وتأويلُ قولِه: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، أيْ: أولئك هم المُنْجِحون المُدْرِكون ما طلَبوا عندَ اللَّهِ تعالى ذكرُه، بأعمالِهم وإيمانِهم باللَّهِ وكتبِه ورسلِه، مِن الفَوْزِ بالثوابِ، والخلودِ في الجنَانِ، والنَّجاةِ مما أعَدَّ اللَّهُ ﵎ لأعدائِه مِن العِقابِ.
كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدَّثنا ابنُ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: الذين أدْرَكوا ما طلَبوا، ونجَوْا مِن شرِّ ما منه هرَبوا (^٢).
ومِن الدلالةِ على أن أحدَ معاني الفلاحِ إدراكُ الطَّلِبةِ والظَّفَرِ بالحاجةِ، قولُ لَبيدِ
_________________
(١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٩ (٨٤) من طريق سلمة به.
(٢) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٩ (٨٨) من طريق سلمة به.
[ ١ / ٢٥٦ ]
ابنِ رَبيعةَ (^١):
اعْقِلِي إن كُنْتِ لمَّا تَعْقِلي … ولقد أفْلَح مَن كان عَقَلْ
يعني: ظفِر بحاجتِه وأصاب خيرًا. ومنه قولُ الراجزِ (^٢):
عَدِمْتُ أُمًّا ولَدَتْ رياحَا (^٣)
جاءَتْ به مُفَرْكَحًا فِرْكاحَا (^٤)
تَحْسبُ أن قد ولَدَت نَجاحَا
أَشْهَدُ لا يَزِيدُها فَلَاحَا
يعني: خيرًا وقربًا مِن حاجتِها.
والفَلَاحُ مصدرٌ مِن قولِك: أفْلَح فلانٌ يُفْلِحُ إفلاحًا، وفَلاحًا، وفَلَحًا. والفلاحُ أيضًا البقاءُ. ومنه قولُ لبيدٍ (^٥):
نَحُلُّ بلادًا كلُّها حُلَّ قبلَنا … ونَرْجُو الفلاحَ بعدَ عادٍ وحِمْيَرِ
يريدُ: البقاءَ. ومنه أيضًا قولُ عَبيدٍ (^٦):
أفْلِحْ بما شئتَ فقد يُدْرَكُ (^٧) بالضَّعْـ … ــفِ وقد يُخْدَعُ الأرِيبُ
يريدُ: عِشْ وابْقَ بما شئتَ. وكذلك قولُ نابغةِ بني ذُبْيانَ (^٨):
_________________
(١) شرح ديوان لبيد ص ١٧٧.
(٢) البيت الثاني منه في اللسان (فركح) غير منسوب.
(٣) في م: "رباحا".
(٤) الفركحة: تباعد ما بين الأليتين. اللسان (فركح).
(٥) شرح ديوان لبيد ص ٥٧.
(٦) ديوانه ص ١٤.
(٧) في م: "يبلغ".
(٨) ديوانه ص ٢١٤.
[ ١ / ٢٥٧ ]
وكلٌّ فتًى ستَشْعَبُه شَعُوبٌ (^١) … وإن أَثْرَى وإن لاقَى فَلاحَا
أي: نجاحًا بحاجتهِ وبقاءً.