قال أبو جعفرٍ: وأما: ﴿الرَّحْمَنِ﴾، فهو فَعْلانُ، مِن رحِم (^٤)، و﴿الرَّحِيمِ﴾، فَعيلٌ منه، والعربُ كثيرًا ما تَبْنِي الأسماءَ مِن "فعِل يَفْعَلُ" على "فَعْلانَ"، كقولِهم مِن غضِب: غَضْبانُ. ومِن سكِر: سَكْرانُ. ومِن
_________________
(١) في ص: "لفظهما".
(٢) معاني القرآن ٢/ ١٤٤، وخزانة الأدب ١١/ ٢٢٥، وقال: لم أقف على تتمته وقائله، مع أنه مشهور قلما خلا منه كتاب نحوي، واللَّه أعلم.
(٣) في ص: "تومينني".
(٤) في ص: "رحيم".
[ ١ / ١٢٤ ]
عطِش: عَطْشانُ. فكذلك قولُهم: رحمنُ. مِن رحِم؛ لأن "فعِل" (^١) منه: رحِم يَرْحَمُ.
وقيل: رَحيمٌ. وإن كانت عينُ "فعِل" منه (^٢) مكسورةً، لأنه مدحٌ، ومِن شأنِ العربِ أن يَحْمِلوا أبنيةَ الأسماءِ إذا كان فيها مدحٌ أو ذمٌّ على "فعيلٍ"، وإن كانت عينُ "فعل" منها مكسورةً أو مفتوحةً، كما قالوا مِن "علِم": عالمٌ وعليمٌ. ومِن "قدَر": قادرٌ وقديرٌ. وليس ذلك منها بناءً على أفعالِها؛ لأن البناءَ مِن "فعِل يَفْعَل" و"فعَل يَفْعِل" فاعلٌ، فلو كان الرحمنُ والرحيمُ خارجَيْن على (^٣) بناءِ أفعالِهما لَكانت صورتُهما الراحمَ.
فإن قال قائلٌ: فإذ كان الرحمنُ والرحيمُ اسمَيْن مشتقَّيْن مِن الرحمةِ، فما وجهُ تَكريرِ ذلك وأحدُهما مُؤَدٍّ عن معنَى الآخَرِ؟
قيل له: ليس الأمرُ في ذلك كما (^٤) ظنَنْتَ، بل لكلِّ كلمةٍ منهما معنًى لا تُؤَدِّي الأخْرى منهما عنها.
فإن قال: وما المعنى الذي انْفَرَدَت به كلُّ واحدةٍ منهما، فصارت إحداهما غيرَ مُؤَدِّيةِ المعنى عن الأخرى؟
قيل: أما مِن جهةِ العربيةِ، فلا تَمانُعَ بينَ أهلِ المعرفةِ بلغاتِ العربِ أن قولَ القائلِ: الرحمنُ. عن أبنيةِ الأسماءِ مِن "فعِل ويَفْعَل" أشدُّ عدولًا مِن قولِه: الرحيمُ. ولا خلافَ مع ذلك بينَهم أن كلَّ اسمٍ كان له أصلٌ في "فعِل
_________________
(١) في ص: "فعيل".
(٢) في م: "منها".
(٣) في م: "عن".
(٤) في م: "على ما".
[ ١ / ١٢٥ ]
ويَفْعَلُ" ثم كان عن أصلِه من "فعِل ويَفْعَلُ" أشدَّ عدولًا، أن الموصوفَ به مُفَضَّلٌ على الموصوفِ بالاسمِ المبنيِّ على أصلِه مِن "فعُل ويَفْعُل" إذا كانت التسميةُ به مدحًا أو ذمًّا، فهذا ما في قولِ القائلِ: الرحمنُ. مِن زيادةِ المعنى على قولِه: الرحيمُ. في اللغةِ.
وأما مِن جهةِ الأثرِ والخبرِ، ففيه بينَ (^١) أهلِ التأويلِ اختلافٌ (^٢)؛ فحدَّثني السَّرِيُّ بنُ يحيى التَّمِيميُّ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ زُفَرَ، قال: سمِعْتُ العَرْزميَّ (^٣) يقولُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. قال: الرحمنُ بجميعِ الخلقِ، الرحيمُ، قال: بالمؤمنين (^٤).
