قال أبو جعفرٍ: إن اللَّهَ ﷿ سمَّى تنزيلَه الذي أنْزَله على نبيِّه محمدٍ ﷺ أسماءً أربعةً؛ منهن القرآنُ، فقال في تسميتِه إياه بذلك في تنزيل: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣]. وقال: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦].
ومنهن الفرقانُ، قال جلّ ثناؤُه في وحيِه إلى نبيِّه ﷺ مُسَمِّيَه (^١) بذلك: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١].
ومنهن الكتابُ، قال تبارك اسمُه في تسميتِه إياه به (^٢): ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾ [الكهف: ١، ٢].
ومنهن الذكرُ، فقال تعالى ذكرُه في تسميتِه إياه به: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
ولكل اسمٍ مِن أسمائِه الأربعةِ في كلامِ العربِ معنى ووجهٌ غيرُ معنى الآخَرِ ووجهِه.
_________________
(١) في م، ت ١، ت ٢: "يسميه".
(٢) في ر: "بذلك".
[ ١ / ٨٩ ]
فأما القرآنُ، فإن المفسرين اخْتَلَفوا في تأويلِه، والواجبُ أن يكونَ تأويلُه على قولِ ابنِ عباسٍ مِن التلاوةِ والقراءةِ، وأن يكونَ مصدرًا مِن قولِ القائلِ: قرأْتُ القرآنَ. كقولِك: الخُسْرانُ. مِن: خسِرْتُ، و: الغُفْرانُ. مِن: غفَر اللَّهُ لك، و: الكُفْرانُ. مِن: كفَرْتُك، و: الفرقانُ. مِن: فَرَق اللَّهُ بينَ الحقِّ والباطلِ.
وذلك أن يحيى بنَ عثمانَ (^١) بنِ صالحٍ السَّهْميَّ حدَّثني، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾. يقولُ: بيَّنَّاه، ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨]. يقولُ: اعْمَلْ به.
ومعنى قولِ ابنِ عباسٍ هذا: فإذا بيَّناه بالقراءةِ، فاعْمَلْ بما بيَّناه لك بالقراءةِ.
ومما يُوَضِّحُ صحةَ ما قلْنا في تأويلِ حديثِ ابنِ عباسٍ هذا ما حدَّثني به محمدُ ابنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمي، قال: حدَّثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧]. قال: أن نُقْرِئَك فلا تَنْسَى، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ عليك، ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾. يقولُ: إذا تُلِي عليك فاتَّبِعْ ما فيه.
قال أبو جعفرٍ: فقد صرَّح هذا الخبرُ عن ابنِ عباسٍ أن معنى القرآنِ عندَه القراءةُ، [وأنه] (^٢) مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: قرأتُ. على ما بيّناه (^٣).
وأما على قولِ قتادةَ، فإن الواجبَ أن يكونَ مصدرًا مِن قولِ القائلِ: قرأتُ
_________________
(١) في ت ٢: "عمر".
(٢) في م: "فإنه".
(٣) في م: "قد قلناه".
[ ١ / ٩٠ ]
الشيءَ. إذا جمعْتَه وضمَمْتَ بعضَه إلى بعضٍ، كقولِك: ما قرأَتْ هذه الناقةُ سَلًى (^١) قطُّ. تُرِيدُ بذلك أنها لم تَضُمَّ رَحِمًا على ولدٍ، كما قال عمرُو بنُ كُلْثُومٍ التَّغْلِبيُّ (^٢):
تُرِيكَ إذا دخَلْتَ على خَلاءٍ … وقد أمِنَتْ عُيونَ الكاشِحِينا (^٣)
ذراعَيْ عَيْطَلٍ (^٤) أدْماءَ (^٥) بِكْرٍ … هِجانِ (^٦) اللونِ لم تَقْرَأْ جَنِينا (^٧)
يعني بقولِه: لم تَقْرَأْ جَنِينا. لم تَضْمُمْ رَحِمًا على ولدٍ.
وذلك أن بشرَ بنَ مُعاذٍ العَقَديَّ حدَّثنا، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي عَروبةَ، عن قتادةَ في قولِه تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾. يقولُ: حفظَه (^٨) وتأليفَه، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾. يقولُ: اتَّبِعْ حلالَه، واجْتَنِبْ
_________________
(١) السلى، والجمع أسلاء: الجلدة الرقيقة التي يكون فيها الولد، يكون ذلك للناس والخيل والابل، وقيل: هو في الماشية السلى، وفي الناس المشيمة. اللسان (س ل ى).
