قال أبو جعفرٍ: أجْمَعَت الحُجَّةُ (^٦) مِن أهلِ التأويلِ جميعًا على أن الصراطَ المستقيمَ هو الطريقُ الواضحُ الذي لا اعْوِجاجَ فيه، وكذلك ذلك (^٧) في لغةِ جميعِ العربِ، فمِن ذلك قولُ جريرِ بنِ عَطِيةَ الخَطَفى (^٨):
أميرُ المؤمنين على صراطٍ … إذا اعوَجَّ المواردُ مستقيمِ
_________________
(١) الكتاب ١/ ٣٧، والخزانة ٣/ ١١١. وقال: وهذا البيت أبيات سيبويه الخمسين التي لا يعرف قائلها.
(٢) للنابغة قصيدة على نفس الوزن ليس منها هذا البيت. ينظر ديوان النابغة - تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم - ص ٢١٣ - ٢١٧.
(٣) العير: حمار الوحش. اللسان (ع ي ر).
(٤) الحضر: ارتفاع الدابة في العدو. اللسان (ح ض ر).
(٥) الأشعب: الظبي إذا تفرق قرناه فتباينا بينونة شديدة. اللسان (ش ع ب).
(٦) في ص، م، ت ١: "الأمة".
(٧) سقط من: ر.
(٨) ديوانه ١/ ٢١٨.
[ ١ / ١٧٠ ]
يريدُ: على طريقِ الحقِّ.
ومنه قولُ الهُذَليِّ أبي ذُؤَيْبٍ (^١):
صبَحْنا أرضَهم بالخيلِ حتى … ترَكْناها أدَقَّ مِن الصراطِ
ومنه قولُ الراجزِ (^٢):
فصدَّ عن نَهْجِ الصِّراطِ القاصدِ (^٣)
والشواهدُ على ذلك أكثرُ مِن أن تُحْصَى، وفيما ذكَرْنا غِنًى عما ترَكْنا.
ثم تَسْتَعِيرُ العربُ الصراطَ فتَسْتَعْمِلُه في كلِّ قولٍ وعملٍ وُصِف باستقامةٍ أو اعْوِجاجٍ، فتَصِفُ المستقيمَ باستقامتِه، والمُعْوَجَّ باعْوِجاجِه. والذي هو أولى بتأويلِ هذه الآيةِ عندي، أعْنِي (^٤): ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أن يَكونَ مَعْنِيًّا به: وَفِّقْنا للثباتِ على ما ارْتَضَيْتَه ووَفَّقْتَ له مَن أنعمْتَ عليه مِن عبادِك، مِن قولٍ وعملٍ، وذلك هو الصراطُ المستقيمُ؛ لأن مَن وُفِّق لما وُفِّق له مَن أنْعَم اللَّهُ عليه مِن النبيِّين والصديقين والشهداءِ [والصالحين] (^٥)، فقد وُفِّق للإسلامِ، وتصديقِ الرسلِ، والتمسكِ بالكتابِ، والعملِ بما أمَره (^٦) اللَّهُ به، والانْزجارِ عما زجَره عنه، واتباعِ منهاجِ (^٧) النبيِّ ﷺ، ومِنهاجِ أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليٍّ، رضِي ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٥٥)﴾ [غافر: ٥٥] اللَّهُ عنهم أجمعين، وكلِّ عبدٍ للَّهِ صالحٍ، وكلُّ ذلك مِن الصراطِ المستقيمِ.
_________________
(١) ليس في ديوانه، ونسبه القرطبي في تفسيره ١/ ١٤٧ إلى عامر بن الطفيل.
(٢) في ص: "الآخر". والرجز في مجاز القرآن ١/ ٢٤، وتفسير القرطبي ١/ ١٤٧.
(٣) في تفسير القرطبي: "الواضح".
(٤) سقط من: ر.
(٥) زيادة من: ر.
(٦) في ص، م، ت ١، ت ٣: "أمر".
(٧) في م، ت ٢، ت ٣: "منهج".
[ ١ / ١٧١ ]
وقد اختَلف تَراجِمةُ القرآنِ في المعنيِّ بالصراطِ المستقيمِ، يَشْمَلُ معانيَ جميعِهم في ذلك ما أخْبَرْنا (^١) مِن التأويلِ فيه.
ومما قالته في ذلك ما رُوِي عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ، ﵁، عن النبيِّ ﷺ، أنه قال، وذكَر القرآنَ، فقال: "هو الصرَاطُ المُسْتَقِيمُ".
حدَّثنا بذلك موسى بنُ عبدِ الرحمن المسْروقيُّ، قال: حدَّثنا حسينٌ الجُعْفيُّ، عن حمزةَ الزيَّاتِ، عن أبي المُخْتارِ الطائيِّ، عن ابنِ أخي الحارثِ، عن الحارثِ، عن عليٍّ، عن النبيِّ ﷺ (^٢).
