قال أبو جعفرٍ: اخْتَلَفَت تَراجِمةُ القرآنِ في تأويلِ قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿الم﴾؛ فقال بعضُهم: هي اسمٌ مِن أسماءِ القرآنِ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿الم﴾. قال: اسمٌ مِن أسماءِ القرآنِ (^١).
حدَّثني المثَنَّى بنُ إبراهيمَ الآمُلِيُّ، قال: حدَّثنا أبو حُذَيْفةَ موسى بنُ مسعودٍ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهِدٍ، قال: ﴿الم﴾ اسمٌ مِن أسماءِ القرآنِ (^٢).
حدَّثنا القاسمُ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ داودَ، قال: حدَّثني حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: ﴿الم﴾ اسمٌ مِن أسماءِ القرآنِ.
وقال بعضُهم: هي فَواتحُ يَفْتَحُ اللَّهُ بها القرآنَ.
_________________
(١) تفسير عبد الرزاق - كما في الدر المنثور ١/ ٢٢ - ومن طريقه النحاس في القطع، والائتناف ص ١١١، ومعاني القرآن ١/ ٧٥. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم. وهو عند ابن أبي حاتم ١/ ٣٣ معلقًا عقب الأثر (٥٠).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٣ (٥٠)، والنحاس في معاني القرآن ١/ ٧٥ من طريق أبي حذيفة به.
[ ١ / ٢٠٤ ]
ذكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثني هارونُ بنُ إدريسَ الأصَمُّ الكوفيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المُحاربيُّ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ، قال: ﴿الم﴾ فَواتِحُ يَفْتَحُ اللَّهُ بها القرآنَ (^١).
حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ الغِفاريُّ، قال: حدَّثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن مُجاهِدٍ، قال: ﴿الم﴾ فَواتِحُ (^٢).
حدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجاجِ، عن يحيى بنِ آدمَ، عن سفيانَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ، قال: ﴿الم﴾ و﴿حم﴾ و﴿المص﴾ و﴿ص﴾ فواتحُ افْتَتَح اللَّهُ بها (^٣).
حدَّثنا القاسمُ بنُ الحسنِ (^٤)، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَ حديثِ هارونَ بنِ إدريسَ (^٥).
وقال بعضُهم: هي اسمٌ للسورةِ.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٣٧ (٨٢٠٤) من طريق ابن جريج به مقتصرًا على قوله: ﴿المص﴾. قال ابن جريج: قلت: ألم تكن تقول: هي أسماء؟ قال: لا.
(٢) أخرجه النحاس في معاني القرآن ١/ ٧٥ من طريق سفيان عن خصيف أو غيره، عن مجاهد.
(٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٥٦ عن الثوري به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٣ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ. وينظر تفسير ابن كثير تحقيق أبي إسحاق الحويني ٢/ ٥٢.
(٤) في ص، ت ١: "الحسين".
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٣ (٥١) من طريق حجاج به.
[ ١ / ٢٠٥ ]
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعْلَى، قال: أنْبَأنا عبدُ اللَّهِ بنُ وهبٍ، قال: سأَلْتُ عبدَ الرحمنِ بنَ زيدِ بنِ أسْلَمَ عن قولِ اللَّهِ: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، و﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، و﴿المر تِلْكَ﴾. فقال: قال أبي: إنما هي أسماءُ السُّوَرِ (^١).
وقال بعضُهم: هو اسمُ اللَّهِ الأعظمُ.
ذكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيٍّ، قال: حدَّثنا شعبةُ، قال: سأَلْتُ السُّدِّيَّ عن ﴿حمَ﴾ و﴿طسَم﴾ و﴿الم﴾. فقال: قال ابنُ عباسٍ: هي اسمُ اللَّهِ الأعظمُ (^٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثني أبو النُّعْمانِ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن إسماعيلَ السُّدِّيِّ، عن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، قال: قال عبدُ اللَّهِ. فذكَر نحوَه (^٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجاجِ، عن عُبَيدِ (^٤) اللَّهِ بنِ موسى، عن إسماعيلَ، عن الشعبيِّ، قال: فَواتحُ السُّوَرِ مِن أسماءِ اللَّهِ (^٥).
وقال بعضُهم: هو قَسَمٌ أقْسَم اللَّهُ به، وهو مِن أسمائِه.
_________________
(١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٣ عقب الأثر (٥٠) معلقًا.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٢ (٤٤) من طريق يحيى بن عباد، عن شعبة، عن السدي، قال: بلغني عن ابن عباس.
(٣) أخرجه الحاكم ٢/ ٢٦٠ من طريق السدي به. وقال: صحيح على شرط مسلم.
(٤) في ص، ت ٢: "عبد".
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٢ (٤٧) من طريق إسماعيل بن سالم، عن الشعبي بلفظ: هي =
[ ١ / ٢٠٦ ]
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يحيى بنُ عثمانَ بنِ صالحٍ السَّهْميُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: هو قَسَمٌ [أقْسَمه اللَّهُ] (^١)، وهو مِن أسماءِ اللَّهِ (^٢).
وحدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: حدَّثنا خالدٌ الحَذَّاءُ، عن عكرمةَ، قال: ﴿الم﴾ قسَمٌ (^٣).
وقال بعضُهم: هو حروفٌ مُقَطَّعةٌ مِن أسماءٍ وأفعالٍ، كلُّ حرفٍ مِن ذلك لمعنًى غيرِ معنى الحرفِ الآخرِ.
ذكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا وَكيعٌ، وحدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: حدَّثنا [أبي، عن شَريكٍ] (^٤)، عن عطاءِ بنِ السائبٍ، عن أبي الضُّحَى، عن ابنِ عباسٍ:
_________________
(١) = اسم من أسماء اللَّه مقطعة بالهجاء، فإذا وصلتها كانت اسما من أسماء اللَّه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٢ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر، مطولا. ورُوي عن الشعبي أنه قال: سر هذا القرآن فواتح السور. كما سيأتي. وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات (١٦٩) من طريق محمد بن سليمان، عن عبيد الله بن موسى، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن السدي: فواتح السور من أسماء الله. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٢ إلى أبي الشيخ والبيهقي عن السدي.
(٢) في م: "أقسم اللَّه به".
(٣) أخرجه النحاس في معاني القرآن ١/ ٧٤، وابن مردويه - كما في تخريج أحاديث الكشاف ١/ ٣٤، والبيهقي في الأسماء والصفات (١٦٣) من طريق عبد اللَّه بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٢، ٣/ ٦٧ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٣ (٥٢) من طريق ابن علية به.
(٥) في م: "ابن أبي شريك".
[ ١ / ٢٠٧ ]
﴿الم﴾. قال: أنا اللَّهُ أعلمُ (^١).
وحُدِّثْتُ عن أبي عُبيدٍ، قال: حدَّثنا أبو اليَقْظانِ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: قوله: ﴿الم﴾. قال: أنا اللَّهُ أعلمُ (^٢).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ الهَمْدانيُّ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ القَنَّادُ، قال: حدَّثنا أسْباطُ بنُ نصرٍ، عن إسماعيلَ السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿الم﴾ قال: أما ﴿الم﴾ فهو حروفٌ (^٣) اشْتُقَّ مِن حُروفِ هِجاءِ أسماءِ اللَّهِ (^٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ مَعْمَرٍ، قال: حدَّثنا عَيَّاشُ (^٥) بنُ زيادٍ الباهليُّ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿الم﴾، و﴿حمَ]، و﴿ن﴾ قال: اسمٌ مُقَطَّعٌ (^٦).
