قال أبو جعفرٍ: والقَرَأةُ مُجْمِعةٌ على قراءةِ: ﴿غَيْرِ﴾. بجرِّ الراءِ منها. والخفضُ يأتيها مِن وجهين:
أحدُهما، أن يكونَ ﴿غَيْرِ﴾ صفةً لـ ﴿الَّذِينَ﴾ ونعتًا لهم فتَخْفِضَها، إذا كان ﴿الَّذِينَ﴾ خفضًا، وهي لهم نعتٌ وصفةٌ. وإنما جاز أن يكونَ ﴿غَيْرِ﴾ نعتًا لـ ﴿الَّذِينَ﴾، و﴿الَّذِينَ﴾ معرفةٌ، و﴿غَيْرِ﴾ نكرةٌ؛ لأن ﴿الَّذِينَ﴾ بصلتِها ليست بالمعرفةِ المؤقتةِ، كالأسماءِ التي هي أماراتٌ بينَ الناسٍ، مثلَ زيدٍ وعمرٍو، وما أشْبَهَ ذلك، وإنما هي كالنكراتِ المجهولاتِ (^١)، مثلَ الرجلِ والبعيرِ، وما أشْبَهَ ذلك. فلما كان ﴿الَّذِينَ﴾ كذلك صفتُها، وكانت ﴿غَيْرِ﴾ مضافةً إلى مجهولٍ مِن الأسماءِ نظيرَ ﴿الَّذِينَ﴾ في أنه معرفةٌ غيرُ مؤقتةٍ، كما ﴿الَّذِينَ﴾ معرفةٌ غيرُ مؤقتةٍ، جاز مِن أجلِ ذلك أن يكونَ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ نعتًا لـ ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [كما يقالُ: لا أَجْلِسُ إلا إلى العالمِ غير الجاهلِ. يُرادُ: لا أجْلِسُ إلا إلى مَن يَعْلَمُ، لا إلى مَن يَجْهَلُ. ولو كان ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ معرفةً مؤقتةً، كان غيرَ] (^٢)
_________________
(١) في ر: "المجمولات".
(٢) سقط من: ر.
[ ١ / ١٨٠ ]
[جائزٍ أن يكونَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ لها نعتًا، وذلك أنه خطأٌ في كلامِ العربِ إذا وُصِفَت معرفةٌ مؤقتةٌ بنكرةٍ - أن تُلْزِمَ نعتَها النكرةَ إعرابَ المعرفةِ المنعوتِ بها، إلا على نيةِ تكريرِ ما أعربَ المنعوتَ بها. خطأٌ في كلامِهم أن يقالَ: مررْتُ بعبدِ اللَّهِ [غيرِ العالمِ. فتَخْفِضَ "غير" إلا على نيةِ تكريرِ الباءِ التي أعرَبَتْ عبدَ اللَّهِ. فكأنَّ معنى ذلك لو قيل كذلك: مرَرْتُ بعبدِ اللَّهِ] (^١)، مررتُ بغيرِ العالمِ. فهذا أحدُ وجْهَيِ الخفضِ في ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾] (^٢).
والوجهُ الآخرُ مِن وجهَيِ الخفضِ فيها، أن يكونَ ﴿الَّذِينَ﴾ بمعنى المعرفةِ المؤقتةِ، وإذا وُجِّه إلى ذلك، كانت ﴿غَيْرِ﴾ مخفوضةً بنيةِ تكريرِ الصراطِ الذي خُفِض ﴿الَّذِينَ﴾، عليها، فكأنك قلتَ: صراطَ الذين أنعَمْت عليهم، صراطَ غيرِ المغضوبِ عليهم.
وهذان التأويلان في ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وإن اخْتَلَفا باختلافِ مُعْرِبِيهما، فإنهما يَتَقارَبُ معناهما، مِن أجلِ أن مَن أنْعَم اللَّهُ عليه فهداه لدينِه الحقِّ فقد سلِم مِن غضبِ ربِّه، ونجا مِن الضَّلالِ في دينِه.
