قال عامَّةُ المفسرين: تأويلُ قولِ اللَّهِ جلَّ ثناؤه: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾: هذا الكتابُ.
ذكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثني هارونُ بنُ إدريسَ الأصَمُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المُحارِبيُّ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾. قال: هو هذا الكتابُ (^٣).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخْبَرَنا خالدٌ الحَذَّاءُ، عن عكرمةَ، قال: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾: هذا الكتابُ (^٤).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازيُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْريُّ، قال: حدَّثنا الحَكَمُ بنُ ظُهَيرٍ، عن السُّدِّيِّ في قولِه: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾. قال: هذا الكتابُ (^٥).
_________________
(١) في ص، ر: "البطول"، وفي ت ٢: "التطول".
(٢) في م: "مما".
(٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٦٠ عن مجاهد.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٣ (٥٣) من طريق ابن علية به.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٣ عقب الأثر (٥٣) من طريق أسباط، عن السدي. وأخرجه =
[ ١ / ٢٢٨ ]
حدَّثنا القاسمُ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ داودَ، قال: حدَّثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ قولَه: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾. قال: هذا الكتابُ. قال: وقال ابنُ عباسٍ: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾: هذا الكتابُ (^١).
فإن قال قائلٌ: وكيف يَجوزُ أن يكونَ ﴿ذَلِكَ﴾ بمعنى "هذا"؟ و"هذا" لا شكَّ إشارةٌ إلى حاضرٍ مُعايَنٍ، و﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى غائبٍ غيرِ حاضرٍ ولا مُعايَنٍ؟
قيل: جاز ذلك؛ لأن كلَّ ما تقَضَّى [وقَرُب] (^٢) تَقَضِّيه من الإخبارِ، فهو وإن صار بمعنى غيرِ الحاضرِ، فكالحاضرِ عندَ المخاطَبِ، وذلك كالرجلِ يُحَدِّثُ الرجلَ الحديثَ، فيقولُ السامعُ: إن ذلك واللَّهِ لكما قلتَ. و: هذا واللَّهِ كما قلتَ. و: هو واللَّهِ كما ذكَرْتَ. فيُخْبِرُ عنه مرةً بمعنى الغائبِ، إذ كان قد تقَضَّى ومضَى، ومرةً بمعنى الحاضرِ، لقُرْبِ جوابِه مِن كلامِ مُخْبِرِه، كأنه غيرُ مُنْقَضٍ، فكذلك ﴿ذَلِكَ﴾ في قولِه: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾. لأنه جلَّ ذكرُه لما قدَّم قبلَ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ ﴿الم﴾ التي ذكَرْنا تصَرُّفَها في وجوهِها مِن المعاني على ما وصَفْنا، قال لنبيِّه ﷺ: يا محمدُ، هذا الذي ذكَرْتُه وبيَّنْتُه لك، الكتابُ. ولذلك حسُن وضعُ ﴿ذَلِكَ﴾ في مكانِ "هذا"؛ لأنه أُشِير به إلى الخبرِ عما تضَمَّنه قولُه ﴿الم﴾ مِن المعاني، بعدَ تقَضِّي الخبرِ عنه بـ ﴿الم﴾ فصار لقربِ الخبرِ عنه مِن تقَضِّيه، كالحاضرِ المشارِ إليه، فأخْبَر عنه بـ ﴿ذَلِكَ﴾ لانْقِضائِه، ومصيرِ الخبرِ عنه
_________________
(١) = الحاكم ٢/ ٢٦٠ من طريق أسباط، عن السدي، عن مرة، عن ابن مسعود. وقال: صحيح على شرط مسلم.
(٢) ينظر تفسير ابن كثير ١/ ٦٠، وفتح القدير ١/ ٣٣.
(٣) في ص: "بقرب"، وفي ر: "فقرب".
[ ١ / ٢٢٩ ]
كالخبرِ عن الغائبِ. وترْجَمه المفسِّرون أنه بمعنى "هذا"؛ لقربِ الخبرِ عنه مِن انقضائِه، فكان كالمُشاهَدِ (^١) المشارِ إليه بـ "هذا"، نحوَ الذي وصَفْنا مِن الكلامِ الجاري بينَ الناسِ في مُحاوراتِهم، وكما قال جلَّ ذكرُه: ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (٤٨) هَذَا ذِكْرٌ﴾ [ص: ٤٨، ٤٩]. فهذا ما في ﴿ذَلِكَ﴾ إذا عنى بها (^٢) "هذا".
وقد يَحْتَمِلُ قولُه جلَّ ذكرُه: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾. أن يكونَ مَعنِيًّا به السورُ التي نزَلَت قبلَ سورةِ البقرةِ بمكةَ والمدينةِ، فكأنه قال جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: يا محمدُ، اعْلَمْ أن ما تضَمَّنَتْه سورُ الكتابِ التي قد أنْزَلْتُها إليك هو الكتابُ الذي لا ريبَ فيه، ثم ترْجَمه المُفَسِّرون بأن معنى ﴿ذَلِكَ﴾: هذا الكتابُ، إذ كانت تلك السورُ التي نزَلَت قبلَ سورةِ البقرةِ مِن جملةِ جميعِ كتابِنا هذا الذي أنْزَلَه اللَّهُ ﷿ على نبيِّنا محمدٍ ﷺ.
وكان التأويلُ الأولُ أولى بما قال المُفَسِّرون؛ لأن ذلك أظهرُ معاني قولِهم الذي قالوه في: ﴿ذَلِكَ﴾.
وقد وجَّه معنى ﴿ذَلِكَ﴾ بعضُهم إلى نظيرِ معنى بيتِ خُفَافِ بنِ نُدْبَةَ السُّلَميِّ (^٣):
فإن تَكُ خَيْلى قد أُصِيب صَمِيمُها … فعَمْدًا على عَيْنٍ تيَمَّمْتُ مالِكَا (^٤)
_________________
(١) في ص، ر، ت ٢: "كالشاهد".
(٢) في ر: "بهذا"، وفي ت ٢: "به".
(٣) الأغاني ٢/ ٣٢٩، الخزانة ٥/ ٤٣٨ - ٤٤٠. وسيأتي البيت الثاني في تفسير الآية ٨٥ من سورة البقرة.
(٤) هو مالك بن حمار الفزاري. ينظر الأغاني ٢/ ٣٢٩.
[ ١ / ٢٣٠ ]
أقولُ له والرُّمْحُ يَأْطِرُ (^١) مَتْنَه … تأمَّلْ خُفافًا إنني أنا ذلِكا
كأنه أراد: تأمَّلْني أنا ذلك. فزَعَمَ (^٢) أن ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ بمعنى "هذا" [نظيرَ ما] (^٣) أظْهَر خُفافٌ مِن اسمِه على وجهِ الخبرِ عن الغائبِ، وهو مُخْبِرٌ عن نفسِه، فكذلك (^٤) أظْهَر ﴿ذَلِكَ﴾ بمعنى الخبرِ عن الغائبِ، والمعنى فيه الإشارةُ إلى الحاضرِ المُشاهَدِ.
والقولُ الأولُ أولى بتأويلِ الكتابِ؛ لما ذكَرْنا مِن العِلَلِ.
وقد قال بعضُهم: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ يعني به التوراةَ والإنجيلَ (^٥). وإذا وُجِّه تأويلُ ﴿ذَلِكَ﴾ إلى هذا الوجهِ، فلا مئونةَ فيه على مُتأوِّلِه كذلك؛ لأن ﴿ذَلِكَ﴾ يكونُ حينئذٍ إخبارًا عن غائبٍ على صحةٍ