_________________
(١) أخرجه وكيع - كما في الدر المنثور ١/ ٢٢ - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٢ (٤٣). وأخرجه النحاس في القطع والائتناف ص ١١١، وفي معاني القرآن ١/ ٧٣، والبيهقي في الأسماء والصفات (١٦٧) من طريق شريك به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٢، ٣/ ٦٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.
(٢) ذكره النحاس في معاني القرآن ١/ ٧٣ عن أبي اليقظان به. وينظر تفسير البغوي ١/ ٥٨. وأبو اليقظان - هو عمار بن محمد - صدوق يخطئ.
(٣) في م، والأسماء والصفات: "حرف".
(٤) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (١٦٨) من طريق عمرو بن حماد به. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٢ (٤٥) من طريق عمرو به، عن السدي من قوله. وسقط منه ذكر أسباط.
(٥) في ص، م: "عباس". والمثبت موافق لما في تفسير ابن أبي حاتم.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٢ (٤٨) من طريق محمد بن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٢ إلى ابن مردويه. وذكره البغوي في تفسيره ١/ ٥٩ عن سعيد قوله.
[ ١ / ٢٠٨ ]
وقال بعضُهم: هي حروفُ هِجاءٍ موضوعٍ.
ذكْرُ مَن قال ذلك
حُدِّثْتُ عن منصورِ بنِ أبي نُوَيْرةَ، قال: حدَّثنا أبو سعيدٍ المُؤَدِّبُ، عن خُصَيفٍ، عن مُجاهدٍ، قال: فَواتحُ السورِ كلُّها: ﴿ق﴾ و﴿ص﴾ و﴿حم﴾ و﴿طسم﴾ و﴿الر﴾ وغيرُ ذلك هِجاءٌ موضوعٌ (^١).
وقال بعضُهم: هي حروفٌ يَشْتَمِلُ كلُّ حرفٍ منها على معانٍ شتَّى مختلفةٍ.
ذكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجاجِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي جعفرٍ الرازيِّ، قال: حدَّثني أبي، عن الربيعِ بنِ أنسٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿الم﴾. قال: هذه الأحرفُ مِن التسعةِ والعشرين حرفًا، دارَت فيها الألسُنُ كلُّها، ليس منها حرفٌ إلا وهو مِفتاحُ اسمٍ مِن أسمائِه، وليس منها حرفٌ إلا وهو في آلائِه وبلائِه، وليس منها حرفٌ إلا وهو في (^٢) مدةِ قومٍ وآجالِهم. وقال عيسى ابنُ مريمَ، وعجِب (^٣): يَنْطِقون في أسمائِه، ويَعِيشون في رزقِه، فكيف يَكْفُرون به (^٤)؟ قال: الألفُ مِفتاحُ اسمِه اللَّهِ، واللامُ مِفتاحُ اسمِه لطيفٍ، والميمُ مِفْتاحُ اسمِه مَجيدٍ؛ الألفُ آلاءُ اللَّهِ، واللامُ لُطْفُه، والميمُ مَجْدُه؛ الألِفُ سَنةٌ، واللامُ ثلاثون سنةً، والميمُ أربعون سنةً (^٥).
_________________
(١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٣ إلى ابن المنذر.
(٢) سقط من: م.
(٣) في ص، م: "عجيب".
(٤) زيادة من: ر.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٣، ٢/ ٥٨٤ عقب الأثر (٣٣/ ٣١١٨) من طريق ابن أبي جعفر به =
[ ١ / ٢٠٩ ]
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا حَكَّامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بنحوِه.
وقال بعضُهم: هي حروفٌ مِن حسابِ الجُمَّلِ (^١). كرِهْنا ذكرَ الذي حُكِي ذلك عنه، إذ كان الذي رواه ممَّن لا يُعْتَمَدُ على روايتِه ونقلِه، وقد مَضَتِ الروايةُ بنظيرِ ذلك مِن القولِ عن الربيعِ بنِ أنسٍ.
وقال بعضُهم: لكلِّ كتابٍ سرٌّ، وسرُّ القرآنِ فَواتحُه (^٢).
وأما أهلُ العربيةِ فإنهم اختَلَفوا في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: هي حُروفٌ مِن حروفِ المُعْجَمِ، اسْتُغْنِي بذكْرِ ما ذُكِر منها في أوائلِ السورِ عن ذكرِ بَواقِيها (^٣) التي هي تَتِمَّةُ الثمانيةِ والعشرين حرفًا، كما اسْتَغْنَى المُخبِرُ عمَّن أخْبَرَ عنه أنه في حروفِ المعجمِ الثمانيةِ والعشرين بذكرِ "أ ب ت ث" عن ذكرِ بَواقي حروفِها التي هي تَتِمَّةُ الثمانيةِ والعشرين، قال: ولذلك رُفِع ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ لأن معنى الكلامِ:
_________________
(١) = وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٢ إلى عبد بن حميد عن الربيع مقتصرًا على قوله: ألف مفتاح … مجيد. وعزاه السيوطي ١/ ٢٣ إلى المصنف، وابن أبي حاتم عن أبي العالية. وهو عند ابن أبي حاتم ١/ ٣٣، ٢/ ٥٨٤ (٣٣، ٣١١٨) من طريق أبي جعفر عن الربيع عن أبي العالية. ولم يذكر في الدر المنثور قول عيسى ﵇. وينظر تفسير ابن كثير ١/ ٥٧.
(٢) حساب الجمَّل: ضرب من الحساب يجمل فيه لكل حرف من الحروف الأبجدية عدد من الواحد إلى الألف على ترتيب خاص. الوسيط (ج م ل).
(٣) أخرج ابن المنذر وأبو الشيخ - كما في الدر المنثور ١/ ٢٣ - عن داود بن أبي هند قال: كنت أسأل الشعبي عن فواتح السور، قال يا داود، إن لكل كتاب سرا، وإن سر هذا القرآن فواتح السور، فدعها وسل عما بدا لك.
(٤) بعده في ص: "منها".
[ ١ / ٢١٠ ]
الألفُ واللامُ والميمُ مِن الحروفِ المُقَطَّعةِ، ذلك الكتابُ الذي أنْزَلْتُه إليك مجموعًا لا ريبَ فيه.
فإن قال قائلٌ: فإن "أ ب ت ث" قد صارت كالاسمِ في حروفِ الهِجاءِ، كما صارتِ "الحمدُ" اسمًا لفاتحةِ الكتابِ؟
قيل له: لمَّا كان جائزًا أن يقولَ القائلُ: ابني في "ط ظ". وكان معلومًا بقِيلِه ذلك لو قاله أنه يُرِيدُ الخبرَ عن ابنه أنه في الحروفِ المُقَطَّعةِ، عُلم بذلك أن "أ ب ت ث" ليس لها باسمٍ، وإن كان ذلك آثرَ (^١) في الذكرِ مِن سائرِها.
قال: وإنما خُولِف بينَ ذكْرِ حروفِ المُعْجَمِ في فَواتِحِ السورِ، فذُكِرَت في أوائلِها مختلفةً، وذِكْرِها إذا ذُكِرَت بأوائلِها التي هي "أ ب ت ث" مُؤْتَلِفةً، ليَفْصِلَ بينَ الخبرِ عنها إذا أُرِيد، بذكرِ ما ذُكِر منها مُخْتلِفًا، الدلالةُ على الكلامِ المتصلِ، وإذا أُرِيد بذكرِ ما ذُكِر منها مُؤْتَلِفًا الدلالةُ على الحروفِ المُقَطَّعةِ بأعيانِها.