(٢) زيادة من: م، ت ١. والبيتان من معلقته المشهورة، وهما في شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات لابن الأنباري ص ٣٧٧ - ٣٧٩، وشرح القصائد التسع المشهورات لابن النحاس ٢/ ٧٨٢، وشرح القصائد العشر للتبريزي ص ٢٢٤.
(٣) الكاشحون؛ والواحد الكاشح: العدو المضمر العداوة، والعدو المبغض. تاج العروس (ك ش ح).
(٤) العيطل: الناقة الطويلة في حسن منظر وسمن. اللسان (ع ط ل).
(٥) الأدمة في الإبل: البياض مع سواد المقلتين. انظر اللسان (أ د م).
(٦) الهجان من الإبل: البيض الكرام. اللسان (هـ ج ن).
(٧) ورد هذا الشطر في شرح القصائد السبع وشرح القصائد العشر هكذا: * تربعت الأجارع والمتونا * وأورده الجوهري - كما في اللسان (ع ط ل): * تربعت الأماعز والمتونا *
(٨) في ت ١: "لفظه".
[ ١ / ٩١ ]
حرامَه.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى الصَّنْعانيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، قال: حدَّثنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ بمثلِه.
فرأى قتادةُ أن تأويلَ القرآنِ التأليفُ.
قال أبو جعفرٍ: ولكلا (^١) القولين - أعْني قولَ ابنِ عباسٍ وقولَ قتادةَ - اللذين حكَيناهما، وجهٌ صحيحٌ في كلامِ العربِ، غيرَ أن أوْلَى قولَيْهما (^٢) بتأويلِ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾. قولُ ابنِ عباسٍ؛ لأن اللَّهَ جل ثناؤُه أمَر نبيَّه ﷺ في غيرِ آيةٍ مِن تنزيلِه باتباعِ ما أوحى إليه، ولم يُرَخِّصْ له في تركِ اتباعِ شيءٍ مِن أمرِه إلى وقتِ تأليفِه القرآنَ، فكذلك قولُه: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾. نظيرُ سائرِ ما في آيِ القرآنِ التي أمَره اللَّهُ فيها باتباعِ ما أوحى إليه في تنزيلِه، ولو وجَب أن يكونَ معنى قولِه: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾: فإذا ألَّفْناه فاتَّبِعْ ما ألَّفْنا لك فيه - لَوجَب ألا يكونَ كان (^٣) لزِمه فرضُ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]. ولا فرضُ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ١، ٢]. قبلَ أن يُؤَلَّفَ إلى ذلك غيرُه من القرآنِ، وذلك - إن قاله قائلٌ - خروجٌ (^٤) مِن قولِ أهلِ المِلَّةِ.
_________________
(١) في ر: "لكل".
(٢) في ر: "قولهما".
(٣) في م: "كأن".
(٤) في ر، ت ٢: "خرج".
[ ١ / ٩٢ ]
وإذ صحّ أن حكمَ كلِّ آيةٍ مِن آيِ القرآنِ كان لازمًا النبيَّ (^١) ﷺ اتباعُه والعملُ به، مُؤَلَّفةً كانت إلى غيرِها أو غيرَ مُؤَلَّفةٍ - صحّ ما قال ابنُ عباسٍ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾. أنه مَعنيٌّ (^٢) به: فإذا بيَّناه لك بقراءتِنا، فاتَّبِعْ ما بيَّناه لك بقراءتِنا. دونَ قولِ مَن قال: معناه: فإذا ألَّفْناه فاتَّبِعْ ما ألَّفْناه.
وقد قيل: إن قولَ الشاعرِ (^٣):
ضَحَّوْا بأشْمَطَ (^٤) عُنْوانُ (^٥) السُّجودِ به … يُقَطِّعُ الليلَ تَسْبيحًا وقُرْآنا
يعني به قائلُه: تسبيحًا وقراءةً.
فإن قال قائلٌ: وكيف يجوزُ أن يُسَمَّى قرآنًا بمعنى القراءةِ، وإنما هو مَقْروءٌ؟
قيل: كما جاز أن يُسَمَّى المكتوبُ كتابًا، بمعنى كتابِ الكاتبِ، كما قال الشاعرُ في صفةِ (^٦) طَلاقٍ كتَبه لامرأتِه (^٧):
تُؤَمِّلُ رَجْعةً مني وفيها … كتابٌ مثلَ ما لصِق الغِراءُ
يُرِيدُ (^٨) طلاقًا مكتوبًا، فجعَل المكتوبَ كتابًا.
