قال أبو جعفرٍ: وقولُه: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾. خبرٌ مبتدأٌ بعدَ تمامِ الخبرِ عمَّا ختَم اللَّهُ عليه مِن جوارحِ الكفارِ الذين مَضَت قصصُهم، وذلك أَنَّ ﴿غِشَاوَةٌ﴾ مرفوعةٌ بقولِه: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ﴾. فذلك دليلٌ على أنه خبرٌ مبتدأٌ، وأن قولَه: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. قد تناهَى عندَ قولِه: ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾. وذلك هو القراءةُ الصحيحةُ عندَنا لمَعْنَيين:
أحدُهما: اتفاقُ الحُجَّةِ مِن القرأَةِ والعلماءِ على الشهادةِ بتصحيحِها، وانفرادُ المخالفِ لهم في ذلك، وشذوذُه عمَّا هم على تَخطئتِه مجمِعون، وكفَى بإجماعِ الحُجَّةِ على تَخطئةِ قراءةٍ (^٢) شاهدًا على خطئِها.
والثاني: أن الختمَ غيرُ موصوفةٍ به العيونُ في شيءٍ مِن كتابِ اللَّهِ (^٣)، ولا في خبرٍ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ، ولا موجودٍ في لغةِ أحدٍ مِن العربِ، وقد قال اللَّهُ جلَّ ثناؤُه في سورةٍ أخْرى: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ﴾. ثم قال: ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣]. فلم يُدْخِلِ البَصَرَ في معنى الختمِ، وذلك هو المعروفُ في (^٤) كلامِ العربِ، فلم يَجُزْ لنا ولا لأحدٍ مِن الناسِ القراءةُ بنصبِ الغِشاوةِ (^٥)؛ لِما وصفتُ
_________________
(١) في م: "بأنهم".
(٢) في م: "قراءته".
(٣) زيادة من: م.
(٤) في ص: "من".
(٥) وبنصب الغشاوة قرأ المفضل عن عاصم. السبعة لابن مجاهد ص ١٣٨، ١٣٩.
[ ١ / ٢٦٩ ]
مِن العِلَّتين اللتين ذكَرْتُ، وإن كان لنصبِها مَخْرَجٌ معروفٌ في العربيةِ.
وبما قلنا في ذلك من القولِ والتأويلِ رُوي الخبَرُ عن ابنِ عباسٍ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمي الحسينُ بنُ الحسنِ، عن أبيه، عن جدِّه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾: والغِشاوةُ على أبصارِهم (^١).
فإن قال قائلٌ: وما وجهُ مَخْرَجِ النَّصْبِ فيها؟
قيل له: [أن تَنْصِبَها] (^٢) بإضمارِ "جعَل"، كأنه قال: وجعَل على أبصارِهم غشاوةً. ثم أسْقَط "جعَل"، إذ كان في أولِ الكلامِ ما يدلُّ عليه. وقد يَحْتَمِلُ نصبُها على إتباعِها موضعَ السمعِ، إذ كان مَوضِعُه نصبًا، وإن لم يكنْ حسَنًا إعادةُ العاملِ فيه على ﴿غِشَاوَةٌ﴾ ولكنْ على إتباعِ الكلامِ بعضِه بعضًا، كما قال: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾. ثم قال: (وفاكهةٍ ممّا يتخيرون * ولحمِ طيرٍ ممّا يشتهون * [وَحُورٍ عِينٍ] (^٣» [الواقعة: ١٧ - ٢٢]. فخفَض اللحمَ والحورَ العينَ (^٤) على العطفِ به على الفاكهةِ؛ إتباعًا لآخرِ الكلامِ أوَّلَه. ومعلومٌ أن اللحمَ لا يُطافُ به ولا بالحورِ العينِ (^٤)، ولكن ذلك (^٥) كما قال الشاعرُ يصفُ فرسَه (^٦):
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤١ (١٠٠) عن محمد بن سعد به.
(٢) في ر، ت ٢: "أن ينصبها"، وفي م: "أن نصبها".
(٣) ضبطهما في النسخة: "ر" بالرفع وبالخفض، والخفض شاهد المصنف، وهو قراءة حمزة والكسائي، ورواية الفضل عن عاصم، وقرأ الباقون بالرفع. السبعة لابن مجاهد ص ٦٢٢.
(٤) سقط من: ص، م.
(٥) سقط من: ص.
(٦) معاني القرآن للفراء ١/ ١٤ وقال: أنشدني بعض بني أسد يصف فرسه. وفي الخزانة ٣/ ١٣٩، ١٤٠: ولا يعرف قائله، ورأيت في حاشية نسخة صحيحة من الصحاح أنه لذي الرمة، ففتشت ديوانه فلم أجده فيه.
[ ١ / ٢٧٠ ]
عَلَفْتُها تِبْنًا وَماءً بارِدًا … حتَّى شَتَتْ (^١) هَمَّالَةً (^٢) عَيْناها
ومعلومٌ أن الماءَ يُشْرَبُ ولا يُعْلَفُ (^٣)، ولكنه نصَب ذلك على ما وصفتُ قبلُ. وكما قال الآخرُ (^٤):
ورَأيْتُ زَوْجَك في الوَغَى … مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحا
وكان ابنُ جُريجٍ يقولُ في انتهاءِ الخبرِ عن الختمِ إلى قولِه: ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ وابتداءِ الخبرِ بعدَه - بمثلِ الذي قلنا فيه، ويتأوَّلُ فيه من كتابِ اللَّهِ: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤].