واسْتَشْهَد لإجازةِ قولِ القائلِ: ابني في "ط ظ". وما أشبهَ ذلك مِن الخبرِ عنه أنه في حروفِ المعجمِ، وأن ذلك مِن قيلِه في البيانِ يقومُ مَقامَ قولِه: ابني في "أ ب ت ث" برَجَزِ بعضِ الرُّجَّازِ مِن بني أسدٍ (^٢):
لمَّا رأيْتُ [أمرَها في حُطِّي] (^٣)
_________________
(١) في م: "يؤثر".
(٢) الأبيات الثلاثة الأول في تهذيب اللغة ١٠/ ٢٨١، واللسان (ف ن ك).
(٣) في اللسان، ونسخة من تهذيب اللغة: "أنها في خطى".
[ ١ / ٢١١ ]
وفَنَكَتْ (^١) في كَذِبي (^٢) ولَطِّي (^٣)
أخذْتُ منها بقُرونٍ (^٤) شُمْطِ (^٥)
فلم يَزَلْ ضَرْبي (^٦) بها ومَعْطِي (^٧)
حتى علَا الرأسَ دمٌ يُغَطِّي
فزعَم أنه أراد بذلك الخبرَ عن المرأةِ أنها في "أبي جاد"، فأقام قولَه:
لما رأيتُ أمرَها في حُطِّي
مُقامَ خبرِه عنها أنها في "أبي جاد"، إذ كان ذلك مِن قولِه يَدُلُّ سامعَه على ما يَدُلُّه عليه قولُه: لما رأيْتُ أمرَها في "أبي جاد".
وقال آخرون: بل ابْتُدئَت بذلك أوائلُ السورِ ليَفْتَحَ لاستماعِه أسماعَ المشركين، إذ تواصَوْا بالإعراضِ عن القرآنِ، حتى إذا اسْتَمَعوا له تُلِي عليهم المؤلَّفُ منه.
وقال بعضُهم: الحروفُ التي هي فَواتحُ السورِ حروفٌ يَسْتَفْتِحُ اللَّهُ بها كلامَه.
[وقال] (^٨): فإن قيل: هل يكونُ مِن القرآنِ ما ليس له معنًى؟ فإن (^٩) معنى هذا
_________________
(١) فنك في الكذب: مضى ولجَّ فيه. اللسان (ف ن ك).
(٢) في ص: "كدى"، وفي ت ٢: "كيدى"، وفي نسخة من تهذيب اللغة: "كدنى".
(٣) لط حقه: جحده. اللسان (ل ط ط).
(٤) القرن: الخصلة من الشعر. اللسان (ق ر ن).
(٥) الشمط في الشعر: اختلافه بلونين من سواد وبياض. اللسان (ش م ط).
(٦) في ص: "صوني".
(٧) المعط: الجذب. اللسان (م ع ط).
(٨) سقط من: م، وفي ت ٢: "وقال آخرون".
(٩) كذا في النسخ، ولعل صوابها: "قيل".
[ ١ / ٢١٢ ]
أنه ابتدَأ (^١) بها ليُعْلَمَ أن السورةَ التي قبلَها قد انْقَضَت، وأنه قد أخَذ في أخرى، فجعَل هذا علامةَ انقطاعِ ما بينَهما، وذلك في (^٢) كلامِ العربِ، يُنْشِدُ الرجلُ منهم الشعرَ، فيقولُ (^٣):
بل * وبَلدةٍ ما الإنسُ مِن آهالِها
ويقولُ (^٤):
لا بَل * ما هاج أحزانًا وشَجْوًا قد شَجَا
و"بل" ليست مِن البيتِ ولا تُعَدُّ في وزنِه، ولكن يَقْطَعُ بها كلامًا ويَسْتَأْنِفُ الآخرَ.
قال أبو جعفرٍ: ولكلِّ قولٍ مِن الأقوالِ التي قالها الذين وصَفْنا قولَهم في ذلك وجهٌ معروفٌ.
فأما الذين قالوا: ﴿الم﴾ اسمٌ مِن أسماءِ القرآنِ، فلقولِهم ذلك وجهان:
أحدُهما: أن يَكونوا أرادوا أن ﴿الم﴾ اسمٌ للقرآنِ، كما الفُرقانُ اسمٌ له. وإذا كان معنى قائل ذلك كذلك، كان تأويلُ قولِه: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ على معنى القَسَمِ، كأنه قال: والقرآنِ، هذا الكتابُ لا ريبَ فيه.
والآخرُ منهما: أن يَكُونوا أرادوا أنه اسمٌ مِن أسماءِ السورةِ (^٥) تُعْرَفُ به، كما
_________________
(١) في م: "افتتح".
(٢) سقط من: ر.
(٣) اللسان (أ هـ ل) غير منسوب.
(٤) الرجز للعجاج في ديوانه ص ٣٤٨.
(٥) بعده في م: "التي".
[ ١ / ٢١٣ ]
تُعْرَفُ سائرُ الأشياءِ بأسمائِها التي هي لها أماراتٌ [تُعْرَفُ بها] (^١)، فيَفْهَمُ السامعُ مِن القائلِ يقولُ: قرأْتُ اليومَ ﴿المص﴾ و﴿ن﴾. أي السورةَ التي قرَأَها مِن سُورِ القرآنِ، كما يَفْهَمُ عنه إذا قال: لقيتُ اليومَ عَمْرًا وزيدًا. وهما بزيدٍ وعمرٍو عارفان - مَن الذي لقِي مِن الناسِ.
وإن أشْكَل معنى ذلك على امرئٍ، فقال: وكيف (^٢) يَجوزُ أن يكونَ ذلك كذلك، ونَظائز ﴿الم﴾ ﴿الر﴾ في القرآنِ جماعةٌ مِن السورِ، وإنما تكونُ الأسماءُ أماراتٍ إذا كانت مُميِّزةً بينَ الأشخاصِ، فأما إذا كانت غيرَ مُميِّزةٍ فليست أماراتٍ؟
قيل: إن الأسماءَ وإن كانت قد صارت لاشتراكِ كثيرٍ مِن الناسِ في الواحدِ منها، غيرَ مميِّزَةٍ إلَّا بمَعانٍ أُخَرَ معها؛ مِن ضَمِّ نسبةِ المُسَمَّى بها إليها، أو نعتِه أو وصفِه بما يُفَرِّقُ بينَه وبينَ غيرِه مِن أشكالِها، فإنها وُضِعَت (^٣) ابْتِداءً للتمييزِ لا شكَّ، ثم احْتِيج عندَ الاشتراكِ إلى المَعاني المُفَرِّقةِ بينَ المُسَمَّى بها، فكذلك ذلك في أسماءِ السورِ، جُعِل كلُّ اسمٍ - في قولِ قائلِ هذه المَقالةِ - أمارةً للمُسَمَّى به مِن السورِ، فلما شارَك المُسَمَّى به فيه غيرَه مِن سُورِ القرآنِ، احتاج المُخْبِرُ عن سورةٍ منها أن يَضُمَّ إلى اسمِها المُسَمَّى به مِن ذلك إلى (^٤) ما يُفَرِّقُ به السامعُ (^٥) بينَ الخبرِ عنها وعن غيرِها مِن نعتٍ وصفةٍ أو غيرِ ذلك، فيَقُولُ المُخْبِرُ عن نفسِه أنه تلا سورةَ البقرةِ، إذا سماها باسمِها الذي هو ﴿الم﴾: قرأتُ ﴿الم﴾ البقرة. وفي آلِ عِمْرانَ: قرأتُ
_________________
(١) في ص: "تعرفونها"، وفي ر: "يعرفن"، وفي ت ٢: "يعرفونها".