حدَّثنا إسماعيلُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ العَلاءِ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عَيَّاشٍ، عن إسماعيلَ بنِ يحيى، عن ابنِ أبي مُلَيْكةَ، عمَّن حدَّثه، عن ابنِ مسعودٍ، ومِسْعَرِ بنِ كِدَامٍ، عن عطيةَ العَوْفيِّ، عن أبي سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "إنَّ عيسى ابنَ مَرْيَمَ قال: الرَّحْمَنُ رحمنُ الآخِرَةِ والدُّنيا، والرَّحِيمُ رَحِيمُ الآخِرَةِ".
فهذان الخبران قد أنبأا عن فرقِ ما بينَ تسميةِ اللَّهِ جل ثناؤُه باسمِه الذي هو رحمنٌ، وتسميتِه باسمِه الذي هو رحيمٌ، واختلافِ مَعْنَيَيِ (^٥) الكلمتين، وإن اخْتَلَفا
_________________
(١) في ص: "عن".
(٢) في ص: "إخلاف".
(٣) في م: "العزرمي".
(٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٦ عن المصنف. وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٨ (٢٠) عن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبيد اللَّه بن أبي سليمان العرزمي، عن أبيه، عن جويبر، عن الضحاك مثله. ومحمد وأبوه وجويبر ضعفاء.
(٥) في م: "معنى".
[ ١ / ١٢٦ ]
في معنى ذلك الفرقِ، فدلّ أحدُهما على أن ذلك في الدنيا، ودلَّ الآخرُ على أنه في الآخرةِ.
فإن قال: فأيُّ هذين التأويلَيْن أولى عندَك بالصحةِ؟
قيل: لجميعِهما عندَنا في الصحةِ مَخْرَجٌ، فلا وجهَ لقولِ قائلٍ: أيُّهما أولى بالصحةِ؟ وذلك أن المعنى الذي في تسميةِ اللَّهِ بالرحمنِ، دونَ الذي في تسميتِه بالرحيمِ، هو أنه بالتسميةِ بالرحمنِ موصوفٌ بعمومِ الرحمةِ جميعَ خلقِه، وأنه بالتسميةِ [بالرحيمِ موصوفٌ] (^١) بخصوصِ الرحمةِ بعضَ خلقِه، إمَّا في كلِّ الأحوالِ، وإمَّا في بعضِ الأحوالِ، فلا شكَّ - إذ كان ذلك كذلك - أن ذلك الخصوصَ الذي في وصفِه بالرحيمِ لا يَسْتَحِيلُ عن معناه، في الدنيا كان ذلك أو في الآخرةِ، أو فيهما جميعًا.
فإذ كان صحيحًا ما قلنا مِن ذلك، وكان اللَّهُ جل ثناؤُه قد خصَّ عبادَه المؤمنين في عاجلِ الدنيا بما لطَف لهم (^٢) مِن توفيقِه إياهم لطاعتِه، والإيمانِ به وبرسلِه، واتباعِ أمرِه واجتنابِ مَعاصيه، مما خُذِل عنه مَن أشْرَك به وكفَر، وخالفَ ما أُمِر به، وركِب معاصيَه، وكان مع ذلك قد جعَل جل ثناؤُه ما أعَدَّ في آجلِ الآخرةِ في جنانِه مِن النعيمِ المقيمِ، والفوزِ المبينِ، لمَن آمَن به، مِن رحمتِه في الدنيا والآخرةِ، مع ما قد عمَّهم به والكفارَ في الدنيا، مِن الإفضالِ والإحسانِ إلى جميعِهم؛ في البَسْطِ في الرزقِ، وتَسْخيرِ السحابِ بالغَيْثِ، وإخراجِ النباتِ مِن الأرضِ، وصحةِ الأجْسامِ والعقولِ، وسائرِ النِّعَمِ التي لا تُحْصَى، التي يَشْتَرِكُ فيها المؤمنون والكافرون، فربُّنا جل ثناؤُه رحمنُ
_________________
(١) في ر: "بالرحمن مخصوص".
(٢) في م: "بهم".
[ ١ / ١٢٧ ]
جميعِ خلقِه في الدنيا والآخرةِ، ورحيمُ المؤمنين خاصةً في الدنيا والآخرةِ.