فسواءٌ - إذ كان سامعُ قولِه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ غيرَ جائزٍ أن يَرتابَ مع سماعِه ذلك مِن تاليه في أن الذين أنْعَم اللَّهُ عليهم بالهدايةِ للصراطِ غيرُ غاضبٍ ربُّهم عليهم، مع النعمةِ التي قد عظُمَت مِنَّتُه بها عليهم في دينِهم، ولا أن يكونوا ضُلَّالًا وقد هداهم الحقَّ (^٣) ربُّهم، إذ كان مستحيلًا في فِطَرِهم اجتماعُ الرِّضَا مِن اللَّهِ جل ثناؤُه عن شخصٍ والغضبِ
_________________
(١) سقط من: ص.
(٢) سقط من: ر.
(٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: "للحق".
[ ١ / ١٨١ ]
عليه في حالٍ واحدةٍ، واجتماعُ الهُدَى والضَّلالِ له في وقتٍ واحدٍ - وُصِف القومُ - مع وَصْفِ اللَّهِ إياهم بما وصَفَهم به مِن توفيقِه إياهم وهدايتِه لهم، وإنعامِه عليهم بما أنْعَم اللَّهُ به عليهم في دينِهم بأنهم غيرُ مغضوبٍ عليهم ولا هم ضالُّون - أم لم يُوصَفوا بذلك؛ لأن الصفةَ الظاهرةَ التي وُصِفوا بها قد أنْبَأَت عنهم أنهم كذلك، وإن لم يُصَرِّحْ وصفَهم به. هذا إذا وجَّهْنا ﴿غَيْرِ﴾ إلى أنها مخفوضةٌ على نيةِ تكريرِ الصراطِ الخافضِ ﴿الَّذِينَ﴾، ولم نَجْعَلْ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ مِن صفةِ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بل إذا جعَلْناهم غيرَهم، وإن كان الفريقان لا شكَّ مُنْعَمًا عليهما في أدْيانِهما. فأما إذا وجَّهْنا ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ إلى أنها مِن نعتِ ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فلا حاجةَ بسامعِه إلى (^١) الاستدلالِ، إذ كان الصريحُ مِن معناه قد أغْنَى عن الدليلِ.
وقد يَجوزُ نصبُ: ﴿غَيْرِ﴾ (^٢) في: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وإن كنتُ للقراءةِ بها كارهًا لشُذوذِها عن قراءةِ القُرَّاءِ، وأن ما شذَّ مِن القراءات عما جاءت به الأمةُ نقلًا ظاهرًا مُسْتَفيضًا، فرأيٌ للحقِّ مخالفٌ، وعن سبيلِ اللَّهِ وسبيلِ رسولِه ﷺ وسبيلِ المسلمين مُتجانِفٌ، وإن كان له - [لو كان جائزَ القراءةِ] (^٣) به - في الصوابِ مَخْرَجٌ.
وتأويلُ وجهِ صوابِه إذا نصَبْتَ أن يُوَجَّهَ إلى أن يَكونَ صفةً للهاءِ والميمِ اللتين في
_________________
(١) في م: "إلا".
(٢) والنصب رواية عن ابن كثير - وهو من السبعة - وقرأ بها من الصحابة؛ عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن الزبير. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ١١١، والبحر المحيط ١/ ٢٩.
(٣) في م: "كانت القراءة جائزة".
[ ١ / ١٨٢ ]
﴿عَلَيْهِمْ﴾ العائدةِ على ﴿الَّذِينَ﴾ لأنها وإن كانت مخفوضةً بـ "على"، فهي في محلِّ نصبٍ بقولِه: ﴿أَنْعَمْتَ﴾. فكان (^١) تأويلُ الكلامِ - إذا نصَبْتَ (غَيْرَ) التي مع ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ - صراطَ الذين هدَيْتَهم إنعامًا منك عليهم، غيرَ مغضوبٍ عليهم - أي: لا مَغضوبًا عليهم - ولا ضالين. فيكونُ النصبُ في ذلك حينَئذٍ كالنصبِ في "غيرِ"، في قولِك: مرَرْتُ بعبدِ اللَّهِ غيرَ الكريمِ ولا الرشيدِ. فتَقْطَعُ غيرَ الكريمِ مِن عبدِ اللَّهِ، إذ كان عبدُ اللَّهِ معرفةً مؤقتةً، وغيرُ الكريمِ نكرةً مجهولةً.