وأما تأويلُ اسمِه الذي هو فُرْقانٌ، فإن تفسيرَ أهلِ التفسيرِ جاء في ذلك بألفاظٍ
_________________
(١) في ر: "للنبي".
(٢) في م: "يعني".
(٣) هو حسان بن ثابت، والبيت في ديوانه ص ٢١٦، وينظر حاشيته، وعزاه إليه في العقد الفريد ٣/ ٨١، ٤/ ١٥٩، ٢٨٤، ٢٩٨، واللسان (ع ن ن)، ونسب أيضًا لأوس بن مغراء. ينظر خزانة الأدب ٩/ ٤١٨.
(٤) الشمط: بياض شعر الرأس يخالط سواده. اللسان (ش م ط).
(٥) العنوان: الأثر، وكلما استدللت بشيء تظهره على غيره فهو له عنوان. اللسان (ع ن ن).
(٦) بعده في م: "كتاب".
(٧) البيت في التبيان ١/ ١٨.
(٨) بعده في ر، ت ١: "به".
[ ١ / ٩٣ ]
مختلفةٍ، هي في المعاني مُؤْتَلِفةٌ.
فقال عكرمةُ فيما حدَّثنا به ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا حَكَّامُ بنُ [سَلْمٍ (^١)، عن] (^٢) عَنْبَسَةَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ أنه كان يقولُ: هو النجاةُ.
وكذلك كان السُّدِّيُّ يَتأوَّلُه، حدَّثنا بذلك محمدُ بنُ الحسينِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ. وهو قولُ جماعةٍ غيرِهما.
وكان ابنُ عباسٍ يقولُ: الفرقانُ المَخْرَجُ. حدَّثني بذلك يحيى بنُ عثمانَ بنِ صالحٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، عن معاويةَ بنِ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ.
وكذلك كان مجاهدٌ يقولُ في تأويلِه، حدَّثنا بذلك ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ.
وكان مجاهدٌ يقولُ في قولِ اللَّهِ جلّ ثناؤُه: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: ٤١]: يومٌ فرَق اللَّهُ فيه بينَ الحقِّ والباطلِ.
حدَّثني بذلك محمدُ بنُ عمرٍو الباهليُّ، قال: حدَّثني أبو عاصمٍ، عن عيسى بنِ مَيْمونٍ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ.
وكلُّ هذه التأويلاتِ في معنى الفرقانِ - على اختلافِ ألفاظِها - مُتَقارِباتُ المعاني؛ وذلك أن مَن جُعِل له مَخْرَجٌ مِن أمرٍ كان فيه، فقد جُعِل له ذلك المخرجُ منه
_________________
(١) في ت ٢: "سالم".
(٢) سقط من: ر. وينظر تهذيب الكمال ٧/ ٨٣.
[ ١ / ٩٤ ]
نجاةً، وكذلك إذا نُجِّي منه، فقد نُصِر على مَن بَغَاه فيه سُوءًا، وفُرِق بينَه به (^١) وبينَ باغيه السُّوءَ.
فجميعُ ما روَيْنا عمَّن روَيْنا عنه في معنى الفرقانِ قولٌ صحيحُ المعنى؛ لاتفاقِ معاني ألفاظِهم في ذلك.
وأصلُ الفرقانِ عندَنا الفرقُ بينَ الشيئَيْن والفصلُ بينَهما، وقد يكونُ ذلك بقضاءٍ (^٢)، واسْتِنْقاذٍ، وإظهارِ حُجَّةٍ، ونصرٍ (^٣)، وغيرِ ذلك مِن المعاني المُفَرِّقةِ بينَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ. فقد تبَيَّن (^٤) بذلك أن القرآنَ سُمِّي فرْقانًا؛ لفصلِه بحججِه (^٥) وأدلتِه [وحدودِ فَرائضِه] (^٦) وسائرِ معاني حُكْمِه، بينَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ. وفرقانُه بينَهما بنصرِه المُحِقَّ وتَخْذيلِه المُبْطِلَ، حكمًا وقضاءً.
وأما تأويلُ اسمِه (^٧) الذي هو كتابٌ، فهو مصدرٌ مِن قولِك: كتَبْتُ كتابًا. كما تقولُ: قمتُ قيامًا، وحسَبْتُ الشيءَ حسابًا.
