قال أبو جعفرٍ: صحَّ الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ بما حدَّثني به يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا ابنُ وهبٍ، قال: أخْبَرَني ابنُ أبي ذئبٍ، عن سعيدٍ المَقبُريِّ، عن أبي هريرةَ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ، قال: "هي أُمُّ القُرآنِ، وهي فاتحَةُ الكِتابِ، وهي السَّبْعُ المثَانِي".
فهذه أسماءُ فاتحةِ الكتابِ.
وسُمِّيَت فاتحةَ الكتابِ لأنه (^١) يُفْتَتَحُ بكتابتِها المَصاحِفُ، [وبقراءتِها] (^٢) الصلواتُ (^٣)، فهي فَواتحُ لما يَتْلُوها مِن سُورِ القرآنِ في الكتابِ (^٤) والقراءةِ.
وسُمِّيَت أمَّ القرآنِ لتقدُّمِها (^٥) على سائرِ سُوَرِ القرآنِ غيرِها وتأخُّرِ ما سواها خلفَها في القراءةِ والكتابةِ. وذلك مِن معناها شبيهٌ بمعنى فاتحةِ الكتابِ، وإنما قيل لها - لكونها كذلك -: أمُّ القرآنِ؛ لتسميةِ العربِ كلَّ جامعٍ أمرًا أو مُقَدِّمٍ لأمرٍ، إذا كانت له توابعُ تَتْبَعُه، هو لها إمامٌ جامعٌ، أُمًّا، فتقولُ للجلدةِ التي تجْمَعُ الدِّماغَ: أمُّ الرأسِ. وتُسَمِّي (^٦) لِواءَ الجيشِ ورايتَهم التي يَجْتَمِعون تحتَها للجيشِ أُمًّا، ومِن ذلك قولُ ذي الرُّمَّةِ يَصِفُ رايةً مَعْقودةً على قناةٍ يَجْتَمِعُ تحتَها هو وصحبُه (^٧):
_________________
(١) في م، ت ٢: "لأنها".
(٢) في م: "ويقرأ بها في".
(٣) في ت ٣: "الصلاة".
(٤) في م: "الكتابة".
(٥) في ص، ر: "لتقدمتها".
(٦) في ر: "نسم".
(٧) ديوان ذي الرمة ٣/ ١٤٤٥، ١٤٤٦.
[ ١ / ١٠٥ ]
وأسْمَرَ قَوَّامٍ إذا نام صُحْبَتي … خفيفِ الثيابِ لا تُوارِي له أَزْرَا (^١)
على رأسِه أمٌّ لنا نَقْتَدِي بها … جِماعُ أمورٍ لا نُعاصِي لها أمرَا
إذا نزَلَت قيل انْزِلوا وإذا غدَت … غدَت ذاتَ [بِرْزيقٍ تَخالُ] (^٢) بها فَخْرَا
يعني بقولِه: على رأسِه أمٌّ لنا. أي: على رأسِ الرمحِ رايةٌ يَجْتَمِعون لها في النزولِ والرَّحيلِ وعندَ لقاءِ العدوِّ.
وقد قيل: إن مكةَ سُمِّيَت أمَّ القُرَى لتقدمِها أمامَ جميعِها، وجمعِها ما سواها. وقيل: إنما سُمِّيَت بذلك؛ لأن الأرضَ دُحِيَت منها، فصارت لجميعِها أمًّا. ومِن ذلك قولُ حُميدِ بنِ ثَوْرٍ الهِلاليِّ (^٣):
إذا كانت [الخمسون أُمَّك] (^٤) لم يكن … لدائِك إلا أن تَمُوتَ طَبيبُ
لأن الخمسين جامعةٌ ما دونها مِن العددِ، فسمَّاها أمًّا للذي قد بلَغها.
وأما تأويلُ اسمِها أنها السبعُ، فإنها سبعُ آياتٍ، لا خلافَ بينَ الجميعِ مِن القراءِ والعلماءِ في ذلك، وإنما اخْتَلَفوا في الآيِ التي صارت بها سبعَ آياتٍ.
_________________
(١) الأَزر: الظهر. اللسان (أ ز ر).
(٢) في م: "تزريق ننال". والبرزيق؛ والجمع البرازيق، فارسي معرب: جماعات الناس، وقيل: جماعات الخيل، وقيل: هم الفرسان. اللسان (ب ر ز ق).
(٣) البيت ليس لحميد بن ثور وإنما هو لأبي محمد التيمي عبد الله بن أيوب، ترجمته في الأغاني ٢٠/ ٤٤. والبيت في البيان والتبيين ٣/ ١٩٥، ومجموعة المعاني ص ١٢٤، وبهجة المجالس ٢/ ٢٣٤، ونسب فيها للتيمي، ونسبه في محاضرات الأدباء لأبي محمد التميمي ٢/ ١٤٩، ووقع في عيون الأخبار ٢/ ٣٢٢ أنه للحجاج بن يوسف التيمي.