وقد كان بعضُ نحويِّي البصريين يَزْعُمُ أن قراءةَ مَن نصَب (غَيْرَ) في ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ على وجه استثناءِ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ مِن معاني صفةِ ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ كأنه كان يرَى أن معنى الذين قرَءوا ذلك نصبًا: اهدنا الصراطَ المستقيمَ، صراطَ الذين أنعمتَ عليهم، إلا المغضوبَ عليهم، الذين لم تُنْعِمْ عليهم في أديانِهم ولم تَهْدِهم للحقِّ، فلا تَجْعَلْنا منهم.
كما قال نابغةُ بني ذبيانَ (^٢):
وقَفْتُ فيها أُصَيْلَالًا (^٣) أُسائِلُها … عَيَّت (^٤) جوابًا وما بالرَّبْعِ (^٥) مِن أحدِ
_________________
(١) في م: "فكأن".
(٢) ديوانه ص ٢، ٣.
(٣) الأصيل: العشى، والجمع أُصُل وأُصلان، وتصغيره أصيلان وأصيلال. اللسان (أ ص ل).
(٤) في م: "أعيت".
(٥) الربع: المنزل والدار. اللسان (ر ب ع).
[ ١ / ١٨٣ ]
إلَّا أَوارِيَّ (^١) لَأْيًا (^٢) ما أُبَيِّنُها … والنُّؤْيُ (^٣) كالحوضِ بالمظلومةِ (^٤) الجَلَدِ (^٥)
والأوارِيُّ معلومٌ أنها ليست من عِدَادِ أحدٍ في شيءٍ. فكذلك عندَه اسْتَثْنَى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ مِن ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وإن لم يكونوا مِن معانيهم في الدينِ في شيءٍ.
وأما نحويُّو الكوفيين فأنْكَروا هذا التأويلَ واستَخْطَئوه (^٦)، وزعَموا أن ذلك أو كان كما قاله الزاعمُ [ما زعَم] (^٧) مِن أهلِ البصرةِ، لكان خطأً أن يقالَ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ لأن "لا" نفيٌ وجَحْدٌ، ولا يُعْطَفُ بجحدٍ إلا على جحدٍ. وقالوا: لم نَجِدْ في شيءٍ مِن كلامِ العربِ استثناءً يُعْطَفُ عليه بجحدٍ، وإنما وجَدْناهم يَعْطِفون على الاستثناءِ بالاستثناءِ، وبالجحدِ على الجحدِ، فيقولون في الاستثناءِ: قام القومُ إلا أخاك وإلا أباك. وفي الجحدِ: ما قام أخوك ولا أبوك. وأما: قام القومُ إلا أباك ولا أخاك. فلم نَجِدْه في كلامِ العربِ. قالوا: فلما كان ذلك معدومًا في كلامِ العربِ، وكان القرآنُ بأفصحِ لسانِ العربِ نزولُه، علِمْنا - إذ كان قولُه: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ معطوفًا على قولِه: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ - أن: ﴿غَيْرِ﴾ بمعنى الجحدِ لا بمعنى إلاستثناءِ، وأن تأويلَ مَن وجَّهَها إلى الاستثناءِ خطأٌ.
_________________
(١) الأواري جمع آرِيٍّ: محبس الدابة. اللسان (أ ر ى).
(٢) اللأى: المشقة والجهد. اللسان (ل أ ى).
(٣) النؤى: الحفير حول الخباء أو الخيمة يدفع عنها السيل يمينا وشمالا ويبعده. اللسان (ن أ ى).
(٤) المظلومة: يعني أرضا مروا بها في برية فتحوضوا حوضا سقوا فيه إبلهم، وليست بموضع تحويض. اللسان (ظ ل م).
(٥) الجلد: الغليظ من الأرض، والأرض الصلبة. اللسان (ج ل د).
(٦) ص: "استخفوه".
(٧) سقط من: م، ت ٣.
[ ١ / ١٨٤ ]
فهذه أوجهُ تأويلِ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ باختلافِ أوجهِ إعرابِ ذلك.