(٢) بعده في م: "و".
(٣) في ص: "وصفت".
(٤) سقط من: م.
(٥) في م، ت ٢: "للسامع".
[ ١ / ٢١٤ ]
﴿الم﴾ آل عمران. أو (^١) ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾. و﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. كما لو أراد الخبرَ عن رجلين، اسمُ كلِّ واحدٍ منهما عمرٌو، غيرَ أن أحدَهما تَميميٌّ والآخرَ أزْديٌّ، لَلزِمه أن يقولَ لمن أراد إخبارَه عنهما: لقِيتُ عمرًا التميميَّ وعمرًا الأزديَّ. إذا (^٢) كان لا يفرِّق (^٣) بينَهما وبينَ غيرِهما ممَّن يُشارِكُهما في أسمائِهما إلا نسبتُهما (^٤) كذلك، فكذلك ذلك في قولِ مَن تأوَّل في الحروفِ المُقَطَّعةِ أنها أسماءٌ للسورِ.
أما الذين قالوا: ذلك فَواتِحُ يَفْتَتِحُ اللَّهُ ﷿ بها كلامَه. فإنهم وجَّهوا ذلك إلى نحوِ المعنى الذي حكَيْنا عمَّن حكَيْنا ذلك عنه مِن أهلِ العربيةِ أنه قال: ذلك أدِلَّةٌ على انْقِضاءِ سورةٍ وابتداءٍ في أخرى، وعلامةٌ لانقطاعِ ما بينَهما. كما جُعِلَت "بل" في ابتداءِ قصيدةٍ دلالةً على ابتداءٍ فيها وانقضاءِ أخرى قبلَها، كما ذكَرْنا عن العربِ إذا أرادوا الابتداءَ في إنشادِ قصيدةٍ قالوا:
بل * ما هاج أحْزانًا وشجْوًا قد شَجَا
و"بل" ليست مِن البيتِ ولا داخلةً في وزنِه، ولكن ليَدُلَّ به على قطعِ كلامٍ وابتداءِ آخرَ.
وأما الذين قالوا: ذلك حروفٌ مُقَطَّعةٌ، بعضُها مِن أسماءِ اللَّهِ ﷿، وبعضُها مِن صفاتِه، ولكلِّ حرفٍ مِن ذلك معنًى غيرُ معنى الحرفِ الآخرِ. فإنهم
_________________
(١) في ر، م: "و".
(٢) في م، ت ٢: "إذ".
(٣) في م، ت ٢: "فرق".
(٤) في ر، م: "بنسبتهما"، وفي ت ٢: "بتسميتهما".
[ ١ / ٢١٥ ]
نحَوْا بتأويلِهم ذلك نحوَ قولِ الشاعرِ (^١):
قلْنا لها قِفِي لنا (^٢) قالت قافْ
لا تَحْسَبي أنَّا نَسِينا الإيجافْ (^٣)
يعني بقولِه: قالت قاف. قالت (^٤): وقَفْتُ. فدَّلت بإظهارِ "القافِ" مِن "وقَفْتُ" على مُرادِها مِن تَمامِ الكلمةِ التي هي: "وقَفْتُ". فصرَفوا قولَه: ﴿الم﴾. وما أشبهَ ذلك إلى نحوِ هذا المعنى، فقال بعضُهم: الألفُ ألفُ أنا، واللامُ لامُ اللَّهِ، والميمُ ميمُ أعْلَمُ، وكلُّ حرفٍ منهن دالٌّ على كلمةٍ تامةٍ. قالوا: فجملةُ هذه الحروفِ المُقَطَّعةِ إذا ظهَر مع كلِّ حرفٍ منهن تَمامُ حروفِ الكلمةِ: أنا اللَّهُ أعلمُ. قالوا: وكذلك سائرُ جميعِ ما في أوائلِ سُورِ القرآنِ مِن ذلك، فعلى هذا المعنى وبهذا التأويلِ. قالوا: ومستفيضٌ ظاهرٌ في كلامِ العربِ أن يَنْقُصَ المتكلمُ منهم مِن الكلمةِ الأحرفَ إذا كان فيما بقِي دلالةٌ على ما حذَف منها، ويَزيدَ فيها ما ليس منها إذا لَمْ تكُنِ الزيادةُ مُلبِسةً معناها على سامعِها، كحذفِهم في النقصِ في الترخيمِ مِن حارثٍ الثاءَ، فيقولون: يا حارِ. ومِن مالكٍ الكافَ، فيقولون: يا مالِ. وما أشْبَهَ ذلك. وكقولِ راجزِهم (^٥):
ما لِلظَّليمِ (^٦) عالَ (^٧) كيف لا يا
_________________
(١) الرجز للوليد بن عقبة في شرح شواهد الشافية ملحق بالشافية ٤/ ٢٧١. والأول منه في الصاحبي ص ١٦١.
(٢) سقط من: م.
(٣) الإيجاف: حثّ الدابة على سرعة السير. اللسان (وجـ ف).
(٤) بعده في م: "قد".
(٥) الرجز في تهذيب اللغة ١٥/ ٦٧٠، واللسان (يا)، وشرح شواهد الشافية ٤/ ٢٦٧.
(٦) الظليم: ذكر النعام. اللسان (ظ ل م).
(٧) في تهذيب اللغة واللسان: "عاك". وفسر الشيخ شاكر "عال" بأنها دعاء عليه من عال عوله: أي =
[ ١ / ٢١٦ ]
يَنْقَدُّ عنه جِلْدُه إذا يا
كأنه أراد أن يقولَ: إذا يَفعلُ كذا وكذا. فاكْتَفَى بالياءِ مِن "يَفْعَلُ". وكما قال آخرُ منهم (^١):
بالخيرِ خيراتٍ وإن شرًّا فَا
يريدُ: فشرًّا.
ولا أُرِيدُ الشرَّ إلا أن تا
يُريدُ: إلا أن تَشاءَ. فاكْتَفَى بالتاءِ والفاءِ في الكلمتَيْن جميعًا مِن سائرِ حروفِهما، وما أشبهَ ذلك مِن الشواهدِ التي يَطولُ الكتابُ باستيعابِه.
وكما حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أيوبَ وابنِ عونٍ، عن محمدٍ، قال: لما مات يزيدُ بنُ معاويةَ قال لي عَبِيدَةُ (^٢): إني لا أُراها إلا كائنةً فتنةً فافْزَعْ مِن ضَيْعَتِك، والْحَقْ بأهلِك. قلتُ: فما تَأْمُرُني؟ قال: أحَبُّ إليَّ (^٣) لك أنْ تا - قال أيوبُ وابنُ عونٍ بيدِهِ تحت خدِّه الأيمنِ يَصِفُ الاضطجاعَ - حتى تَرَى أمرًا تَعْرِفُه.