والكتابُ هو خطُّ الكاتبِ حروفَ الكتابِ (^٨) المُعْجَمِ، مجموعةً ومُفْتَرِقةً، وسُمِّي كتابًا وإنما هو مكتوبٌ، كما قال الشاعرُ في البيتِ الذي اسْتَشْهَدْنا به:
وفيها … كتابٌ مثلَ ما لصِق الغِراءُ
_________________
(١) سقط من: م.
(٢) في ر: "نقضا".
(٣) في م، ت ١، ت ٢: "تصرف".
(٤) في ر: "ترنوا".
(٥) في م: "بحجته".
(٦) في م: "حدوده وفرائضه".
(٧) سقط من: ر.
(٨) سقط من: م، ت ٢.
[ ١ / ٩٥ ]
يعني به مكتوبًا.
وأما تأويلُ اسمِه الذي هو ذكرٌ، فإنه مُحْتَمِلٌ معْنَيين؛ أحدُهما، أنه ذكرٌ مِن اللَّهِ جلّ ذكرُه، ذكَّر به عبادَه، فعرَّفهم فيه حدودَه وفَرائضَه وسائرَ ما أوْدَعه مِن حكمِه. والآخرُ، أنه ذِكْرٌ وشَرَفٌ وفخرٌ لمن آمَن به وصدَّق بما فيه، كما قال جلّ ثناؤُه: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]. يعني به أنه شرفٌ له ولقومِه.
[ثم لسوَرِ القرآنِ أسماءٌ سماهن بها رسولُ اللَّهِ ﷺ] (^١).
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ الطَّيالسيُّ، قال: حدَّثنا أبو العَوّامِ، وحدَّثني محمدُ بنُ خلفٍ العَسْقَلانيُّ، قال: حدَّثنا روّادُ (^٢) بنُ الجَرَّاحِ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ بَشيرٍ، جميعًا عن قتادةَ، عن أبي المَلِيحِ، عن واثلةَ بنِ الأسْقَعِ، أن النبيَّ ﷺ قال: "أُعْطِيتُ مَكانَ التَّوْراةِ السَّبْعَ الطُّوَلَ، وأُعْطِيتُ مَكانَ الزَّبُورِ المِئِينَ، وأُعْطِيتُ مَكانَ الإنجِيلِ المثَانِيَ، وفُضِّلْتُ بالمُفَصَّلِ" (^٣).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن خالدٍ الحَذَّاءِ، عن أبي
_________________
(١) سقط من: م.
(٢) في م: "داود". وينظر تهذيب الكمال ٩/ ٢٢٧.
(٣) أخرجه الطيالسي (١١٠٥)، ومن طريقه أحمد ٢٨/ ١٨٨ (١٦٩٨٢)، والطحاوي في المشكل (١٣٧٩)، والنحاس في القطع والائتناف ص ٨١، والبيهقي في الدلائل ٥/ ٤٧٥. وأخرجه الطبراني ٢٢/ ٧٥ (١٨٦)، والبيهقي في الشعب (٢٤٨٤) من طريق أبي العوام عمران القطان به. وأخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ١١٩، ١٢٠، والطبراني ٢٢/ ٧٦ (١٨٧)، والبيهقي (٢٤٨٥) من طريق سعيد بن بشير به. وذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٥٥ من رواية سعيد، وقال: هذا حديث غريب، وسعيد بن بشير فيه لين. وينظر تفسير ابن كثير تحقيق أبي إسحاق الحويني ٢/ ٤١، والسلسلة الصحيحة (١٤٨٠).
[ ١ / ٩٦ ]
قِلابةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "أُعْطِيتُ السَّبْعَ الطُّوَلَ مَكانَ التَّوْراةِ، وأُعْطِيتُ المثَانِيَ مَكانَ الزَّبُورِ، وأُعْطِيتُ المِئِينَ مَكانَ الإنْجِيلِ، وفُضِّلْتُ بالمُفَصَّلِ" (^١). قال خالدٌ: كانوا يُسَمُّون المُفصَّلَ العربيَّ. قال خالدٌ: قال بعضُهم: ليس في العربيِّ سجدةٌ.
حدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا حَكَّامُ بنُ سَلْمٍ (^٢)، عن عمرِو بنِ أبي قيسٍ، عن عاصمٍ، عن المسيَّبِ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: الطُّوَلُ كالتوراة، والمئِونَ كالإنجيلِ، والمثَاني كالزَّبورِ، وسائرُ القرآنِ بعدُ (^٣) فضلٌ على الكتبِ (^٤).
