إن قال لنا قائلٌ: أو ليس المنافقون قد خدَعوا المؤمنين بما أظْهَروا بألسنتِهم مِن قِيلِ الحقِّ - عن أنفسِهم وأموالِهم وذراريِّهم حتى سلِمَت لهم دنياهم، وإن كانوا قد كانوا مَخْدوعين في أمرِ آخرتِهم؟
قيل: خطأٌ أن يقالَ: إنهم خدَعوا المؤمنين. لأنَّا إذا قلنا ذلك أوْجَبنا لهم حقيقةَ خدْعةٍ جازت (^٤) لهم على المؤمنين. كما أنَّا لو قلنا: قتَل فلانٌ فلانًا. أوْجَبنا له حقيقةَ قتلٍ كان منه لفلانٍ، ولكنا نقولُ: خادَع المنافقون ربَّهم [والمؤمنين ولم] (^٥) يَخْدَعوهم، بل خدَعوا أنفسَهم - كما قال اللَّهُ جلَّ ثناؤُه - دونَ غيرِها. نظيرَ ما تقولُ في رجلٍ قاتَل آخرَ فقتَل نفسَه ولم يَقْتُلْ صاحبَه: قاتلَ فلانٌ فلانًا ولم يَقْتُلْ إلا نفسَه. فتُوجبُ له مقاتلةَ صاحبِه، وتَنْفِي عنه قتلَه صاحبَه، وتُوجِبُ له قتلَ نفسِه. فكذلك تقولُ: خادَع المنافقُ ربَّه والمؤمنين فلم
_________________
(١) بعده في ر: "به".
(٢) في ر، ت ٢: "بالتحلية".
(٣) في ص: "يخادعون"
(٤) في م: "جاءت".
(٥) في ص: "المؤمنون لم".
[ ١ / ٢٨٣ ]
يَخْدَعْ إلا نفسَه. فتُثْبِتُ منه خِداعَه (^١) ربَّه والمؤمنين، وتَنْفِي (^٢) أن يكونَ خدَع غيرَ نفسِه؛ لأن الخادِعَ هو الذي قد صحَّت له الخديعةُ ووقَع منه فعلُها، والمنافقون لم يَخْدَعوا غيرَ أنفسِهم؛ لأن ما كان لهم من أهلٍ ومالٍ، فلم يكنِ المسلمون ملَكوه عليهم في حالِ خِداعِهم إيَّاهم (^٣) عنه بنفاقِهم ولا قبلَها، فيَسْتَنْقِذوه (^٤) بخِداعِهم منهم، وإنما دافعوا عنه بكَذِبِهم وإظهارِهم بألسنتِهم غيرَ الذي في ضمائرِهم، وبحُكْمِ (^٥) اللَّهِ لهم في أموالِهم وأنفسِهم وذراريِّهم في ظاهرِ أمورِهم بحكمِ ما انْتَسَبوا إليه مِن الملَّةِ، واللهُ بما يُخْفُون مِن أمورِهم عالمٌ، وإنما الخادعُ مَن ختَل (^٦) غيرَه عن شيئِه والمخدوعُ غيرُ عالِمٍ بموضعِ خديعةِ خادعِه. فأما والمخادَعُ عارفٌ بخِداعِ صاحبِه إيَّاه، و(^٧) غيرُ لاحقِه مِن خِداعِه إيَّاه مكروهٌ، بل إنما يَتجافى للظانِّ به أنه له مخادِعٌ؛ اسْتِدْراجًا ليَبْلُغَ غايةً يتكامَلُ له عليه الحُجَّةُ للعقوبةِ التي هو به (^٨) مُوقِعٌ عندَ بلوغِه إيَّاها، والمُستدرَجُ غيرُ عالمٍ بحالِ نفسِه عندَ مُسْتدرِجِه، ولا عارفٍ باطِّلاعِه على ضميرِه، وأنَّ إمهالَ مُستدرجِه [إياه، وتركَه معاجلةَ عقوبتِه] (^٩) على جُرْمِه؛ لِيَبْلُغَ المخاتِلُ المخادِعُ مِن استحقاقِه عقوبةَ مُستدرِجِه - بكثرةِ إساءتِه، [وطولِ عِصيانِه إيّاه، وكثرةِ صَفْحِ المستدرِجِ] (^١٠)، وطولِ عفوِه عنه - أقصَى غايةٍ، فإنما هو خادِعٌ نفسَه لا شكَّ، دونَ مَن حدَّثَته نفسُه أنه له مخادِعٌ،
_________________
(١) في م: "مخادعة"
(٢) بعده في م: "عنه".
(٣) في م: "إياه".
(٤) في ص: "فيستبعدوه".
(٥) في م: "يحكم". وغير منقوطة في ر، ت ٢.
(٦) ختل: خدع عن غفلة. اللسان (خ ت ل).
(٧) سقط من: ص.
(٨) في م: "بها".
(٩) في م: "وتركه إياه معاقبته".
(١٠) سقط من: ص.
[ ١ / ٢٨٤ ]
ولذلك نفَى اللَّهُ جلَّ ثناؤُه عن المنافقِ أن يكونَ خدَع غيرَ نفسِه، إذ كانت الصفةُ التي وصَفْنا صفتَه.
وإذ كان الأمرُ على ما وصَفنا مِن خِداعِ المنافقِ ربَّه وأهلَ الإيمانِ به، وأنه غيرُ صائرٍ (^١) بخِداعِه ذلك إلى خديعةٍ صحيحةٍ إلا لنفسِه دونَ غيرِها؛ لِمَا يُوَرِّطُها بفعلِه مِن الهلاكِ والعَطَبِ، فالواجِبُ إذن أن يكونَ الصحيحُ مِن القراءةِ: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾. دونَ: (وَمَا يُخَادِعُونَ). لأن لفظَ المخادِعِ غيرُ مُوجِبٍ تثبيتَ خديعةٍ على صِحَّةٍ، ولفظَ خادِعٍ مُوجِبٌ تثبيتَ خديعةٍ على صِحَّةٍ. ولا شكَّ أن المنافقَ قد أوْجَب تثبيتَ (^٢) خديعةِ اللَّهِ لنفسِه، بما رَكِب مِن خِداعِه ربَّه ورسولَه والمؤمنين بنفاقِه، فلذلك وَجَبت الصِّحَّةُ لقراءةِ مَن قرَأ: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾.
ومن الدَّلالةِ أيضًا على أن قراءةَ من قرَأ: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ﴾. أوْلَى بالصحَّةِ مِن قراءةِ مَن قرَأ: (وَمَا يُخَادِعُونَ). أَنَّ اللَّهَ جلَّ ثناؤُه قد أخْبَر عنهم أنهم يُخادِعون اللَّهَ والمؤمنين في أوَّلِ الآيةِ، فمُحالٌ أن يَنْفِيَ عنهم ما قد أثْبَت أنهم قد فعَلوه؛ لأن ذلك تضادٌّ في المعنى، وذلك غيرُ جائزٍ مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤُه (^٣).