قال أبو جعفرٍ: يعني بـ "تا" تَضْطَجِع، فاجْتَزَأ بالتاءِ مِن "تَضْطَجِع". وكما قال الآخرُ في الزيادةِ في الكلامِ على النحوِ الذي وصَفْتُ (^٤):
_________________
(١) = ثكلته أمه. وفسرها محققو شرح شواهد الشافية بأنها من قولهم، عال عولا. بمعنى زاد في جريه. أما عاك فبمعنى كرّ. اللسان (ع وك).
(٢) الكتاب ٣/ ٣٢١ ونسبه في شرح شواهد الشافية ٤/ ٢٦٤ للقيم بن أوس.
(٣) في ص، م: "عبدة". وينظر تهذيب الكمال ١٩/ ٢٦٦.
(٤) في ر: "التي".
(٥) تأويل مشكل القرآن ص ٢٣٤، والصاحبي ص ٣٨٠.
[ ١ / ٢١٧ ]
أقولُ إذْ خَرَّتْ على الكَلْكالِ (^١) … يا ناقتي ما جُلْتِ من مَجالِ
يريدُ: الكَلْكلَ. وكما قال الآخرُ (^٢):
إنَّ شَكْلِي وإن شَكْلَك شَتَّى … فالْزَمي الخُصَّ واخْفِضِي (^٣) تَبْيَضِضِّي (^٤)
فزاد ضادًا وليست في الكلمة.
قالوا: فكذلك ما نقَص مِن تمامِ حروفِ كلِّ كلمةٍ مِن هذه الكلماتِ التي ذكَرْنا أنَّها تَتِمَّةُ حروفِ ﴿الم﴾ ونظائرِها، نظيرُ ما نقَص مِن الكلامِ الذي حكَيْناه عن العربِ في أشعارِها وكلامِها.
وأما الذين قالوا: كلُّ حرفٍ مِن ﴿الم﴾ ونظائرِها دالٌّ على مَعانٍ شَتَّى - نحوَ الذي ذكرنا عن الربيع بنِ أنسٍ - فإنهم وجَّهوا ذلك إلى مثلِ الذي وجَّهه إليه مَن قال: هو بتأويل: أنا اللَّهُ أعلمُ. في أن كلَّ حرفٍ منه بعضُ حروفِ كلمةٍ تامةٍ اسْتُغْنِي بدَلالتِه على تَمامِه عن ذكرِ تمامِه - وإن كانوا له مخالفين في كلِّ حرفٍ مِن ذلك، أهو من الكلمةِ التي ادَّعَى أنه منها قائلو القولِ الأولِ أم مِن غيرِها؟ فقالوا: بل الألفُ مِن ﴿الم﴾ مِن كلماتٍ شَتَّى، هي دالةٌ على معاني جميعِ ذلك وعلى تمامِه. قالوا: وإنما أفْرد كلَّ حرفٍ مِن ذلك، وقصَّر به عن تمامِ حروفِ الكلمةِ، أن جميعَ حروفِ الكلمةِ لو أُظْهِرَت لم تَدُلَّ الكلمةُ التي تُظْهَرُ - التي (^٥) بعضُ هذه الحروفِ المُقَطَّعةِ بعضٌ لها - إلا على معنًى واحدٍ لا على معنيَيْن وأكثرَ منهما.
_________________
(١) الكلكال: المصدر أو ما بين الترقوتين. القاموس المحيط (ك ل ل).
(٢) تأويل مشكل القرآن ص ٢٣٥، واللسان (ب ي ض)، (خ ف ض).
(٣) الخفض: لين العيش وسعته. اللسان (خ ف ض).
(٤) أي: تبيضّي، من البياض، فزاد ضادًا أخرى ضرورة لإقامة الوزن. اللسان (ب ي ض).
(٥) سقط من: م.
[ ١ / ٢١٨ ]
قالوا: وإذ كان لا دلالةَ في ذلك، لو أظْهَر جميعَها (^١)، إلا على معناها الذي هو معنًى واحدٌ، وكان اللَّهُ جلَّ ثناؤُه قد أراد الدلالةَ بكلِّ حرفٍ منها على مَعانٍ كثيرةٍ لشيءٍ واحدٍ - لَمْ يَجُزْ إلا أن يُفْرَدَ الحرفُ الدالُّ على تلك المعاني، ليَعْلَمَ المخاطَبون به أنه جلَّ ثناؤه لم يَقْصِدْ قصدَ معنًى واحدٍ ودلالةٍ على شيءٍ واحدٍ بما خاطَبَهم به، وأنه إنما قصَد الدلالةَ به (^٢) على أشياءَ كثيرةٍ.
قالوا: فالألفُ مِن ﴿الم﴾ مُقْتَضِيةٌ معانيَ كثيرةً؛ منها تمامُ اسمِ الربِّ الذي هو اللَّهُ، وتمامُ اسمِ نعماءِ اللَّهِ التي هي آلاءُ اللَّهِ، والدلالةُ على أجَلِ قومٍ أنه سَنَةٌ، إذ كانت الألفُ في حسابِ الجُمَّلِ واحدًا. واللامُ مُقْتَضِيةٌ تمامَ اسمِ اللَّهِ الذي هو لَطيفٌ، وتمامَ اسمِ فَضْلِه الذي هو لُطْفٌ، والدلالةَ على أجَلِ قومٍ أنه ثلاثون سنةً. والميمُ مُقْتَضِيةٌ تمامَ اسمِ اللَّهِ الذي هو مَجيدٌ، وتمامَ اسمِ عظمتِه التي هي مَجْدٌ، والدلالةَ على أجَلِ قومٍ أنه أربعون سنةً.
فكان معنى الكلامِ في تأويلِ قائلِ القولِ الأولِ، أن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه افْتَتَح كلامَه بوَصْفِ نفسِه بأنه العالِمُ الذي لا يَخْفَى عليه شيءٌ، وجعَل ذلك لعبادِه مَنْهَجًا يَسْلُكونه في مُفْتَتحِ خُطَبِهم ورسائلِهم ومُهِمِّ أمورِهم، وابتلاءً منه لهم به (^٢) ليَسْتَوْجِبوا به عظيمَ الثوابِ في دارِ الجزاءِ، كما افْتَتَح بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ و﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١]. وما أشْبَهَ ذلك مِن السورِ التي جعَل مَفاتحَها الحمدَ لنفسِه، وكما جعَل مَفاتحَ بعضِها تعظيمَ نفسِه وإجلالَها بالتسبيحِ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١]. وما أشبهَ ذلك مِن سائرِ سُورِ القرآنِ التي جعَل مَفاتحَ بعضِها
_________________
(١) في ص: "جميعا".
(٢) سقط من: م، ت ٢.
[ ١ / ٢١٩ ]
تحميدَ نفسِه، ومفاتحَ بعضِها تمجيدَها، ومفاتحَ بعضِها تعظيمَها وتَنْزيهَها، فكذلك جعَل مفاتحَ السورِ الأُخَرِ التي أوائلُها بعضُ حروفِ المُعْجَمِ مدائحَ نفسِه أحيانًا بالعلمِ، وأحيانًا بالعدلِ والإنصافِ، وأحيانًا بالإفضالِ والإحسانِ، بإيجازٍ واختصارٍ، ثم اقتصاصَ الأمورِ بعدَ ذلك.