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، قال: حدَّثنا ابنُ جُريجٍ، قال: الختمُ على القلبِ والسمعِ، والغشاوةُ على البصرِ، قال اللَّهُ تعالى ذِكْرُه: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾. وقال: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ (^٥).
والغشاوةُ في كلامِ العربِ الغطاءُ، ومنه قولُ الحارثِ بنِ خالدِ بنِ العاصِ (^٦):
تَبِعْتُكَ (^٧) إذْ عَيْنِي عليه غِشاوَةٌ … فلمَّا انْجلتْ قَطَّعْتُ نَفْسِي ألُومُها
_________________
(١) شتا بالمكان: إذا أقام به شتاء. اللسان (ش ت و).
(٢) هملت العين: فاضت وسالت. اللسان (هـ م ل).
(٣) بعده في م: "به".
(٤) تقدم في ص ١٤٠.
(٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٧١ عن المصنف.
(٦) شعر الحارث بن خالد ص ١٠١.
(٧) في شعر الحارث: "صحبتك".
[ ١ / ٢٧١ ]
ومنه يقالُ: تغشَّاني (^١) الهمُّ. إذا تجلَّله وركِبه. ومنه قولُ نابغةِ بني ذُبْيانَ (^٢):
هَلَّا سألْتِ بَنِي ذُبْيانَ ما حَسَبي … إذَا الدُّخَانُ تَغَشَّى الأَشْمَطَ البَرَما (^٣)
يعني بذلك (^٤): تجلَّله وخالَطه.
وإنما أخْبَر اللَّهُ تعالى ذِكْرُه نبيَّه ﷺ عن الذين كفَروا به مِن أحبارِ اليهودِ، أنه قد ختَم على قلوبِهم وطبَع عليها، فلا يَعْقِلون للَّهِ موعظةً وعظَهم بها، فيما آتاهم مِن علمِ ما عندَهم مِن كتبِه، وفيما حدَّد في كتابِه الذي أوْحاه وأنْزَله إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ، وعلى سمعِهم، فلا يَسْمَعون مِن محمدٍ نبيِّ اللَّهِ ﷺ تحذيرًا ولا تذكيرًا، ولا حُجةً أقامها عليهم بنبوَّتِه، فيتذكَّروا ويحذَروا عقابَ اللَّهِ في تكذيبِهم إيَّاه، مع علمِهم بصدقِه وصحَّةِ أمرِه. وأعْلَمه مع ذلك أن على أبصارِهم غِشاوةً عن (^٥) أن يُبْصِروا سبيلَ الهُدَى، فيَعْلَموا قَبيحَ (^٦) ما هم عليه من الضلالةِ والرَّدَى.
وبنحوِ ما قلنا في ذلك رُوِي الخبرُ عن جماعةٍ مِن أهلِ التأويلِ.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾. أي: عن الهُدَى أن يُصيبوه أبدًا [بغيرِ ما] (^٧) كذَّبوك به مِن الحقِّ الذي جاءك مِن ربِّك، حتى يؤمنوا
_________________
(١) في م: "تغشاه".
(٢) ديوانه ص ١٠٦.
(٣) البرم: الذي لا يدخل مع القوم في الميسر. اللسان (ب ر م).
(٤) بعده في م: "إذا".
(٥) في ص: "من".
(٦) في ص، م: "قبح".
(٧) في سيرة ابن هشام: "يعني بما".
[ ١ / ٢٧٢ ]
به، وإن آمنوا بكلِّ ما كان قبلَك (^١).
حدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾. يقولُ: فلا يَعْقِلون ولا يَسْمَعون. ويقولُ: وجعَل على أبصارِهم غِشاوةً. يقولُ: على أعينِهم فلا يُبْصِرون (^٢).
وأما آخرون، فإنهم كانوا يتأوَّلون أنَّ الذين أخْبَر اللَّهُ عنهم مِن الكفارِ أنه فعَل ذلك بهم هم قادةُ الأحزابِ الذين قُتِلوا يومَ بدرٍ.
حدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجَّاجِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ: هاتان الآيتان إلى قولِه (^٣): ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ هم ﴿لَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨]. وهم الذين قُتِلوا يومَ بدرٍ، فلم يَدْخُلْ مِن القادةِ أحدٌ في الإسلامِ إلا رجلان؛ أبو سفيانَ، والحَكَمُ بنُ أبي العاصِ (^٤).
حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ
_________________
(١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤١ (٩٤) من طريق سلمة به، وتقدم طرف منه في ص ٢٥٨، وسيأتي تمامه في ص ٢٧٤.
(٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٧١ عن السدي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٩ إلى المصنف عن ابن مسعود وحده. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤١، ٤٢ (٩٥، ١٠١) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط، عن السدي من قوله. وينظر تفسير الثوري ص ٤١.
(٣) زيادة من: ر.
(٤) تقدم في ص ٢٥٩ من طريق آخر عن ابن أبي جعفر به.
[ ١ / ٢٧٣ ]
ابنِ أنسٍ، عن الحسنِ، قال: أما القادةُ فليس فيهم نجيبٌ (^١)، ولا ناجٍ، ولا مهتدٍ.
وقد دلَّلنا فيما مضَى على أَوْلى هذين التأويلين بالصوابِ فكرِهنا إعادتَه.