قال أبو جعفرٍ: قد قلنا في الدَّلالةِ على أن القرآنَ كلَّه عربيٌّ، وأنه نزَل بألسنِ بعضِ العربِ دون ألسنِ جميعِها، وأن قراءةَ المسلمين اليومَ، ومَصاحفَهم التي هي بينَ أظهرِهم، ببعضِ الألسنِ التي نزَل بها القرآنُ دون جميعِها. وقلنا في البيانِ عما يَحْوِيه القرآنُ مِن النورِ والبُرْهانِ، والحِكْمةِ والتِّبيانِ (^٢)، التي أوْدَعها اللَّهُ إياه، مِن أمرِه ونهيِه، وحلالِه وحرامِه، ووعدِه ووَعيدِه، ومُحْكمِه ومُتَشابهِه، ولطائفِ حُكْمِه - ما فيه الكفايةُ لمَن وُفِّق لفهمِه.
ونحن قائلون في البيانِ عن وجوهِ مطالبِ تأويلِه:
قال اللَّهُ جل ثناؤُه وتقَدَّسَت أسماؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]. وقال أيضًا
_________________
(١) أخرجه أبو يعلى (٢٧٣١)، وعنه ابن حبان (٦٩٠٥). وينظر طبقات ابن سعد ٣/ ٣٥٤، ٣٥٥.
(٢) في م: "البيان".
[ ١ / ٦٧ ]
له (^١) جل ذكرُه: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤]. وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧].
فقد تبَيَّن ببيانِ اللَّهِ جل ذكرُه أن مما أنْزَل اللَّهُ مِن القرآنِ على نبيِّه ﷺ ما لا يُوصَلُ إلى علمِ تأويلِه إلا ببيانِ الرسولِ ﷺ، وذلك تأويلُ جميعِ ما فيه مِن وجوهِ أمرِه، واجبِه ونَدْبِه وإرشادِه، وصنوفِ نهيِه، ووظائفِ حقوقِه، وحدودِه، ومبالغِ فرائضِه، ومقاديرِ اللازمِ بعضَ خَلْقِه لبعضٍ، وما أشبه ذلك مِن أحكامِ آيهِ التي لم يُدْرَكْ علمُها إلا ببيانِ رسولِ اللَّهِ ﷺ لأُمَّتِه. وهذا وجهٌ له لا يجوزُ لأحدٍ القولُ فيه إلا ببيانِ رسولِ اللَّهِ ﷺ[له تأويلَه] (^٢)، بنصٍّ منه عليه، أو بدَلالةٍ قد نصبَها دالَّةٍ أمَّتَه على تأويلِه.
وأن منه ما لا يَعْلَمُ تأويلَه إلا اللَّهُ الواحدُ القَهَّارُ، وذلك ما فيه مِن الخبرِ عن آجالٍ حادثةٍ، وأوقاتٍ آتِيةٍ؛ كوقتِ قيامِ الساعةِ، والنَّفْخِ في الصُّورِ، ونُزولِ عيسى ابنِ مريمَ، وما أشْبَهَ ذلك، فإن تلك أوقاتٌ لا يَعْلَمُ أحدٌ حدودَها، ولا يَعْرِفُ أحدٌ مِن تأويلِها إلا [بالخبرِ عن أشراطِها] (^٣)، لاسْتِئْثارِ اللَّهِ بعلمِ ذلك على خلقِه.
_________________
(١) سقط من: م، ت ٢.
(٢) في م، ت ١: "بتأويله"، وفي ت ٢: "لتأويله".
(٣) في ص: "الخبر عن أشراطها"، وفي م، ت ١: "الخبر بأشراطها"، وفي ت ٢: "الخبر عن اشتراطها".
[ ١ / ٦٨ ]
وبذلك (^١) أنْزَل رَبُّنا (^٢) مُحْكَمَ كتابِه، فقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]. وكان نبيُّنا محمدٌ ﷺ إذا ذكَر شيئًا مِن ذلك لَمْ يَدُلَّ عليه إلا بأشراطِه، دونَ تحديدِه بوقتِه (^٣)، كالذي رُوِي عنه ﷺ أنه قال لأصحابِه إذ ذكَر الدجالَ: "إن يَخْرُجْ وأنا فِيكم، فأنا حَجِيجُه، وإن يَخْرُجْ بَعْدِي، فاللَّهُ خَلِيفَتِي عليكم" (^٤). وما أشْبَهَ ذلك مِن الأخبارِ التي يَطولُ باستيعابِها الكتابُ، الدالةِ على أنه ﷺ لم يكنْ عندَه علمُ أوقاتِ شيءٍ منه بمقاديرِ السنينَ والأيامِ، وأن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه إنما كان عرَّفه مجيئَه بأشراطِه، ووقْتَه بأدلتِه (^٥).
