُ ما نهَى اللَّهُ عنه فيه بابٌ آخرُ ثانٍ مِن أبوابِها، وتحليلُ ما حَلَّل اللَّهُ فيه بابٌ ثالثٌ مِن أبوابِها، وتحريمُ ما حرَّم اللَّهُ فيه بابٌ رابعٌ مِن أبوابِها، والإيمانُ بمُحْكَمِه المُبَيَّنِ بابٌ خامسٌ مِن أبوابِها، والتسليمُ لمُتَشابِهِه الذي اسْتَأْثَر اللَّهُ بعلمِه وحجَب علمَه عن خلقِه، والإقرارُ بأن كلَّ ذلك مِن عندِ ربِّه، بابٌ سادسٌ مِن أبوابِها، والاعتبارُ بأمثالِه والاتعاظُ بعِظاتِه بابٌ سابعٌ مِن أبوابِها.
فجميعُ ما في القرآنِ مِن حروفِه السبعةِ وأبوابِه السبعةِ التي نزَل منها، جعَله اللَّهُ لعبادِه إلى رِضوانِه هاديًا، ولهم إلى الجنةِ قائدًا، فذلك معنى قولِه ﷺ: "نزَل القُرآنُ مِن سبعةِ أبوَابٍ من (^٥) الْجَنَّةِ".
وأما قولُه ﷺ في القرآنِ: "إنَّ لكلِّ حَرْفٍ منه حَدًّا" (^٦). يعني الكلِّ وجهٍ مِن
_________________
(١) سقط من: ص، م.
(٢) في م: "فلكل".
(٣) في ر، ت ١: "أوجهها".
(٤) في ص، م، ت ١: "في".
(٥) سقط من: ص، م.
(٦) تقدم في ص ٢٢.
[ ١ / ٦٦ ]
أوجُهِه السبعةِ حدًّا حده اللَّهُ جلَّ ثناؤُه، لا يَجوزُ لأحدٍ أن يَتَجاوَزَه.
وقولُه ﷺ: "وإنَّ لكُلِّ حَرْفٍ منها ظَهْرًا وبَطْنًا". فظهرُه الظاهرُ في التلاوةِ، وبطنُه ما بطَن مِن تأويلِه.
وقوله ﷺ: "وإنَّ لكُلِّ حَدٍّ من ذلك مُطَّلَعًا". فإنه يعني أن لكلِّ حدٍّ مِن حدودِ اللَّهِ التي حدَّها فيه، مِن حلالٍ وحرامٍ وسائرِ شرائعِه، مِقْدارًا مِن ثوابِ اللَّهِ وعقابِه يُعايِنُه في الآخرةِ، ويَطَّلِعُ عليه، ويُلاقِيه في القيامةِ، كما قال عمرُ بنُ الخطابِ ﵁: لو أن لي ما في الأرضِ مِن صفراءَ وبيضاءَ لافْتَدَيْتُ به مِن هولِ المُطَّلَعِ (^١). يعْني بذلك ما يَطَّلِعُ عليه ويهجُمُ عليه مِن أمرِ اللَّهِ بعد وفاتِه.