حدَّثنا أبو عُبَيدٍ الوَصَّابيُّ (^٥) محمدُ بنُ حفصٍ، قال: أنْبأنا [ابنُ حِمْيرٍ] (^٦)، حدَّثنا الفَزاريُّ، عن ليثِ بنِ أبي سُلَيْمٍ (^٧)، عن أبي بُرْدةَ، عن أبي المَلِيحِ، عن واثلةَ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أنه (^٨) قال: "أعْطانِي رَبِّي مَكانَ التَّوراةِ السَّبْعَ الطُّوَلَ، ومَكانَ الإنْجِيلِ المثَانِيَ، ومَكانَ الزَّبُورِ المِئِينَ، وفَضَّلَنِي بالمُفَصَّلِ" (^٩).
_________________
(١) أخرجه ابن الضريس، في فضائل القرآن (١٥٧) من طريق خالد به بلفظ: وأعطيت المثاني مكان الإنجيل.
(٢) في ت ٢: "سالم".
(٣) في ر: "يعد".
(٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠١ إلى المصنف. والمسيب - هو ابن رافع - لم يلق ابن مسعود، وإنما يروى عن مجاهد ونحوه.
(٥) في ر: "الوجابي"، وفي م: "الوصاني قال حدثنا"، وفي ت ١: "الوصابي قال حدثنا". ومحمد بن حفص هو أبو عبيد الوصابي. ينظر الجرح ٧/ ٢٣٧.
(٦) في م: "أبو حميد". وهو محمد بن حمير، أبو عبد الله، أو أبو عبد الحميد. ينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ١١٦.
(٧) في ر: "سلهم". وينظر تهذيب الكمال ٢٤/ ٢٨٢.
(٨) سقط من: م.
(٩) إسناده ضعيف؛ أبو عبيد الوصابي، قال ابن أبي حاتم: أردت قصده والسماع منه، فقال لي بعض أهل =
[ ١ / ٩٧ ]
قال أبو جعفرٍ: والسبعُ الطُّوَلُ؛ البقرةُ، وآلُ عِمْرانَ، والنِّساءُ، والمائدةُ، والأنْعامُ، والأعْرافُ، ويونسُ، في قولِ سعيدِ بنِ جُبيرٍ.
حدَّثني بذلك يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هُشَيْمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ.
وقد رُوِي عن ابنِ عباسٍ قولٌ يَدُلُّ على موافقتِه قولَ سعيدٍ هذا.
وذلك ما حدَّثنا به محمدُ بنُ بَشّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ ويحيى بنُ سعيدٍ ومحمدُ بنُ جعفرٍ وسهلُ بنُ يوسُفَ، قالوا: حدَّثنا عوفٌ، قال: حدَّثني يَزيدُ الفارسيُّ، قال: حدَّثني ابنُ عباسٍ، قال: قلتُ لعثمانَ بنِ عفانَ: ما حمَلَكم على أن عمَدْتُم إلى "الأنفالِ" وهي مِن المثاني، وإلى "براءةَ" وهي مِن المِئِينَ، فقرَنْتُم (^١) بينَهما ولم تَكْتُبوا بينهما (^٢) سطرَ: بسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ، ووضَعْتُموها في السبعِ الطُّوَلِ، ما حمَلكم على ذلك؟ قال عثمانُ: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ مما يَأْتِي عليه الزمانُ وهو تُنَزَّلُ عليه السُّوَرُ ذواتُ العددِ، فكان إذا نزَل (^٣) عليه الشيءُ (^٤) دعا ببعضِ مَن كان يَكْتُبُ فيقولُ: "ضَعُوا هؤلاء (^٥) الآيَاتِ في السُّورَةِ التي يُذْكَرُ فيها كذا
_________________
(١) = حمص: ليس بصدوق، ولم يدرك محمد بن حمير، فتركته. وأخرجه الطبراني في الكبير (٨٠٠٣، ٨٠٠٤) من طريق ليث به من حديث أبي أمامة. وقال الهيثمي في المجمع ٧/ ١٥٨: فيه ليث بن أبي سليم وقد ضعفه جماعة، ويعتبر بحديثه، وبقية رجاله رجال الصحيح.
(٢) في ت ٢: "فقربتم"، وفي ت ١: "ففرقتم".
(٣) سقط من: م.
(٤) في ر: "أنزل".
(٥) سقط من: ر.
(٦) في م، ت ٢: "هذه".