(٤) في البيان والتبيين، ومجموعة المعاني، وبهجة المجالس، وعيون الأخبار: "السبعون سنك"، وفي محاضرات الأدباء: "الستون سنك".
[ ١ / ١٠٦ ]
فقال عُظْمُ (^١) أهلِ الكوفةِ: صارت سبعَ آياتٍ، بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. ورُوِي ذلك عن جماعةٍ مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ والتابعين.
وقال آخَرون: بل (^٢) هي سبعُ آياتٍ، وليس منهن: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. ولكن السابعةُ: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. وذلك قولُ عُظْمِ قرأةِ أهلِ المدينةِ ومُتَفقِّهيهم (^٣).
قال أبو جعفرٍ: وقد بيَّنا الصوابَ مِن القولِ عندَنا في ذلك في كتابِنا "اللطيفِ في أحكامِ شرائعِ الإسلامِ"، بوَجيزٍ مِن القولِ، وسنَسْتَقْصِي بيانَ ذلك بحكايةِ أقوالِ المختلفين فيه مِن الصحابةِ والتابعين والمتقَدِّمِين والمتأخِّرِين في كتابِنا الأكبرِ "في (^٤) أحكامِ شرائعِ الإسلامِ" إنِ اللَّهُ شاء ذلك.
وأما وصفُ النبيِّ ﷺ آياتِها السبعَ بأنهن مَثانٍ؛ فلأنها تُثَنَّى قراءتُها في كلِّ صلاةِ تَطَوُّعٍ ومكتوبةٍ، وكذلك كان الحسنُ البصرىُّ يَتَأوَّلُ ذلك.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أبي رَجاءٍ، قال: سأَلْتُ الحسنَ عن قولِه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]. قال: هي فاتحةُ الكتابِ. ثم سُئِل عنها وأنا أَسْمَعُ، فقرَأها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. حتى أتَى على آخرِها، فقال: تُثَنَّى في كلِّ قراءةٍ. أو قال: في كلِّ صلاةٍ. الشكُّ مِن أبي جعفرٍ.
_________________
(١) في م: "أعظم". وعظم الشيء ومعظمه: جله وأكثره. اللسان (ع ظ م).
(٢) سقط من: م.
(٣) في ص: "متقنيهم".
(٤) في ر، ت ١: "من".
[ ١ / ١٠٧ ]
والمعنى الذي قلْنا في ذلك قصَد أبو النَّجْمِ العِجْليُّ بقولِه (^١):
الحمدُ للَّهِ الذي عافاني
وكلَّ خيرٍ بعدَه أعْطاني
مِن القُرَانِ ومِن المثَاني (^٢)
وكذلك قولُ الراجزِ الآخرِ [الذي يقولُ] (^٣):
نشَدْتُكم بمُنْزِلِ الفُرقانِ
أمِّ الكتابِ السبعِ مِن مَثاني
ثُنِّينَ (^٤) مِن آىٍ مِن القرآنِ
والسبعِ سبعِ الطُّوَلِ الدَّواني
وليس في وجوبِ (^٥) اسمِ السبعِ المثاني لفاتحةِ الكتابِ ما يَدْفَعُ صحةَ وجوبِ (^٦) اسمِ المثاني للقرآنِ كلِّه، ولِمَا ثنَّى المئِين مِن السُّورِ؛ لأنَّ لكلِّ ذلك وجهًا ومعنًى مفهومًا، لا يَفْسُدُ بتسميةِ بعضِ ذلك بالمثاني تسميةُ غيرِه بها.
فأما وجهُ تسميةِ ما ثنَّى المئينَ مِن سورِ القرآنِ بالمثاني، فقد بيَّنا صحتَه، وسنَدُلُّ على صحةِ وجهِ تسميةِ جميعِ القرآنِ به عندَ انتهائِنا إليه، في سورةِ "الزُّمَرِ" إن شاء اللَّهُ تعالى.
_________________
(١) مجاز القرآن ١/ ٧، واللسان (ث ن ى)، من غير نسبة.
(٢) في مجاز القرآن واللسان: * رب المثاني الآي والقرآن * وفي اللسان: "مثاني". بدلا من: "المثاني".
(٣) سقط من: م. والرجز في مجاز القرآن ١/ ٧.
(٤) في م: "تبين".
(٥) في ص، ت ٢: "وجوه"، وفي م: "وجود".
(٦) في م: "وجود".
[ ١ / ١٠٨ ]