وحُدِّثْتُ عن إسماعيلَ بنِ أبي كَريمةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَلَمةَ، عن أبي سِنانٍ، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ، عن أبي البَخْتريِّ، عن الحارثِ، عن عليٍّ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (^٣).
_________________
(١) في م، ت ١: "اخترنا"، وفي ت ٢: "أجزنا". وفي حاشية المطبوعة إشارة إلى أنها كانت: "أخبرنا".
(٢) إسناده ضعيف جدًّا؛ أبو المختار الطائي وابن أخي الحارث مجهولان، والحارث ضعيف. وأخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٤٨٢، والدارمي ٢/ ٤٣٥، والترمذي (٢٩٠٦)، والبيهقي في الشعب (١٩٣٥، ١٩٣٦)، والبغوي في تفسيره ١/ ٣٩، وفي شرح السنة (١١٨١) من طريق حسين به مطولا. وأخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده - كما في النكت الظراف ٧/ ٣٥٧ - وابن نصر في قيام الليل ص ٧١، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٠ (٣٢) - مختصرا - والبزار (٨٣٦) - مطولا - والدارقطني في العلل ٣/ ١٤١، ١٤٢ من طرق عن حمزة الزيات به. واختلف على حمزة الزيات فيه، والصحيح الوجه الذي أورده المصنف. ينظر علل الدارقطني ٣/ ١٣٨ - ١٤٠. وقال الذهبي في ترجمة أبي المختار من الميزان ٤/ ٥٧١: حديثه في فضائل القرآن العزيز منكر. وقال ابن كثير في فضائل القرآن ص ١٥: والحديث مشهور من رواية الحارث الأعور، وقد تكلموا فيه، بل قد كذبه بعضهم من جهة رأيه واعتقاده، أما أنه تعمد الكذب في الحديث، فلا، واللَّه أعلم. وقصارى هذا الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين علي ﵁، وقد وهم بعضهم في رفعه، وهو كلام حسن صحيح. وقال في تفسيره ١/ ٤٢: وقد رُوي هذا موقوفًا عن علي، وهو أشبه. ورُوي من وجه آخر مختصرًا عند أحمد ٢/ ١١١ (٧٠٤)، وليس فيه تفسير الصراط المستقيم.
(٣) أخرجه الخطيب في الفقيه والمتفقه (١٩٠) من طريق إسماعيل به. وأخرجه البزار (٨٣٥) - مختصرًا - =
[ ١ / ١٧٢ ]
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازيُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيريُّ، قال: حدَّثنا حمزةُ الزياتُ، عن أبي المختارِ الطائيِّ، عن ابنِ أخي الحارثِ الأعورِ، عن الحارثِ، عن عليٍّ، قال: الصِّراطُ المستقيمُ كتابُ اللَّهِ تعالى.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازيُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبيريُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، وحدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ الرازيُّ، قال: حدَّثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ، قال: قال عبدُ اللَّهِ: الصراطُ المستقيمُ كتابُ اللَّهِ (^١).
حدَّثنا محمودُ بنُ خِدَاشٍ الطالَقانيُّ، قال: حدَّثنا حُميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ الرُّؤاسيُّ، قال: حدَّثنا عليٌّ والحسنُ ابنا صالحٍ، جميعًا عن عبدِ اللَّهِ بن محمدِ بنِ عَقِيلٍ، عن جابرٍ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. قال: الإسلامُ. قال: هو أوسعُ مما بينَ السماءِ و(^٢) الأرضِ (^٣).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا
_________________
(١) = والدارمي ٢/ ٤٣٥، ٤٣٦ من طريق محمد بن سلمة به. وأخرجه الخطيب (١٩١) من طريق محمد بن حميد، عن الحكم بن بشير بن سلمان، عن عمرو بن قيس، عن عمرو بن مرة به. وأبو سنان صدوق له أوهام، وقد خولف فيه، فرواه غير واحد عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن ابن أبي الحارث، عن الحارث، عن علي. ينظر علل الدارقطني ٣/ ١٣٧، ١٣٨.
(٢) أخرجه الحاكم ٢/ ٢٥٨، والبيهقي في الشعب (١٩٣٨) من طريق سفيان به. وصححه الحاكم. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٥ إلى وكيع وعبد بن حميد وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف. وذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٤٢ عن الثوري به، وقال: وقيل: هو الإسلام. وهذا أخرجه أبو نعيم في أخبار أصبهان ٢/ ١٠٣ من طريق مسعر، عن منصور به.
(٣) في ص، ر، ت ١، ت ٢: "إلى".
(٤) أخرجه الحاكم ٢/ ٢٥٨، ٢٥٩ من طريق الحسن بن صالح به. وقال: صحيح الإسناد. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٥ إلى وكيع وعبد بن حميد وابن المنذر والمحاملي.