[ ١ / ٩٨ ]
وَكذا". وكانت "الأنفالُ" مِن أوائلِ ما أُنزل بالمدينةِ، وكانت "براءةُ" مِن (^١) آخرِ القرآنِ (^٢)، وكانت (^٣) قصتُها شبيهةً بقصتِها، فظنَنْتُ أنها منها، فقُبِض رسولُ اللَّهِ ﷺ ولم يُبَيِّنْ (^٤) لنا أنها منها، فمِن أجلِ ذلك قرَنْتُ بينَهما ولم أكْتُبْ بينهما سطرَ: بسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ، ووضَعْتُها (^٥) في السبعِ الطُّوَلِ (^٦).
فهذا الخبرُ (^٧) يُنْبِئُ عن عثمانَ بنِ عفانَ، رحمةُ اللَّهِ عليه، أنه لم يكنْ تبَيَّن له أن "الأنفالَ" و"براءةَ" مِن السبعِ الطُّوَلِ، ويُصَرِّحُ عن ابنِ عباسٍ أنه لم يكنْ يَرَى ذلك منها.
وإنما سُمِّيَت هذه السُّوَرُ (^٨) السبعَ الطُّوَلَ (^٩)؛ لطولِها على سائرِ سورِ القرآنِ.
وأما المِئونَ، فهي ما كان مِن سُوَرِ القرآنِ عددُ آيِه مائةُ آيةٍ، أو تَزِيدُ عليها شيئًا أو
_________________
(١) في ص، ر: "في".
(٢) بعده في م: "نزولًا".
(٣) في ر: "كان".
(٤) في ر: "ينهوا".
(٥) في م: "فوضعتهما".
(٦) حديث منكر؛ تفرد به يزيد الفارسي، وهو في عداد المجهولين، وهو غير يزيد بن هرمز. وأخرجه الترمذي (٣٠٨٦)، وابن أبي داود في المصاحف ص ٣٠ عن محمد بن بشار به. وأخرجه أحمد ١/ ٤٥٩، ٤٦٠ (٣٩٩)، وعمر بن شبة في تاريخ المدينة ٣/ ١٠١٥، والنسائي في الكبرى (٨٠٠٧) من طريق يحيى بن سعيد ومحمد بن جعفر به. وأخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ١٥٢، وأحمد ١/ ٥٢٩ (٤٩٩)، وأبو داود (٧٨٦، ٧٨٧)، وابن أبي داود ص ٣٢، وابن حبان (٤٣)، والحاكم ٢/ ٢٢١، ٣٣٠، والبيهقي ٢/ ٤٢ من طرق عن عوف به. وينظر تعليق الشيخ أحمد شاكر على المسند ١/ ٣٢٩ - ٣٣١ (٣٩٩).
(٧) سقط من: ر.
(٨) في ر: "السورة".
(٩) في ر: "طوالا".
[ ١ / ٩٩ ]
تَنْقُصُ منها شيئًا يسيرًا.
وأما المثَاني، فإنها ما ثنَّى المئين فتلاها، فكان المئون لها أوائلَ، وكان المثاني لها ثوانيَ. وقد قيل: إن المثانيَ سُمِّيَت مثانيَ؛ لتثنيةِ اللَّهِ جل ذكرُه فيها الأمثالَ والخبرَ والعبرَ. وهو قولُ ابنِ عباسٍ.
حدَّثنا بذلك أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا ابنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عثمانَ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ.
ورُوِي عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ أنه كان يقولُ: إنما سُمِّيت مثانيَ؛ لأنها ثُنِّيَت فيها الفَرائضُ والحدودُ.
حدَّثنا بذلك محمدُ بن بَشّارٍ، قال: حدثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ.
وقد قال جماعةٌ يَكْثُرُ تَعْدادُهم: القرآنُ كلُّه مَثانٍ.
وقال جماعةٌ أُخَرُ (^١): بل المثاني فاتحةُ الكتابِ؛ لأنها تُثَنَّى قراءتُها في كلِّ صلاةٍ.
وسنَذْكُرُ أسماءَ قائلي ذلك وعللَهم، والصوابَ مِن القولِ فيما اخْتَلَفوا فيه مِن ذلك إذا انْتَهَيْنا إلى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: ٨٧]. إنِ [اللَّهُ شاء] (^٢) ذلك.
_________________
(١) في م: "أخرى".
(٢) في م: "شاء الله".