فأما الذي عمَّ جميعَهم به في الدنيا مِن رحمتِه فكان رحمانًا (^١) لهم به، فما ذكَرْنا مع نظائرِه التي لا سبيلَ إلى إحصائِها لأحدٍ مِن خلقِه، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤، والنحل: ١٨]. وأما في الآخرةِ، فالذي عمَّ جميعَهم به فيها مِن رحمتِه فكان لهم رحمانًا، في (^٢) تسويتِه بينَ جميعِهم جل ذكرُه في عدلِه وقضائِه، فلا يَظْلِمُ أحدًا منهم مثقالَ ذرةٍ، وإن تكُ حسنةً يضاعفْها (^٣)، ويُوَفِّي (^٤) كلَّ نفسٍ ما كسَبَت، فذلك معنى عمومِه في الآخرةِ جميعَهم برحمتِه الذي كان به رحمانًا في الآخرةِ.
وأما ما خصَّ به المؤمنين في عاجلِ الدنيا مِن رحمتِه الذي كان به رحيمًا لهم فيها، كما قال جل ذكرُه: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]. فما وصَفْنا مِن اللُّطْفِ لهم في دينِهم، فخصَّهم به دونَ مَن خذَله مِن أهلِ الكفرِ به. وأما ما خصَّهم به في الآخرةِ فكان به رحيمًا لهم دونَ الكافرين، فما وصَفْنا آنفًا (^٥) مما أعَدَّ لهم دونَ غيرِهم مِن النعيمِ والكرامةِ التي تَقْصُرُ عنها الأمانيُّ.
وأما القولُ الآخرُ في تأويلِه فهو ما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ، قال: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ الفعلانُ مِن الرحمةِ - وهو مِن كلامِ العربِ.
_________________
(١) في الأصل، ص، ر، ت ٢: "رحمن". وهذه الكلمة تجيء تارة في بعض المخطوطات مصروفة وتارة غير مصروفة والوجهان جائزان، كما نبه على ذلك أبو حيان في أول البحر المحيط، وقد اخترنا صرفها فيما يأتي من مواضع.
(٢) سقط من: م.
(٣) بعده في م: "ويؤت من لدنه أجرا عظيما".
(٤) في ص: "توفي"، وغير منقوطة في ر.
(٥) في ر: "أيضًا".
[ ١ / ١٢٨ ]
قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾: الرقيقُ الرفيقُ بمَن أحَبَّ أن يَرْحَمَه، والبعيدُ الشديدُ على مَن أحَبَّ أن يَعْنُفَ عليه، وكذلك أسماؤُه كلُّها (^١).
وهذا التأويلُ مِن ابنِ عباسٍ يَدُلُّ على أن الذي به ربُّنا رحمنٌ، هو الذي به رحيمٌ، وإن كان لقولِه: ﴿الرَّحْمَنِ﴾. مِن المعنى ما ليس لقولِه: ﴿الرَّحِيمِ﴾. لأنه جعَل معنى الرحمنِ بمعنى الرَّقيقِ (^٢) على مَن رقَّ عليه، ومعنى الرحيمِ بمعنى الرَّفيقِ بمَن رفَق به.
والقولُ الذي روَيْناه في تأويلِ ذلك عن النبيِّ ﷺ، وذكَرْناه عن العرْزَميِّ (^٣)، أشبهُ بتأويلِه مِن هذا القولِ الذي روَيْناه عن ابنِ عباسٍ. وإن كان هذا القولُ مُوافقًا معناه معنى ذلك، في أن للرحمنِ مِن المعنى ما ليس للرحيمِ، وأن للرحيمِ تأويلًا غيرَ تأويلِ الرحمنِ.
والقولُ الثالثُ في تأويلِ ذلك ما حدَّثني به عِمرانُ بنُ بَكَّارٍ الكَلَاعيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ صالحٍ، قال: حدَّثنا أبو الأزهرِ نصرُ بنُ عمرٍو اللَّخْميُّ مِن أهلِ فِلَسْطينَ، قال: سمِعْتُ عطاءً الخُراسانيَّ يقولُ: كان الرحمنَ، فلما اختُزِل الرحمنُ مِن اسمِه، كان الرحمنَ الرحيمَ (^٤).
والذي أراد، إن شاء اللَّهُ، عطاءٌ بقولِه هذا، أن الرحمنَ كان مِن أسماءِ اللَّهِ التي لا يَتَسَمَّى بها أحدٌ مِن خلقِه، فلما تسَمَّى به الكذابُ مُسَيْلِمةُ - وهو اخْتِزالُه إياه، يعني اقْتِطاعَه مِن أسمائِه لنفسِه - أخْبَر اللَّهُ جل ثناؤُه أن اسمَه الرحمنُ الرحيمُ؛
_________________
(١) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٧ عن هذا الموضع.
