قال أبو جعفرٍ: وخداعُ المنافقِ ربَّه والمؤمنين إظهارُه بلسانِه مِن القولِ والتصديقِ خلافَ الذي في قلبِه مِن الشكِّ والتكذيبِ؛ ليَدْرأَ عن نفسِه بما أظْهَر بلسانِه حكمَ
_________________
(١) في ص، م: "بالعقيم".
(٢) يشير إلى قوله جل ثناؤه: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٥].
(٣) زيادة من: ر.
(٤) بعده في ص، م: "من".
(٥) في ر، م: "فيما".
[ ١ / ٢٧٩ ]
اللَّهِ اللازمَ من كان بمثلِ حالِه مِن التكذيبِ، لو لم يُظْهِرْ بلسانِه ما أظْهَر مِن التصديقِ والإقرارِ - مِن القتلِ والسِّباءِ، فذلك خِداعُه ربَّه وأهلَ الإيمانِ باللَّهِ.
فإن قال قائلٌ: وكيف يكونُ المنافقُ للَّهِ وللمؤمنين مخادِعًا، وهو لا يُظْهِرُ بلسانِه خلافَ ما هو له معتقدٌ إلا تَقِيَّةً؟
قيل: لا تَمْتَنِعُ العربُ (^١) أن تُسَمِّيَ مَن أعْطَى بلسانِه غيرَ (^٢) الذي هو في ضميرِه تَقِيَّةً - لينجوَ مما هو له خائفٌ، فنجا بذلك مما خافه - مخادِعًا لمن تَخَلَّص منه بالذي أظْهَر له مِن التقِيَّةِ، فكذلك المنافقُ، سُمِّي مخادعًا للَّهِ - جلّ وعزّ - وللمؤمنين، بإظهارِه ما أظْهَر بلسانِه تَقيَّةً، مما تَخَلَّص به مِن القتلِ والسِّباءِ في (^٣) العاجلِ، وهو لغيرِ ما أظْهَر مستبطِنٌ، وذلك من فعلِه وإن كان خِداعًا للمؤمنين في عاجلِ الدنيا، فهو لنفسِه بذلك مِن فعلِه خادعٌ؛ لأنه يُظْهِرُ لها بفعلِه ذلك بها أنه يُعْطِيها أمنيَّتَها، ويُسْقِيها كأسَ سرورِها، وهو (^٤) مُوردُها به حياضَ عَطَبِها، ومُجَرِّعُها به كأسَ عذابِها، ومُذيقُها (^٥) مِن غضبِ اللَّهِ وأليمِ عقابِه ما لا قِبَلَ لها به، فذلك خديعتُه نفسَه، ظنًّا منه - مع إساءتِه إليها في أمرِ مَعادِها - أنه إليها مُحْسِنٌ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ (^٦) إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. إعلامًا منه عبادَه المؤمنين أن المنافقين
_________________
(١) بعده في ص: "من".
(٢) في ر: "خلاف".
(٣) في ص، م: "والعذاب".
(٤) سقط من: م.
(٥) في ر: "مزيدها"، وفي ت ١: "مريرها"، وفي ت ٢: "مزبرها"، وغير منقوطة في ص، وفي تفسير ابن كثير ١/ ٧٤ نقلًا عن المصنف "مزيرها"، وكذا استصوبها الشيخ شاكر في تعليقه على تفسير الطبري.
(٦) في ص: "يخادعون". وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو. وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي كالمثبت. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ١٣٩. وسيأتي كلام المصنف على هاتين القراءتين في ص ٢٨٣ وما بعدها. وينظر أيضًا حجة القراءات ص ٨٧.
[ ١ / ٢٨٠ ]
بإساءتِهم إلى أنفسِهم، و(^١) إسخاطِهم عليهم (^٢) ربَّهم، بكفرِهم وشكِّهم وتكذيبِهم، غيرُ شاعرين ولا دارِين، ولكنهم على عَمْياءَ مِن أمرِهم مُقيمون.
وبنحوِ ما قلنا في تأويلِ ذلك كان ابنُ زيدٍ يقولُ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرنا ابنُ وهبٍ، قال: سألتُ عبدَ الرحمنِ بنَ زيدٍ عن قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: هؤلاء المنافقون يُخادِعون اللَّهَ ورسولَه والذين آمنوا، أنهم مؤمنون بما أظْهَروا (^٣).