[ ١ / ١٠٠ ]
وبمثلِ ما جاءت به الروايةُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ في أسماءِ سُوَرِ القرآنِ التي ذُكِرَت، جاء شعرُ الشعراءِ، فقال بعضُهم (^١):
حلَفْتُ بالسبعِ اللَّواتي طُوِّلَت
وبمِئِينَ بعدَها قد أُمْئِيَتْ
وبمَثانٍ ثُنِّيَت فكُرِّرَت
وبالطَّواسِينِ (^٢) التي (^٣) قد ثُلِّثَت
وبالحَوامِيمِ اللَّواتي سُبِّعَت (^٤)
وبالمُفَصَّلِ اللَّواتي فُصِّلَت
قال أبو جعفرٍ: وهذه الأبياتُ تَدُلُّ على صحةِ التأويلِ الذي تأوَّلْناه في هذه الأسماءِ.
وأما المُفَصَّلُ، فإنما (^٥) سُمِّيَت مُفَصَّلًا؛ لكثرةِ الفصولِ التي بينَ سورِها بـ "بسم اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ".
ثم تُسَمَّى (^٦) كلُّ سورةٍ مِن سورِ (^٧) القرآنِ سُورةً، وتُجْمَعُ سُوَرًا، على تقديرِ خُطبةٍ وخُطَبٍ، وغُرفةٍ وغُرَفٍ.
_________________
(١) الرجز غير منسوب في مجاز القرآن ١/ ٧، واللسان (ط س م).
(٢) في مصدري التخريج: "بالطواسيم". والطواسين والطواسيم هي طسم الشعراء، وطس النمل، وطسم القصص.
(٣) سقط من: م.
(٤) الحواميم اللواتي سبعت: سبع سور، من سورة غافر إلى سورة الأحقاف، كلها تبدأ بـ "حم".
(٥) في م: "فإنها".
(٦) في ر: "يسم".
(٧) سقط من: م.
[ ١ / ١٠١ ]
والسورةُ بغيرِ همزٍ: المنزلةُ مِن مَنازلِ الارتفاعِ، ومِن ذلك سُورُ المدينةِ، سُمِّي (^١) بذلك الحائطُ الذي يَحْوِيها؛ لارتفاعِه على ما يَحْوِيه، غيرَ أن السُّورةَ مِن سُورِ المدينةِ لم يُسْمَعْ في جمعِها سُوَرٌ، كما سُمِع في جمعِ سورةٍ مِن القرآنِ سورٌ، قال العَجَّاجُ (^٢) في جمعِ السورةِ مِن (^٣) البناءِ:
فرُبَّ ذي سُرادِقٍ (^٤) مَحْجُورِ
سُرْتُ (^٥) إليه في أعالي السُّورِ
فخرَج تقديرُ (^٦) جمعِها على تقديرِ جمعِ بُرَّةٍ وبُسْرةٍ؛ لأن [ذلك يُجْمَعُ بُرًّا وبُسْرًا] (^٧)، وكذلك لم يُسْمَعْ في جمعِ سورةٍ مِن القرآنِ سُورٌ، ولو جُمِعَت كذلك لم يكنْ خطأً في القياسِ إذا أُرِيد به جميعُ القرآنِ، وإنما ترَكوا - فيما يُرَى - جمعَه كذلك؛ لأن كلَّ جمعٍ كان بلفظِ الواحدِ المُذَكَّرِ، مثلَ بُرٍّ وشعيرٍ وقَصَبٍ وما أشبَهَ ذلك، فإن جِماعَه (^٨) [مَجرى الواحدِ] (^٩) مِن الأشياءِ غيرِه؛ لأن حكمَ الواحدِ منه منفردًا (^١٠) قلَّما يُصابُ، فجرَى جِماعُه مَجْرَى الواحدِ مِن الأشياءِ (^١١) غيرِه، ثم
_________________
(١) في ر: "تسمى".
(٢) في ر: "الحجاج". والرجز في ديوان العجاج ص ٢٢٤.
(٣) سقط من: ر.
(٤) السرادق: كل ما أحاط بشيء نحو الشقة في المضرب أو الحائط المشتمل على الشيء. اللسان (س ر د ق).
(٥) سُرْتُ الحائط سَورا بالفتح وتسورته: علوته. التاج (س ور).
(٦) في م: "بتقدير".
(٧) في م: "جمع ذلك بر وبسر".
(٨) في م: "جماعة".
(٩) في م، ت ٢: "كالواحد".
(١٠) في م: "مفردا".
(١١) سقط من: ر، ت ١.