وعلى هذا التأويلِ يَجِبُ أن تكونَ الألفُ واللامُ والميمُ في أماكنِ الرفعِ مرفوعًا بعضُها ببعضٍ، دون قولِه: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، ويكونَ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، خبرًا (^١) مبتدأً مُنْقطِعًا عن مَعنى ﴿الم﴾ وكذلك ﴿ذَلِكَ﴾ في تأويلِ قولِ قائلِ هذا القولِ الثاني مرفوعٌ بعضُه ببعضٍ، وإن كان مخالفًا معناه معنى قولِ قائلِ القولِ الأولِ.
وأما الذين قالوا: هنَّ حروفٌ مِن حروفِ حسابِ الجُمَّلِ دون ما خالَف ذلك مِن المعاني. فإنهم قالوا: لا نعرِفُ للحروفِ المُقَطَّعةِ معنًى يُفْهَمُ سوى حسابِ الجُمَّلِ، وسوى تَهَجِّي قولِ القائلِ: ﴿الم﴾. قالوا: وغيرُ جائزٍ أن يُخاطِبَ اللَّهُ جلَّ ثناؤُه عبادَه إلا بما يَفْهَمون ويَعقِلون عنه، فلما كان ذلك كذلك - وكان قولُه: ﴿الم﴾. لا يُعْقَلُ لها وجهٌ تُوَجَّهُ إليه إلا أحدُ الوجهين اللذيْن ذكَرْنا، فبَطَل أحدُ وجهيْه، وهو أن يكونَ مُرادًا به تهجِّي: ﴿الم﴾ - صحَّ وثبَت أنه مرادٌ به الوجهُ الثاني، وهو حسابُ الجُمَّلِ؛ لأن قولَ القائلِ: ﴿الم﴾. لا يَجوزُ أن يَلِيَه مِن الكلامِ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ لاستحالةِ معنى الكلامِ وخروجِه عن المعقولِ إذا أُولِي ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾.
واحْتَجُّوا لقولِهم ذلك أيضًا بما حدَّثنا به محمدُ بنُ حُميدٍ الرازيُّ، قال: حدَّثنا
_________________
(١) في م: "خبر".
[ ١ / ٢٢٠ ]
سَلَمةُ بن الفضلِ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثني الكَلْبيُّ، عن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ رِئابٍ، قال: مرَّ أبو ياسرِ بنُ أخْطَبَ برسولِ اللَّهِ ﷺ وهو يَتْلُو فاتحةَ (^١) سورةِ البقرة ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ فأتَى أخاه حُيَيَّ بنَ أخْطَبَ في رجالٍ مِن يهودَ، فقال: تَعْلَمُون (^٢) واللَّهِ، لقد سمِعْتُ محمدًا يَتْلُو فيما أنْزَل اللَّهُ عليه ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ فقالوا: أنت سمِعْتَه؟ قال: نعم. فمشَى حُيَيُّ بنُ أخْطَبَ في أولئك النفرِ مِن يهودَ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، فقالوا: يا محمدُ، ألم يُذْكَرْ لنا أنك تَتْلُو فيما أُنْزِل عليك ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾؟ فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "بَلَى" قالوا. أجاءك بها (^٣) جبريلُ مِن عندِ اللَّهِ؟ فقال: "نَعَمْ". قالوا: لقد بعَث اللَّهُ قبلَك أنبياءَ ما نَعْلَمُه بيَّن لنبيٍّ منهم ما مُدَّةُ مُلْكِه، وما أُكْلُ (^٤) أمَّتِه غيرَك. فقال حُيَيُّ بنُ أخْطَبَ وأقبلَ على مَن كان معه، فقال لهم: الألفُ واحدةٌ، واللامُ ثلاثونَ، والميمُ أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنةً، أفتَدْخُلُونَ (^٥) في دينِ نبيٍّ إنما مدةُ مُلْكِه وأُكلُ (^٦) أُمَّتِه إحدى وسبعونَ سنةً؟ قال: ثم أقبلَ على رسولِ اللَّهِ ﷺ، فقال: يا محمدُ، هل مع هذا غيرُه؟ قال: "نَعَمْ". قال: ماذا؟ قال: " ﴿المص﴾ ". قال: هذه أثقلُ وأطولُ؛ الألفُ واحدةٌ، واللامُ ثلاثون، والميم أربعون، والصادُ تسعون (^٧)، فهذه إحدى
_________________
(١) بعده في ص: "الكتاب".
(٢) في سيرة ابن هشام: "تعلّموا". أي: اعلموا.
(٣) في ص، م: "بهذا".
(٤) في م، ت ٢: "أجل". والأُكل: الرزق. ومنه قيل للميت: انقطع أكله. اللسان (أ ك ل). والمراد مدة الأمة التي يأكلون فيها رزقهم.
(٥) في م: "قال: فقال لهم: أتدخلون".
(٦) في م: "أجل".
(٧) في ر، ونسخة من سيرة ابن هشام: "ستون".
[ ١ / ٢٢١ ]
وستون (^١) ومائةُ سنةٍ. هل مع هذا يا محمدُ غيرُه؟ قال: "نَعَمْ". قال: ماذا؟ قال: " ﴿الر﴾ ". قال: هذه أثقلُ وأطولُ؛ الألفُ واحدةٌ، واللامُ ثلاثون، والراءُ مائتان، فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنةٍ. فهل (^٢) مع هذا غيرُه يا محمدُ؟ قال: "نَعَمْ، ﴿المر﴾ ". قال: فهذه أثقلُ وأطولُ؛ الألفُ واحدةٌ، واللامُ ثلاثون، والميمُ أربعون، والراءُ مائتان، فهذه إحدى وسبعون ومائتا سنةٍ. ثم قال: لقد لُبِّس علينا أمْرُك يا محمدُ حتى ما نَدْرِي أقليلًا أُعْطِيتَ أم كثيرًا. ثم قاموا عنه، فقال أبو ياسرٍ لأخيه حُيَيِّ بنِ أخْطَبَ ولمن معه مِن الأحبارِ: ما يُدْرِيكم لعلَّه قد جُمِع هذا كلُّه لمحمدٍ؛ إحدى وسبعون، وإحدى وستون (^٣) ومائةٌ، وإحدى وثلاثون ومائتان، وإحدى وسبعون ومائتان، فذلك سبعُمائةٍ وأربعٌ [وثلاثون] (^٤). فقالوا: لقد تَشابَه علينا أمرُه. فيَزْعُمون أن هؤلاء الآياتِ نزَلَت فيهم ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ (^٥) [آل عمران: ٧].
قالوا: قد صرَّح (^٦) هذا الخبرُ بصحةِ ما قلنا في ذلك مِن التأويلِ وفسادِ ما قاله مُخالِفونا فيه.
_________________
(١) في ت ٢، ونسخة من سيرة ابن هشام: "ثلاثون". وهو مبني على التقدير السابق للصاد.
(٢) في ر، م، ت ٢: "فقال: هل".
(٣) في ر: "ثلاثين"، وفي ت ٢: "ثلاثون".
(٤) في ص، ر، ت ٢، ونسخة من سيرة ابن هشام: "سنين".
(٥) أخرجه البخاري في التاريخ ٢/ ٢٠٨ معلقًا عن سلمة بن الفضل به. وقال ابن كثير في تفسيره ١/ ٥٩، ٦٠: حديث ضعيف … مداره على محمد بن السائب الكلبي، وهو مما لا يحتج بما انفرد به. واختلف فيه على ابن إسحاق. ينظر تاريخ البخاري، وسيرة ابن هشام ١/ ٥٤٥.