(٢) في ص: "الرفيق".
(٣) في م: "العزرمي". وقد تقدم قوله في ص ١٢٦.
(٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٩ إلى المصنف. وينظر الفتح ٨/ ١٥٥.
[ ١ / ١٢٩ ]
ليَفْصِلَ بذلك لعبادِه اسمَه مِن اسمِ مَن قد تسَمَّى بأسمائِه، إذ كان لا يُسَمَّى أحدٌ الرحمنَ الرحيمَ - فيُجْمَعَ له هذان الاسمان - غيرُه جل ذكرُه. وإنما يتسَمَّى (^١) بعضُ خلقِه إما رحيمًا أو يتَسَمَّى رحمانًا، فأما رحمنٌ رحيمٌ، فلم يَجْتَمِعا قطُّ لأحدٍ سواه، ولا يُجْمَعان لأحدٍ غيرِه، فكأن معنى قولِ عطاءٍ هذا، أن اللَّهَ جل ثناؤُه إنما فصَل بتكريرِ الرحيمِ على الرحمنِ، بينَ اسمِه واسمِ غيرِه مِن خلقِه، اخْتَلَف معناهما أو اتَّفَقا.
والذي قال عطاءٌ مِن ذلك غيرُ فاسدِ المعنى؛ بل جائزٌ أن يكونَ جل ثناؤُه خصَّ نفسَه بالتسميةِ بهما معا مُجْتمعَيْن، إبانةً لها مِن خلقِه؛ ليُعَرِّفَ عبادَه بذكرِهما مجموعَيْن أنه المقصودُ بذكرِهما دونَ مَن سواه مِن خلقِه، مع ما في تأويلِ كلِّ واحدٍ منهما مِن المعنى الذي ليس في الآخَرِ منهما.
وقد زعَم بعضُ أهلِ الغَباءِ أن العربَ كانت لا تَعْرِفُ الرحمنَ، ولم يكنْ ذلك في (^٢) لغتِها، ولذلك قال المشركون للنبيِّ ﷺ: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ [الفرقان: ٦٠]. إنكارًا منهم لهذا الاسمِ. فكأنه كان (^٣) مُحالًا عندَه أن يُنْكِرَ أهلُ الشركِ ما كانوا بصحتِه عالِمِين، أو (^٤) كأنه لم يَتْلُ مِن كتابِ اللَّهِ قولَ اللَّهِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ﴾. يعني: محمدًا ﷺ، ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]. وهم مع ذلك به مُكَذِّبون، ولنبوتِه جاحِدون، فيُعْلَم بذلك أنهم قد كانوا يُدافِعون حقيقةَ ما قد ثبَت عندَهم صحتُه، واسْتَحْكَمَت لديهم معرفتُه، وقد أُنْشِد لبعضِ الجاهليةِ الجَهْلاءِ (^٥):
_________________
(١) في م، ت ٢: "تسمى".
(٢) في ص: "من".
(٣) في ص: "قال".
(٤) في ص: "أولًا".
(٥) البيت في المخصص ١٧/ ١٥٢ (المجلد الخامس) غير منسوب.
[ ١ / ١٣٠ ]
ألا ضرَبَت تلك [الفتاةُ هَجينَها] (^١) … ألا قضَب الرحمنُ ربِّي يمينَها
وقال سَلَامةُ بنُ جَنْدَلٍ السعديُّ (^٢):
عجِلْتُم علينا عَجْلَتَيْنا (^٣) عليكمُ … وما يَشَإِ الرحمنُ يَعْقِدْ ويُطْلِقِ
وقد زعَم أيضًا بعضُ مَن ضعُفَت معرفتُه بتأويلِ أهلِ التأويلِ، وقلَّت روايتُه لأقوالِ السلفِ مِن أهلِ التفسيرِ (^٤)، أن الرحمنَ مَجازُه ذو الرحمةِ، والرحيمَ مَجازُه الراحمُ. ثم قال: قد يُقَدِّرون اللفظَيْن مِن لفظٍ والمعنى واحدٌ، وذلك لاتِّساعِ الكلامِ عندَهم. قال: وقد فعَلوا مثلَ ذلك، فقالوا: نَدْمانُ ونَديمٌ. ثم اسْتَشْهَد [ببيتِ بُرْجِ] (^٥) بنِ مُسْهِرٍ الطائيِّ:
ونَدْمانٍ يَزيدُ الكأسَ طِيبًا … سقَيْتُ وقد تغَوَّرَتِ (^٦) النُّجومُ
واسْتَشْهد بأبياتٍ نظائرِه له في النَّديمِ والنَّدْمانِ. ففرَّق بينَ معنى الرحمنِ والرحيمِ في التأويلِ، لقولِه: الرحمنُ ذو الرحمةِ، والرحيمُ الراحمُ. وإن كان قد ترَك بيانَ تأويلِ مَعْنَيَيْهِمَا (^٧) على صحتِه، ثم مثَّل (^٨) ذلك باللفظَيْن [يَأْتِيان بمعنًى] (^٩)
_________________
(١) في ت ١: "القناة هجيتها".