وأن منه ما يَعْلَمُ تأويلَه كلُّ ذي علمٍ باللسانِ الذي نزَل به القرآنُ، وذلك إقامةُ إعرابِه، ومعرفةُ المُسَمَّياتِ بأسمائِها اللازمةِ غيرِ المُشْتَرَكِ فيها، والموصوفاتِ بصفاتِها الخاصةِ دون ما سواها، فإن ذلك لا يَجْهَلُه أحدٌ منهم، وذلك كسامعٍ منهم لو سمِع تاليًا يَتْلُو: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١١، ١٢]. لم يَجْهَلْ أن معنى الإفسادِ هو ما يَنْبَغِي تركُه مما هو مضَرَّةٌ، وأن الإصلاحَ هو ما يَنْبَغِي فِعْلُه مما فعلُه منفعةٌ، وإن جَهِل المعانيَ التي جعَلها اللَّهُ إفسادًا، والمعانيَ التي جعَلها اللَّهُ إصْلاحًا، فالذي يَعْلَمُه ذو اللسانِ الذي بلسانِه نزَل القرآنُ، مِن تأويلِ القرآنِ، هو ما
_________________
(١) في م، ت ٢: "كذلك".
(٢) بعده في م: "في".
(٣) في م: "بوقت".
(٤) أخرجه مسلم (٢٩٣٧) من حديث النواس بن سمعان نحوه.
(٥) بعده في ت ١: "وأزمنة".
[ ١ / ٦٩ ]
وصفتُ مِن معرفةِ أعيانِ المُسَمَّياتِ بأسمائِها اللازمةِ غيرِ المشترَكِ فيها، والموصوفاتِ بصفاتِها الخاصةِ، دونَ الواجبِ مِن أحكامِها وصفاتِها وهيئاتِها التي خصّ اللَّهُ بعلمِها نبيَّه ﷺ، فلا يُدْرَكُ علمُه إلا ببيانِه، دونَ ما استَأْثر اللَّهُ بعلمِه دونَ خلقِه. وبمثلِ ما قلنا في (^١) ذلك رُوِي الخبرُ عن ابنِ عباسٍ.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: حدَّثنا مُؤَمَّلٌ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن أبي الزنادِ، قال: قال ابنُ عباسٍ: التفسيرُ على أربعةِ أوجهٍ؛ وجهٌ تَعْرِفُه العربُ مِن كلامِها، وتفسيرٌ لا يُعْذَرُ أحدٌ بجَهالتِه، وتفسيرٌ يَعْلَمُه العلماءُ، وتَفْسيرٌ لا يَعْلَمُه إلا اللَّهُ (^٢).
قال أبو جعفرٍ: وهذا الوجهُ الرابعُ الذي ذكَره ابنُ عباسٍ مِن أن أحدًا لا يُعْذَرُ بجَهالتِه، معنًى غيرُ الإبانةِ عن وجوهِ مَطالبِ تأويلِه، وإنما هو خبرٌ عن أن مِن تأويلِه ما لا يَجوزُ لأحدٍ الجهلُ به. وقد رُوِي بنحوِ ما قلْنا في ذلك أيضًا عن رسولِ اللَّهِ ﷺ خبرٌ في إسنادِه نظرٌ.
حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى الصَّدَفيُّ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: سمِعْتُ عمرَو بنَ الحارثِ يُحَدِّثُ عن الكلبيِّ، عن أبي صالحٍ مولى أمِّ هانئٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "أُنْزِل القُرآنُ على أربعَةِ أَحْرُفٍ؛ حَلَالٌ وحَرَامٌ لا يُعْذَرُ أحَدٌ بِالجَهالَةِ به، وتَفْسِيرٌ تُفَسِّرُه العَرَبُ، وتَفْسِيرٌ تُفَسِّرُه العُلَماءُ، ومُتَشَابِهٌ لا يَعْلَمُه إلَّا اللَّهُ، وَمَن ادَّعَى عِلْمَه سِوَى اللَّهِ فهو كاذِبٌ" (^٣).
_________________
(١) في ر، م، ت ٢: "من".
(٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٨ عن المصنف. وأبو الزناد لم يدرك ابن عباس.
(٣) إسناده ضعيف جدًّا. ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٨ عن المصنف. وأخرجه ابن المنذر - كما في الدر المنثور ٢/ ٧ - من طريق الكلبي به، موقوفًا.
[ ١ / ٧٠ ]