(٦) في ص: "صح".
[ ١ / ٢٢٢ ]
والصوابُ عندي مِن القولِ في تأويلِ مَفاتحِ السورِ التي هي حروفُ المُعْجَمِ، أن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه جعَلها حروفًا مُقَطَّعةً، ولم يَصِلْ بعضَها ببعضٍ فيَجْعَلَها كسائرِ الكلامِ المتَّصِلِ الحروفِ؛ لأنه عزَّ ذكرُه أراد بلطفِه (^١) الدلالةَ بكلِّ حرفٍ منه على مَعانٍ كثيرةٍ لا على معنًى واحدٍ، كما قال الربيعُ بنُ أنسٍ، وإن كان الربيعُ قد اقتصَر به على معانٍ ثلاثةٍ دون ما زاد عليها.
والصوابُ في تأويلِ ذلك عندي أن كلَّ حرفٍ منه يَحْوِي ما قاله الربيعُ وما قاله سائرُ المُفَسِّرِين غيرُه فيه، سوى ما ذكَرْتُ مِن القولِ عمَّن ذكَرْتُ عنه مِن أهلِ العربيةِ أنه كان يُوَجِّهُ تأويلَ ذلك إلى أنه حروفُ هِجاءٍ استُغْنِي بذكرِ ما ذُكِر منه في مَفاتحِ السورِ عن ذكْرِ تَتِمَّةِ الثمانيةِ والعشرين الحرفِ (^٢) مِن حروفِ المُعْجَمِ، بتأويلِ: أن هذه الحروفَ ذلك الكتابُ، مجموعةً، لا ريبَ فيه. فإنه قولٌ خطأٌ فاسدٌ، لخروجِه عن أقوالِ جميعِ الصحابةِ والتابعين فمن بعدَهم مِن الخالِفين (^٣) مِن أهلِ التفسيرِ والتأويلِ، فكفَى دلالةً على خطئِه شهادةُ الحُجَّةِ عليه بالخطإِ، مع إبطالِ قائلِ ذلك قولَه الذي حكَيْناه عنه - إذ صار إلى البيانِ عن رفعِ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ - بقولِه مرةً: إنه مرفوعٌ كلُّ واحدٍ منهما بصاحبِه. ومرةً أخرى: إنه مرفوعٌ بالراجعِ مِن ذكرِه في قولِه: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. ومرةً بقولِه: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾. وذلك تركٌ منه لقولِه: إن ﴿الم﴾ مرافعةٌ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾. وخروجٌ من القولِ الذي ادَّعاه في تأويلِ ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾. وأن تأويلَ ذلك: هذه الحروفُ ذلك الكتابُ.
_________________
(١) في م: "بلفظه".
(٢) في ر: "الحروف"، وفي م: "حرفا".
(٣) في ص: "المخالفين".
[ ١ / ٢٢٣ ]
فإن قال لنا قائلٌ: وكيف يَجوزُ أن يكونَ حرفٌ واحدٌ شاملًا الدلالةَ على معانٍ كثيرةٍ مختلفةٍ؟
قيل: كما جاز أن تكونَ كلمةٌ واحدةٌ تَشْتَمِلُ على مَعانٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، نحوَ قولِهم للجماعةِ مِن الناسِ: أُمَّةٌ. وللحينِ مِن الزمانِ: أُمَّةٌ. وللرجلِ المُتَعَبِّدِ المُطيعِ للَّهِ: أُمَّةٌ. وللدِّينِ والمِلَّةِ: أُمَّةٌ. وكقولِهم للجَزاءِ والقِصاصِ: دِينٌ. وللسلطانِ والطاعةِ: دِينٌ. وللتَّذَلُّلِ: دينٌ. وللحسابِ: دِينٌ. في أشباهٍ لذلك كثيرةٍ يَطولُ الكتابُ بإحصائِها، مما يَكونُ مِن الكلامِ بلفظٍ واحدٍ، وهو مُشْتَمِلٌ على مَعانٍ كثيرةٍ، فكذلك قولُ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿الم﴾ و﴿الر﴾ و﴿المص﴾ وما أشْبَه ذلك مِن حروفِ المُعْجَمِ التي هي فَواتحُ أوائلِ السورِ، كلُّ حرفٍ منها دالٌّ على معانٍ شَتَّى، شاملٌ جميعُها مِن أسماءِ اللَّهِ ﷿ وصفاتِه ما قاله المفسِّرُون مِن الأقوالِ التي ذكَرْناها عنهم، وهنَّ مع ذلك فَواتِحُ السورِ، كما قاله مَن قال ذلك، وليس كونُ ذلك مِن حروفِ أسماءِ اللَّهِ جل ثناؤُه وصفاتِه، بمانعِها أن تكونَ للسورِ فَواتحَ؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه قد افْتَتَح كثيرًا مِن سورِ القرآنِ بالحمدِ لنفسِه والثناءِ عليها، وكثيرًا منها بتَمْجيدِها وتعظيمِها، فغيرُ مستحيلٍ أن يَبْتَدِئَ بعضَ ذلك بالقَسَمِ بها.
فالتي ابتُدِئ أوائلُها بحروفِ المعجمِ، أحدُ معاني أوائلِها أنهنَّ فَواتحُ ما افتَتح بهن مِن سُوَرِ القرآنِ، وهن مما أَقْسَمَ بهن؛ لأن أحدَ معانيهنَّ أنهنَّ مِن حروفِ أسماءِ اللَّهِ تعالى ذكْرُه وصفاتِه، على ما قدَّمْنا البيانَ عنها، ولا شكَّ في صحةِ معنى القسَمِ باللَّهِ وأسمائِه وصفاتِه. وهن مِن حروفِ حسابِ الجُمَّلِ، وهن للسورِ التي افْتُتِحَت بهن شِعارٌ وأسماءٌ، فذلك يَحْوِي مَعانيَ جميعِ ما [وصَفْنا مما] (^١) بيَّنَّا مِن وُجوهِه؛ لأن
_________________
(١) في ر: "ذكرنا ما".
[ ١ / ٢٢٤ ]
اللَّهَ جلَّ ثناؤُه لو أراد بذلك أو بشيءٍ منه الدلالةَ على معنًى واحدٍ مما يَحْتَمِلُه (^١) ذلك، دون سائرِ المعاني غيرِه، لأبان ذلك لهم رسولُ اللَّهِ ﷺ إبانةً غيرَ مُشْكِلةٍ، إذ كان جلَّ ثناؤُه إنما أنْزَل كتابَه على رسولِه ﷺ ليُبَيِّنَ لهم ما اخْتَلَفوا فيه، وفي تركِه ﷺ إبانةَ ذلك أنه مرادٌ به مِن وُجوهِ تأويلِه البعضُ دون البعضِ - أوضحُ الدليلِ على أنه مرادٌ به جميعُ وجوهِه التي هو لها مُحْتَمِلٌ، إذ (^٢) لم يكنْ مُسْتَحِيلًا في العقلِ وجهٌ منها أن يَكونَ مِن تأويلِه ومعناه، كما كان غيرَ مستحيلٍ اجتماعُ المعاني الكثيرةِ للكلمةِ الواحدةِ باللفظِ الواحدِ في كلامٍ واحدٍ.
