قال أبو جعفرٍ: والدينُ في هذا الموضعِ بتأويلِ الحسابِ والمُجازاةِ بالأعمالِ، كما قال كعبُ بنُ جُعَيْلٍ (^٣):
إذا ما رَمَوْنا رمَيْناهُم … ودِنَّاهُمُ مثلَ ما يُقْرِضونا
وكما قال الآخرُ (^٤):
[واعْلَمْ وأَيْقِن أن مُلْكَك زائلٌ] (^٥) … واعْلَمْ بأنَّك ما تَدِينُ تُدانُ
يعني: ما تَجْزِي تُجازَى.
ومِن ذلك قولُ اللَّهِ جل ثناؤُه: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ يعني بالجزاءِ ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار: ٩، ١٠]. يُحْصون ما تَعْمَلون مِن الأعمالِ. وقولُه تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦]. يعني غيرَ مَجْزِيِّين بأعمالِكم ولا مُحاسَبِين.
_________________
(١) في ر: "قال وقراءة".
(٢) بعده في ص، م: "جميع".
(٣) وقعة صفين ص ٥٧، والكامل ١/ ٣٢٧، والمخصص ١٧/ ١٥٥ (المجلد الخامس).
(٤) نسبه في مجاز القرآن ١/ ٢٣ لابن نفيل، وفي اللسان (ز ن أ)، (د ي ن) لخويلد بن نوفل الكلابي، ودون نسبة في الكامل ١/ ٣٢٨، والمخصص ١٧/ ١٥٥ (المجلد الخامس).
(٥) ورد هذا الشطر في اللسان (ز ن أ) هكذا: * يا حار إنك ميت ومحاسب * وفيه أيضًا (د ي ن): * يا حار أيقن أن ملكك زائل *
[ ١ / ١٥٧ ]
وللدينِ معانٍ في كلامِ العربِ غيرُ معنى الحسابِ والجزاءِ سنَذْكُرُها في أماكنِها إن شاء اللَّهُ.
وبما قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ جاءت الآثارُ عن السلفِ مِن المفسِّرِين، مع تصحيحِ الشواهدِ تأويلَهم الذي تأوَّلوه في ذلك (^١).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ محمدُ بنُ العَلاءِ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ: ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾. قال: يومُ حسابِ الخَلائقِ، هو يومُ القيامةِ، يَدِينُهم بأعمالِهم، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا، إلا مَن عفا عنه، فالأمرُ أمرُه. ثم قال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (^٢) [الأعراف: ٥٤].
حدَّثني موسى بنُ هارونَ الهَمْدانيُّ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ القَنَّادُ، قال: حدَّثنا أسْباطُ بنُ نصرٍ الهَمْدانيُّ، عن إسماعيلَ بنِ عبدِ الرحمنِ السُّدِّيِّ، عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾: هو يومُ الحسابِ (^٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. قال: يومَ يَدِينُ اللَّهُ
_________________
(١) بعده في ص، ت ١: "ما".
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٩ (٢٥) من طريق أبي كريب به، دون آية الأعراف.
(٣) أخرجه الحاكم ٢/ ٢٥٨ من طريق عمرو، عن أسباط، عن السدي، عن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة. وصححه على شرط مسلم. وأخرجه ابن أبي الدنيا في الأهوال (٣٤) من طريق عمرو، عن أسباط، عن السدي من قوله.
[ ١ / ١٥٨ ]
العبادَ بأعمالِهم (^١).
حدَّثنا القاسمُ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ داودَ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. قال: يومَ يُدانُ الناسُ بالحسابِ.