(٢) في النسخ: "الطهوي". والمثبت كما في طبقات فحول الشعراء ١/ ١٥٥، والشعر والشعراء ١/ ٢٧٢، والبيت في ديوانه ص ١٩.
(٣) في ت ٢: "معجلينا".
(٤) لعله أراد بذلك أبا عبيدة في كتابه مجاز القرآن ١/ ٢١، فأكثر الكلام الآتي منقول منه بنصه.
(٥) في ص: "ببيت بزح"، وفي م: "قول برج" وفي ت ٢: "ببيت برح"، وفي ت ١: "ببيت نوح". والبيت في المؤتلف والمختلف ص ٨٠، وشرح ديوان الحماسة ٣/ ١٢٧٢، واللسان (ع ر ق)، (ن د م).
(٦) في المؤتلف والمختلف، وشرح ديوان الحماسة: "تعرضت". وتغورت النجوم: غربت. اللسان (غ ور).
(٧) في ص، م: "معنيهما".
(٨) في ص: "بين".
(٩) في ص: "بإثبات معنى".
[ ١ / ١٣١ ]
واحدٍ، فعاد إلى ما قد جعَله بمعنيين، فجَعله مثالَ ما هو بمعنًى واحدٍ، مع اختلافِ الألفاظِ.
ولا شكَّ أن ذا الرحمةِ هو الذي قد (^١) ثبَت أن له الرحمةَ، وصحَّ أنها له صفةٌ، وأن الراحمَ هو الموصوفُ بأنه سيَرْحَمُ، أو قد رحِم فانْقَضَى ذلك منه، أو هو فيه، ولا دَلالةَ (^٢) فيه حينَئذٍ أن الرحمةَ له صفةٌ، كالدَّلالةِ على أنها له صفةٌ، إذا وُصِف بأنه ذو الرحمةِ. فأين معنى الرحمنِ الرحيمِ - على تأويله - مِن معنى الكلمتين تأْتِيان مُقَدَّرَتَيْن مِن لفظٍ واحدٍ باختلافِ الألفاظِ واتفاقِ المعاني؟ ولكن القولَ إذا كان على غيرِ أصلٍ مُعْتَمَدٍ عليه كان واضحًا عَوارُه.
وإن قال لنا قائلٌ: ولمَ قدَّم اسمَ اللَّهِ الذي هو اللَّهُ على اسمِه الذي هو الرحمنُ، واسمَه الذي هو الرحمنُ على اسمِه الذي هو الرحيمُ؟
قيل: لأن مِن شأنِ العربِ إذا أرادوا الخبرَ عن مُخْبَرٍ عنه أن يُقَدِّموا اسمَه، ثم يُتْبِعوه صفاتِه ونعوتَه، وهذا هو الواجبُ في الحكمِ، أن يكونَ الاسمُ مُقَدَّمًا قبلَ نعتِه وصفتِه؛ ليَعْلَمَ السامعُ الخبرَ عمَّن الخبرُ.