ومَن أبَى ما قلْناه في ذلك، سُئِل الفرْقَ بينَ ذلك وبينَ سائرِ الحروفِ التي تَأْتِي بلفظٍ واحدٍ، مع اشتمالِها على المعاني الكثيرةِ المختلفةِ، كالأُمَّةِ والدِّينِ وما أشْبَه ذلك مِن الأسماءِ والأفعالِ، فلن يقولَ في أحدِ (^٣) ذلك قولًا إلا أُلْزِم في الآخرِ مثلَه.
وكذلك يُسْألُ كلُّ مَن تأوَّل شيئًا مِن ذلك على وجهٍ دن الأوجهِ الأُخَرِ التي وصَفْنا، عن البرهانِ على دَعْواه، من الوجهِ الذي يَجِبُ التسليمُ له، ثم يُعارَضُ بقولِ مُخالِفِه في ذلك، ويُسْألُ الفرقَ بينَه وبينَه، مِن أصلٍ، أو مما يَدُلُّ عليه أصلٌ. فلن يقولَ في أحدِهما قولًا إلا أُلْزِم في الآخرِ مثلَه.
وأما الذي زعَم مِن النحويِّين أن ذلك نظيرُ "بل" في قولِ المُنْشِدِ شِعرًا (^٤):
بل * ما هاج أحْزانًا وشجوًا قد شَجَا
وأنه لا معنًى له، وإنما هو زيادةٌ في الكلامِ معناه الطَّرْحُ. فإنه أخْطَأ مِن
_________________
(١) في ص، م: "لا يحتمله".
(٢) في ص: "إذا".
(٣) في ص: "واحد من".
(٤) تقدم في ص ٢١٥.
[ ١ / ٢٢٥ ]
وُجوهٍ شَتَّى:
أحدُها: أنه وصَف اللَّهَ تعالى ذكرُه بأنه خاطَب العربَ بغيرِ ما هو مِن لغتِها، وغيرِ ما هو في لغةِ أحدٍ مِن الآدميِّين، إذ كانت العربُ وإن كانت قد كانت تَفْتَتِحُ أوائلَ إنشادِها ما أنْشَدَت مِن الشعرِ بـ "بل"، فإنه معلومٌ منها أنها لم تكنْ تَبْتَدِئُ شيئًا مِن كلامِها بـ ﴿الم﴾ و﴿الر﴾ و﴿المص﴾ [بمثلِ معنَى] (^١) ابتدائِها ذلك بـ "بل". وإذ كان ذلك ليس مِن ابتدائِها، وكان اللَّهُ جلَّ ثناؤُه إنما خاطَبهم بما خاطَبهم به (^٢) مِن القرآنِ بما يَعْرِفون مِن لغاتِهم، ويَسْتَعْمِلون بينَهم مِن مَنْطِقِهم في جميعِ آيِه - فلا شكَّ أن سبيلَ ما وصَفْنا مِن حروفِ المُعْجَمِ التي افتُتِحت بها أوائلُ السورِ التي هن لها فَواتحُ، سبيلُ سائرِ القرآنِ في أنه لم يَعْدِلْ بها عن لغاتِهم التي كانوا بها عارِفِين، ولها بينَهم في مَنْطِقِهم مُسْتَعْمِلين؛ لأن ذلك لو كان مَعْدولًا به عن سبيلِ لغاتِهم ومَنْطِقِهم، كان خارجًا عن معنى الإبانةِ التي وصَف اللَّهُ جلَّ ثناؤه بها القرآنَ، فقال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥]. وأنَّى يكونُ مُبِينًا ما لا يَعْقِلُه ولا يفهمُه (^٣) أحدٌ مِن العالمِين، في قولِ قائلِ هذه المقالةِ، ولا يُعْرَفُ في مَنْطِقِ أحدٍ مِن المخلوقين في قولِه؟ وفي إخبارِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه عنه أنه عربيٌّ مُبينٌ، ما يُكْذِبُ قائلَ (^٤) هذه المقالةِ، ويُنْبِئُ عنه أن العربَ كانوا به عالِمين، وهو لها مُسْتَبِينٌ، فذلك أحدُ أوجهِ خطئِه.
والوجهُ الثاني مِن خطئِه في ذلك: إضافتُه إلى اللَّهِ جلَّ ثناؤُه أنه خاطَب عبادَه بما
_________________
(١) في ص، م، ت ٢: "بمعنى".
(٢) سقط من: م.
(٣) في م: "يفقهه".
(٤) سقط من: ص، م.
[ ١ / ٢٢٦ ]
لا فائدةَ لهم فيه، ولا معنَى له مِن الكلامِ، الذي سواءٌ الخطابُ (^١) به وتركُ الخطابِ به؛ وذلك إضافةُ العَبَثِ الذي هو مَنْفيٌّ في قولِ جميعِ المُوَحِّدين عن اللَّهِ، إلى اللَّهِ تعالى ذكرُه.
والوجهُ الثالثُ مِن خطئِه: أن "بل" في كلامِ العربِ مفهومٌ تأويلُها ومعناها، وأنها تُدْخِلُها في كلامِها رجوعًا عن كلامٍ لها قد تقَضَّى، كقولِهم: ما جاءني أخوك، بل أبوك، وما رأيتُ عمرًا، بل عبدَ اللَّهِ. وما أشْبَه ذلك مِن الكلامِ، كما قال أعْشَى بني ثَعْلبةَ (^٢):
ولَأَشْرَبَنَّ ثَمانِيًا وثَمانِيًا … وثلاثَ عشْرةَ واثنتَيْن وأربعَا
ومضَى في كلمتِه حتى بلَغ قولَه:
بالجُلَّسَانِ (^٣) وطَيِّبٍ أرْدانُه (^٤) … بِالوَنِّ (^٥) يَضْرِبُ لي يَكُرُّ (^٦) الإصْبَعَا
ثم قال:
بل عَدِّ هذا في قَريضٍ غيرِه … واذكُرْ فتًى سَمْحَ الخَليقةِ أرْوَعا
فكأنه قال: دَعْ هذا، وخُذْ في قَريضٍ غيرِه. فـ "بل" (^٧) إنما يَأْتي في كلامِ العربِ على هذا النحوِ مِن الكلامِ. فأما افتتاحًا لكلامِها مُبْتَدَأً بمعنى
_________________
(١) بعده في ص: "فيه".
(٢) البيتان الأولان في الشعر والشعراء ١/ ٢٥٨.
(٣) الجلسان، فارسي معرب، يقال: إنه الورد. ويقال: قبة يصنعونها ويجعلون عليها الورد. المعرب ص ١٥٣، ١٥٤. والبيت فيه.
(٤) الأردان، جمع رُدْن: وهو كم القميص. اللسان (ر د ن).
(٥) الونُّ: الصنج الذي يضرب بالأصابع. اللسان (ون ن).
(٦) في ر، م: "يكد".
(٧) في ص، ر، ت ٢: "قيل".
[ ١ / ٢٢٧ ]
التطويلِ (^١) والحذفِ، مِن غير أن يَدُلَّ على معنًى، فذلك ما (^٢) لا نَعْلَمُ أحدًا ادَّعاه مِن أهلِ المعرفةِ بلسانِ العربِ ومَنْطِقِها، سوى الذي ذكَرْتُ قولَه، فيكونَ ذلك أصلًا يُشَبَّهُ به حُروفُ المُعْجَمِ التي هي فَواتحُ سورِ القرآنِ التي افْتُتِحَت بها، لو كانت له مُشْبِهةً، فكيف وهي مِن الشبهِ به بعيدةٌ؟