وهذه الآيةُ مِن أوضحِ الدليلِ على تكذيبِ اللَّهِ قولَ (^٤) الزاعِمِين أن اللَّهَ لا يُعذِّبُ مِن عبادِه إلا مَن كفَر به عنادًا، بعدَ علمِه بوحدانيتِه، وبعدَ تقرُّرِ صحةِ ما عانَد ربَّه عليه مِن توحيدِه، والإقرارِ بكتبِه ورسلِه عندَه (^٥)؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه قد أخْبَر عن الذين وصَفهم بما وصَفهم به مِن النفاقِ، وخداعِهم إيَّاه والمؤمنين، أنهم لا يَشْعُرون أنهم مُبْطِلون فيما هم عليه مِن الباطلِ مُقِيمون، وأنهم بخداعِهم الذي يَحْسَبون أنهم به يُخادِعون ربَّهم وأهلَ الإيمانِ به - مخدوعون. ثم أخْبَر جلّ ذكرُه أن لهم عذابًا أليمًا بتكذيبِهم (^٦) بما كانوا يكذِّبون مِن نبوةِ نبيِّه ﷺ، واعتقادِ الكفرِ به، وبما كانوا يَكْذِبون في زعمِهم أنهم مؤمنون، وهم على الكفرِ مُصرُّون.
فإن قال لنا قائلٌ: قد علِمْتَ أن المفاعلةَ لا تكونُ إلا مِن فاعلَيْن،
_________________
(١) في ص، م: "في".
(٢) سقط من: م.
(٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٠ إلى المصنف، وسيأتي تمامه ص ٢٨٦.
(٤) سقط من: ص.
(٥) في ص: "عنه".
(٦) سقط من: ر.
[ ١ / ٢٨١ ]
كقولِك: ضاربتُ أخاك، وجالَسْتُ أباك. إذا كان كلُّ واحدٍ منهما (^١) مجالسَ صاحبِه ومضاربَه، فأما إذا كان الفعلُ مِن أحدِهما فإنما يقالُ: ضرَبتُ أخاك. أو (^٢): جلَستُ إلى أبيك. فمَن خادع المنافقَ فجاز أن يقالَ فيه: يُخادِعُ (^٣) اللَّهَ والمؤمنين؟
قيل: قد قال بعضُ المنسوبين إلى العلمِ بلغاتِ العربِ (^٤): إن ذلك حَرْفٌ جاء بهذه الصورةِ، أعني "يُخادِعُ" بصورةِ "يُفاعِلُ"، وهو بمعنى "يَفْعَلُ"، في حروفٍ أمثالِها شاذَّةٍ مِن منطقِ العربِ، نظيرَ قولِهم: قاتَلك اللَّهُ. بمعنى: قتَلك اللَّهُ.
وليس القولُ في ذلك عندي كالذي قال، بل ذلك مِن التفاعُلِ (^٥) الذي لا يكونُ إلا مِن اثنين، كسائرِ ما يُعرفُ مِن معنى "يُفاعِلُ ومُفاعِل" في كلِّ كلامِ العربِ. وذلك أن المنافقَ يُخادِعُ اللَّهَ جلَّ ثناؤه بكَذِبِه بلسانِه - على ما قد تقدَّم وصفُه - واللَّهُ خادِعُه بخِذْلانِه عن حسنِ البصيرةِ بما فيه نجاةُ نفسِه في آجلِ مَعادِه، كالذي أخْبَر في قولِه: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ (^٦) الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨]. وبالمعنَى الذي أخْبَر أنه فاعلٌ به في الآخرةِ بقولِه: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] الآية. فذلك نظيرُ سائرِ ما يأتي من معاني الكلامِ بـ "يُفاعلُ ومُفاعل".
_________________
(١) سقط من: م.
(٢) في م: "و".
(٣) في ص، م: "خادع".
(٤) يعني أبا عبيدة في مجاز القرآن ١/ ٣١.
(٥) في ر، ت ٢: "المفاعل".
(٦) في ر، ت ٢: "تحسبن". بالتاء، وتنظر هاتان القراءتان في موضعهما من التفسير.
[ ١ / ٢٨٢ ]
وقد كان بعضُ أهلِ النحوِ مِن أهلِ البصرةِ يقولُ: لا تكونُ المفاعلةُ إلا مِن شيئين، ولكنه إنما قيل: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ عندَ أنفسِهم بظنِّهم ألا يُعاقَبوا، فقد علِموا خلافَ ذلك في أنفسِهم، بحجةِ اللَّهِ - جلّ وعزّ - الواقعةِ على خلقِه بمعرفتِه، ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ قال: وقد قال بعضُهم: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ (^١)﴾. يقولُ: يَخْدَعون أنفسَهم بالتَّخْليةِ (^٢) بها، وقد تكونُ المفاعلةُ مِن واحدٍ في أشياءَ كثيرةٍ.