وإنما اعْتَرَضْنا بما اعتَرَضْنا في ذلك مِن بيانِ وُجوهِ إعرابِه - وإن كان (^١) قصدُنا في هذا الكتابِ الكشفَ عن تأويلِ آيِ القرآنِ - لما في اختلافِ وجوهِ إعرابِ ذلك مِن اختلافِ وجوهِ تأويلِه، فاضْطَرَّتْنا الحاجةُ إلى كشفِ وجوهِ إعرابِه، لتَنْكَشِفَ لطالبِ تأويلِه وجوهُ تأويلِه على قدرِ اختلافِ المُخْتَلِفةِ في تأويلِه وقراءتِه.
والصوابُ مِن القولِ في تأويلِه وقراءتِه عندَنا القولُ الأولُ، وهو قراءةُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ بخفضِ الراءِ مِن ﴿غَيْرِ﴾ بتأويلِ أنها صفةُ ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ونعتٌ لهم - لما قد قدَّمْنا مِن البيانِ - إن شئتَ، وإن شئتَ فبتأويلِ تكريرِ ﴿صِرَاطَ﴾، كلُّ ذلك صوابٌ حسنٌ.
فإن قال لنا قائلٌ: فمَن هؤلاء المغضوبُ عليهم الذين أمَرَنا اللَّهُ جل ثناؤه بمسألتِه ألا يَجْعَلَنا منهم؟
قيل: هم الذين وصَفَهم اللَّهُ جل ثناؤُه في تنزيلِه، فقال: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٦٠]. فأَعْلَمَنا جل ذكرُه بمنِّه (^٢) ما أحَلَّ بهم مِن عقوبتِه بمعصيتِهم إياه، ثم علَّمَنا، مِنَّةً (^٣) منه علينا، وجهَ السبيلِ إلى النجاةِ مِن أن يَحِلَّ بنا مثلُ الذي حلَّ بهم مِن المَثُلاتِ (^٤)، ورأفةً منه بنا.
فإن قال: وما الدليلُ على أنهم أولاءِ الذين وصَفَهم اللَّهُ، وذكَر نبأَهم في تنزيلِه
_________________
(١) بعده في ص: "ذلك".
(٢) في ص: "ثمة".
(٣) في ر: "منا".
(٤) المثلات جمع مَثُلة: العقوبات. اللسان (م ث ل).
[ ١ / ١٨٥ ]
على ما وصَفْتَ؟
قيل: حدَّثني أحمدُ بنُ الوليدِ الرَّمْليُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ جعفرٍ الرَّقِّيُّ (^١)، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنةَ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن الشعبيِّ، عن عديِّ بنِ حاتمٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "المغْضُوبُ عليهم اليَهُودُ" (^٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن سِماكٍ، قال: سمِعْتُ عَبَّادَ بنَ حُبَيْشٍ يُحَدِّثُ عن عَدِيِّ بنِ حاتمٍ، قال: قال لي رسولُ اللَّهِ ﷺ: "إنَّ المغْضُوبَ عليهم اليَهُودُ" (^٣).
حدَّثني عليُّ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مصعبٍ، عن حمادِ بنِ سلمةَ، عن سماكِ بنِ حربٍ، عن مُرِّيِّ بنِ قَطَريٍّ، عن عديِّ بنِ حاتمٍ، قال: سألْتُ النبيَّ ﷺ عن قولِ اللَّهِ - جلَّ وعزَّ -: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ قال: "هم اليَهُودُ" (^٤).
_________________
(١) في ر: "البرقي". وينظر تهذيب الكمال ١٤/ ٣٧٦.
(٢) أخرجه تمام في الفوائد (١٣٢٥ - الروض البسام) من طريق أحمد بن الوليد به. وهكذا ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٤٦ عن ابن عيينة به. وأخرجه ابن عيينة في تفسيره - كما في الدر المنثور ١/ ١٦ - وعنه سعيد بن منصور في سننه (١٧٩ - تفسير) عن إسماعيل بن أبي خالد، أن النبي ﷺ قال لعدي بن حاتم، مرسل. وسيأتي باقي هذا الحديث في ص ١٩٤.