[ ١ / ١٧٣ ]
بشرُ بنُ عُمارةَ (^١)، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ، قال: قال جبريلُ لمحمدٍ: قلْ يا محمدُ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. يقولُ: ألْهِمْنا الطريقَ الهاديَ، وهو دينُ اللَّهِ الذي لا [عِوَجَ له] (^٢).
حدَّثنا [سهلُ بنُ موسى] (^٣) الرازيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عوفٍ، عن الفُراتِ بنِ السائبِ، عن ميمونِ بنِ مِهْرانَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. قال: ذلك الإسلامُ (^٤).
حدَّثنا محمودُ بنُ خِداشٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ ربيعةَ الكِلابيُّ، عن إسماعيلَ الأزرقِ، عن أبي عُمرَ البزَّارِ، عن ابنِ الحَنَفيةِ في قولِه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. قال: هو دينُ اللَّهِ الذي لا يَقْبَلُ مِن العبادِ غيرَه (^٥).
حدَّثنا موسى بنُ هارونَ الهَمْدانيُّ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ طلحةَ القَنَّادُ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (^٦): هو الإسلامُ (^٧).
_________________
(١) في م، ت ٣: "عمار".
(٢) في ر: "اعوجاج فيه". والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٠ (٣١، ٣٦) من طريق أبي كريب به.
(٣) في م: "موسى بن سهل". وينظر تاريخ المصنف ١/ ٣٢، ٣٢٩، ٣٣٧.
(٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٥ إلى المصنف. والفرات بن السائب منكر الحديث. وسيأتي في تفسير الآية ١٢٦ من سورة الأنعام، بإسناد محمد بن سعد عن آبائه.
(٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٤٣ عن ابن الحنفية. وإسماعيل الأزرق ضعيف.
(٦) بعده في ص، م، ت ١: "قال".
(٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٥ إلى المصنف.
[ ١ / ١٧٤ ]
حدَّثنا القاسمُ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ داودَ، قال: حدَّثني حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ في قولِه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. قال: الطريق (^١).
حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ أبو صديفٍ الآمُلِيُّ، قال: حدثنا هاشمُ بنُ القاسمِ، قال: حدثنا [حمزةُ بنُ أبي المغيرةِ] (^٢)، عن عاصمٍ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. قال: هو رسولُ اللَّهِ ﷺ وصاحباه مِن بعدِه؛ أبو بكرٍ وعمرُ. قال: فذكَرْتُ ذلك للحسنِ، فقال: صدَق أبو العاليةِ ونصَح (^٣).
حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا ابنُ وهبٍ، قال: قال عبدُ الرحمنِ بنُ زيدِ بنِ أسْلَمَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. قال: الإسلامُ (^٤).
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، أن عبدَ الرحمنِ بنَ جُبَيْرٍ حدَّثه، عن أبيه، عن نَوَّاسِ بنِ سِمْعانَ الأنصاريِّ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ قال: "ضرَب اللَّهُ مَثَلًا صِراطًا مُسْتَقِيمًا، والصِّرَاطُ الإسلَامُ" (^٥).
_________________
(١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٤ إلى المصنف وابن المنذر.
(٢) كذا في النسخ، والصواب: حمزة بن المغيرة. ينظر تهذيب الكمال ٧/ ٣٤٠.
(٣) أخرجه المروزي في السنة (٢٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٠ (٣٤)، وابن حبان في الثقات ٦/ ٢٢٩ - تعليقًا - وابن عدي ٣/ ١٠٢٣، وابن عساكر في تاريخه ١٨/ ١٧٠ من طريق هاشم بن القاسم به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٥ إلى عبد بن حميد. وأخرجه الحاكم ٢/ ٢٥٩ - وصححه - من طريق هاشم، عن حمزة، عن عاصم، عن أبي العالية، عن ابن عباس. وذكر قول الحسن كذلك.
(٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٤٣ عن عبد الرحمن.
(٥) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١٩)، والطحاوي في المشكل (٢٠٤٣، ٢١٤١)، وابن أبي حاتم =
[ ١ / ١٧٥ ]
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ العَسْقلانيُّ، قال: حدَّثنا الليثُ، عن معاويةَ بنِ صالحٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ، عن أبيه، عن النَّوَّاسِ بنِ سِمْعانَ الأنصاريِّ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (^١).
قال أبو جعفرٍ: وإنما وصَفه اللَّهُ جل ثناؤُه بالاستقامةِ؛ لأنه صوابٌ لا خطأَ فيه. وقد زعَم بعضُ أهلِ الغَباءِ أنه سمَّاه اللَّهُ مستقيمًا، لاستقامتِه بأهلِه إلى الجنةِ، وذلك تأويلٌ لتأويلِ جميعِ أهلِ التفسيرِ خلافٌ، وكفى بإجماعِ جميعِهم على خلافِه جميعَهم (^٢) دليلًا على خطِئه.