[ ١ / ١٠٢ ]
جُعِلَت الواحدةُ منه كالقطعةِ مِن جميعِه، فقيل: بُرَّةٌ وشَعِيرَةٌ وقَصَبةٌ. يُرادُ به قطعةٌ منه، ولم تكنْ سُوَرُ القرآنِ موجودةً مجتمعةً اجتماعَ البرِّ والشعيرِ وسُورِ المدينةِ؛ بل كلُّ سورةٍ منها موجودةٌ منفردةٌ بنفسِها انفرادَ كلِّ غرفةٍ مِن الغرفِ وخطبةٍ مِن الخطبِ، فجُعِل جمعُها جمعَ الغرفِ والخطبِ، المَبْنيِّ جمعُها مِن واحدِها.
ومِن الدَّلالةِ على أن معنى السُّورةِ المنزلةُ مِن الارتفاعِ قولُ نابغةِ بني ذُبْيانَ (^١):
ألم تَرَ أن اللَّهَ أعْطاك سُورةً … تَرَى كلَّ مَلْكٍ دونَها يَتَذَبْذَبُ
يعني بذلك أن اللَّهَ أعْطاه منزلةً مِن مَنازلِ الشرفِ التي قصَرت عنها منازلُ الملوكِ.
وقد هَمز بعضُهم السورةَ مِن القرآنِ، وتأويلُها في لغةِ من (^٢) همَزَها، القطعةُ التي قد أُفْضِلَت مِن القرآنِ عمّا سواها وأُبْقِيَت، وذلك أن سُؤْرَ كلِّ شيءٍ البقيةُ منه تَبْقَى بعدَ الذي يُؤْخَذُ منه، ولذلك سُمِّيَت الفَضْلةُ مِن شرابِ الرجلِ يَشْرَبُه ثم يُفْضِلُها فيُبْقِيها في الإناء: سُؤْرًا. ومِن ذلك قولُ أعْشَى بني ثعلبةَ يَصِفُ امرأةً فارقَتْه فأبْقَت في قلبِه مِن وَجْدِها بقيةً (^٣):
فبانَت وقد أسْأَرَت في الفؤا … دِ صَدْعًا على نأْيِها مُسْتَطِيرَا
وقال الأعْشَى في مثلِ ذلك (^٤):
_________________
(١) ديوانه ص ٧٨.
(٢) سقط من: م.
(٣) ديوان الأعشى ص ٩٣.
(٤) ديوانه ص ١٠١.
[ ١ / ١٠٣ ]
بانَت وقد أسْأَرَت في النفسِ حاجتَها … بعدَ ائْتِلافٍ وخيرُ الوُدِّ ما نفَعا
وأما الآيةُ مِن آيِ (^١) القرآنِ فإنها تَحْتَمِلُ وجهَيْن في كلامِ العربِ؛
أحدُهما: أن تكون سُمِّيت آيةً؛ لأنها علامةٌ يُعْرَفُ بها تمامُ ما قبلَها وابتداؤُها، كالآيةِ التي تكونُ دَلالةً على الشيءِ يُسْتَدَلُّ بها عليه، كقولِ الشاعرِ (^٢):
ألِكْني إليها عَمْرَك اللهَ يا فَتَى … بآيةِ ما جاءَت إلينا تَهادَيا (^٣)
يعني: بعلامةِ ذلك. ومنه قولُه جلّ ثناؤُه: ﴿رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ﴾ [المائدة: ١١٤]. [يعْني بذلك] (^٤): علامةً منك لإجابتِك دُعاءَنا وإعْطائِك إيانا سُؤْلَنا.
والآخرُ منهما: القِصَّةُ، كما قال كعبُ بنُ زُهَيْرِ بنِ أبي سُلْمَى (^٥):
ألا أبْلِغا (^٦) هذا المُعَرِّضَ آيَةً (^٧) … أيَقْظانَ قال القولَ إذ قال أم حَلَمْ
يعني بقولِه: آيةً: رسالةً مني وخبرًا عني. فيكونُ معنى الآياتِ القِصَصَ، قصةٌ تَتْلُو قصةً، بفُصولٍ ووُصولٍ.
_________________
(١) سقط من: م.
(٢) هو سحيم عبد بني الحسحاس، والبيت في ديوانه ص ١٩.
(٣) التهادي: المشي في تمايل وسكون. اللسان (هـ د ى).
(٤) في م: "أي".
(٥) ديوانه ص ٦٤.
(٦) في م: "بلغا".
(٧) في الديوان: "أنه". وورد على الصواب في طبقات فحول الشعراء ١/ ١٠٦. وقال الشيخ محمود شاكر: والآية بمعنى الرسالة لم تذكره كتب اللغة، ولكن شواهده لا تعد كثرة. ثم ساق الشواهد على ذلك من الشعر. وينظر تفسير الطبري بتحقيقه.
[ ١ / ١٠٤ ]