فإذ كان ذلك، كذلك وكان للَّهِ جل ذكرُه أسماءٌ قد حرَّم على خلقِه أن يَتَسَمَّوْا بها، خصَّ بها نفسَه دونَهم، وذلك مثلُ اللَّهِ والرحمنِ والخالقِ، وأسماءٌ أباح لهم أن يُسَمِّيَ بعضُهم بعضًا بها، وذلك كالرحيمِ والسميعِ والبصيرِ والكريمِ وما أشْبَهَ ذلك مِن الأسماءِ - كان الواجبُ أن تُقَدَّمَ أسماؤُه التي هي له خاصةٌ دونَ جميعِ خلقِه؛ ليَعْرِفَ السامعُ ذلك مَن توَجَّه إليه الحمدُ والتمجيدُ، ثم يُتْبَعَ ذلك بأسمائِه التي قد تَسَمَّى بها غيرُه، بعدَ علمِ المُخاطَبِ أو السامعِ مَن توَجَّه إليه ما يَتْلُو ذلك مِن المعاني.
_________________
(١) سقط من: م.
(٢) بعده في م: "له".
[ ١ / ١٣٢ ]
فبَدأ اللَّهُ جل ذكرُه باسمِه الذي هو اللَّهُ؛ لأن الأُلوهةَ ليست لغيرِه جل ثناؤُه من وجهٍ مِن الوجوهِ، لا مِن جهةِ التَّسَمِّي به، ولا مِن جهةِ المعنى، وذلك أنّا قد بيَّنا أن معنى "اللَّهِ" جلّ ثناؤُه معنَى (^١) المعبودِ، ولا معبودَ غيرُه جل ثناؤُه، وأن التَّسَمِّيَ به قد حرَّمه اللَّهُ جل ثناؤُه، وإن قصَد المُتَسَمِّي به ما قَصَد (^٢) المُتَسَمِّي بسعيدٍ وهو شقيٌّ، وبحسنٍ وهو قبيحٌ.
أو لا تَرَى أن اللَّهَ جل ثناؤه قال في غيرِ آيةٍ من كتابِه: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٦٠، ٦١، ٦٢، ٦٣، ٦٤]. فاسْتَكْبَر ذلك مِن المُقِرِّ به. وقال تعالى في خُصوصِه (^٣) نفسَه باللَّهِ وبالرحمنِ: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]. ثم ثنَّى ذلك (^٤) باسمِه الذي هو الرحمنُ، إذ كان قد منَع أيضًا خلقَه التَّسَمِّيَ به، وإن كان مِن خلقِه مَن قد يَسْتَحِقُّ تسميتَه ببعضِ مَعانيه، وذلك أنه قد يَجوزُ وصفُ كثيرٍ ممَّن هو دونَ اللَّهِ مِن خلقِه ببعضِ صفاتِ الرحمةِ، وغيرُ جائزٍ أن يَسْتَحِقَّ بعضَ الألوهةِ أحدٌ دونَه، فلذلك جاء الرحمنُ ثانيًا (^٥) لاسمِه الذي هو اللَّهُ.
وأما اسمُه الذي هو الرحيمُ، فقد ذكَرْنا أنه مما هو جائزٌ وصفُ غيرِه به، والرحمةُ مِن صفاتِه جل ذكرُه، فكان - إذ كان الأمرُ على ما وصَفْنا - واقعًا مَواقعَ نعوتِ الأسماءِ اللواتي هن (^٦) توابعُها، بعدَ تقدمِ الأسماءِ عليها.
_________________
(١) في م: "هو".
(٢) في ص، م: "يقصد".
(٣) في م: "خصوصية".
(٤) سقط من: م.
(٥) في ص: "ثابتا".
(٦) في ر، ت ١: "هو".
[ ١ / ١٣٣ ]
فهذا وجهُ تقديمِ اسمِ اللَّهِ الذي هو اللَّهُ، على اسمِه الذي هو الرحمنُ، واسمِه الذي هو الرحمنُ، على اسمِه الذي هو الرحيمُ.
وقد كان الحسنُ البصريُّ يقولُ في الرحمنِ مثلَ ما قلنا، أنه مِن أسماءِ اللَّهِ التي مُنِع التَّسَمِّيَ بها العبادُ.
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ مَسْعَدةَ، عن عوفٍ (^١)، عن الحسنِ، قال: الرحمنُ اسمٌ ممنوعٌ (^٢).
مع أن في إجماعِ الأمةِ مِن منعِ التَّسَمِّي به جميعَ الناسِ، ما يُغْني عن الاسْتِشْهادِ على صحةِ ما قلْنا في ذلك بقولِ الحسنِ وغيرِه.
_________________
(١) في ر: "عون". وينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ٤٣٧.
(٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٧ عن المصنف.
[ ١ / ١٣٤ ]