(٣) أخرجه الترمذي (٢٩٥٤) عن محمد بن المثنى به. وأخرجه أحمد ٤/ ٣٧٨ (الميمنية)، والترمذي (٢٩٥٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣١ (٤٠)، وابن حبان (٦٢٤٦، ٧٢٠٦)، والطبراني في الكبير ١٧/ ٩٩ (٢٣٧)، والبيهقي في الدلائل ٥/ ٣٣٩، ٣٤٠ من طريق محمد بن جعفر به. وأخرجه الترمذي (٢٩٥٣ م)، وابن أبي حاتم ١/ ٣١ (٤١)، والطبراني ١٧/ ٩٨ (٢٣٦) من طريق سماك به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث سماك بن حرب.
(٤) قد خولف حماد بن سلمة في إسناد هذا الحديث؛ خالفه شعبة، وتقدم في الحديث قبله. ورواه =
[ ١ / ١٨٦ ]
حدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدةَ الساميُّ (^١)، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: حدَّثنا الجُرَيْريُّ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ شَقيقٍ (^٢)، أن رجلًا أتَى رسولَ اللَّهِ ﷺ وهو مُحاصِرٌ (^٣) واديَ القُرَى، فقال: مَن هؤلاءِ الذين تُحاصِرُ يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: "هؤلاء المَغْضُوبُ عليهم اليَهُودُ" (^٤).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن سعيدٍ الجُرَيْريِّ، عن عروةَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ شَقيقٍ، أن رجلًا أتَى رسولَ اللَّهِ ﷺ. فذكَر نحوَه (^٥).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أنْبَأَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن بُدَيْلٍ العُقَيْليِّ، قال: أخْبَرَني عبدُ اللَّهِ بنُ شَقيقٍ، أنه أخْبَرَه مَن سَمِع النبيَّ ﷺ وهو بوادي القُرَى، وهو على فرسِه وسأَله رجلٌ مِن بني القَيْنِ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، مَن هؤلاءِ؟ قال: "المَغْضُوبُ عليهم". وأشار إلى اليهودِ (^٦).
_________________
(١) = عمرو بن ثابت عن سماك، عمن سمع عدي بن حاتم. أخرجه الطيالسي (١١٣٥) عن عمرو بن ثابت. وقال ابن كثير في تفسيره ١/ ٤٦: وقد رُوي حديث عدي هذا من طرق، وله ألفاظ كثيرة يطول ذكرها.
(٢) سقط من: ص، ر، ت ١، وفي م، ت ٢، ت ٣: "الشامي". وينظر تهذيب الكمال ٧/ ٣٩٥.
(٣) في ص: "سفيان". وينظر تهذيب الكمال ١٥/ ٨٩.
(٤) في ص، ت ١: "يحاصر".
(٥) أخرجه أبو عبيد في الأموال (٧٦٥) من طريق الجريري به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٦ إلى وكيع وعبد بن حميد. وسيأتي باقي هذا الحديث في ص ١٩٥.
(٦) أشار ابن كثير في تفسيره ١/ ٤٦ إلى رواية عروة، وقال: ووقع في رواية عروة تسمية عبد اللَّه بن عمر، فاللَّه أعلم.
(٧) تفسير عبد الرزاق - كما في الدر المنثور ١/ ١٦ - وعنه أحمد ٥/ ٣٢، ٣٣، ٧٧ (الميمنية). وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد والبغوي في معجم الصحابة وابن المنذر وأبي الشيخ. وأخرجه البلاذري في أنساب الأشراف ١/ ٤٤٥، وأبو يعلى (٧١٧٩)، والطحاوي ٣/ ٣٠١، والبيهقي ٦/ ٣٢٤، ٣٣٦، ٩/ ٦٢ من طريقين عن بديل - زاد البيهقي: وخالد الحذاء والزبير بن الخريت - عن عبد اللَّه =
[ ١ / ١٨٧ ]
حدَّثنا القاسمُ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا خالدٌ الواسطيُّ، عن خالدٍ الحَذَّاءِ، عن عبدِ اللَّهِ بن شَقِيقٍ، أن رجلًا سأَل النبيَّ ﷺ. فذكَر نحوَه (^١).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾. يعني اليهودَ الذين غضِب اللَّهُ عليهم (^٢).
حدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾: هم اليهودُ (^٣).
_________________
(١) = ابن شقيق، عن رجل من بلقَيْن، مطولًا ومختصرًا. وقال ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤: إسناد صحيح. وأخرجه ابن زنجويه في الأموال (١١٣٧) من طريق آخر عن عبد اللَّه بن شقيق مثله. ورواه إبراهيم بن طهمان عن بديل، فقال: عن عبد اللَّه بن شقيق، عن أبي ذر. أخرجه ابن مردويه - كما في تفسير ابن كثير ١/ ٤٦ - وقال الحافظ في الفتح ٨/ ١٥٩: إسناد حسن.
(٢) أخرجه أحمد بن منيع في مسنده - كما في المطالب العالية (٢٢٣٦) - عن هشيم، عن خالد الحذاء، عن عبد اللَّه بن شقيق: حدثني رجل من بلقَيْن، أن رجلا أتى النبي ﷺ. وأخرجه البيهقي في الشعب (٤٣٢٩) من طريق يحيى بن يحيى، عن خالد الواسطي، عن خالد الحذاء، عن عبد اللَّه بن شقيق، عن رجل، عن ابن عم له. وأخرجه الطحاوي ٣/ ٣٠١ من طريق ابن المبارك، عن خالد الحذاء، عن عبد اللَّه بن شقيق، عن رجل من بلقَيْن.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣١ (٤٢) من طريق أبي كريب به. وسيأتي باقي هذا الأثر في ص ١٩٦.
(٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٤٦ عن السدي به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٦ إلى المصنف عن ابن مسعود. وسيأتي باقي هذا الأثر في ص ١٩٦.
[ ١ / ١٨٨ ]
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ الرازيُّ، قال: حدَّثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن مُجاهِدٍ، قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾. قال: هم اليهودُ (^١).
حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ الغِفاريُّ، قال: حدَّثنا عُبيدُ (^٢) اللَّهِ، عن أبي جعفرٍ، عن ربيعٍ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾. قال: اليهودُ (^٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾. قال: اليهودُ (^٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾: اليهودُ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: حدَّثني ابنُ زيدٍ، عن أبيه، قال: المغضوبُ عليهم اليهودُ (^٥).
قال أبو جعفرٍ: واختُلِف في صفةِ الغضبِ مِن اللَّهِ جل ذكرُه؛ فقال بعضُهم: غضبُ اللَّهِ على مَن غضِب عليه مِن خلقِه إحلالُ عقوبتِه بمَن غضِب عليه، إما في دنياه وإما في آخرتِه، كما وصَف به نفسَه جل ذكرُه في كتابِه فقال: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥]. وكما قال: ﴿قُلْ
_________________
(١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٦ إلى المصنف وعبد بن حميد. وسيأتي باقي هذا الأثر في ص ١٩٥.
(٢) في ص، م، ت ١: "عبد".
(٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٦ إلى المصنف.
(٤) سيأتي باقي هذا الأثر في ص ١٩٦.
(٥) في حاشية ر: "عند الفرعاني: اليهود. ولم تكن عند ابن داود". والصواب الفرغاني بالغين المعجمة. وينظر الأنساب ٤/ ٣٦٧، والسير ١٦/ ١٣٢. وينظر الأثر في تفسير ابن كثير ١/ ٤٦، والدر المنثور ١/ ١٦، وفتح القدير ١/ ٢٥. وما سيأتي في ص ١٩٦، ١٩٧.
[ ١ / ١٨٩ ]
هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ [المائدة: ٦٠].
وقال بعضُهم: غضَبُ اللَّهِ على مَن غضِب عليه مِن عبادِه ذمٌّ منه لهم ولأفعالِهم، وشَتْمٌ منه لهم بالقولِ.
وقال بعضُهم: الغضبُ منه معنى مفهومٌ، كالذي يُعْرَفُ مِن معاني الغضبِ، غيرَ أنه - وإن كان كذلك مِن جهةِ الإثباتِ - فمخالفٌ معناه منه معنى ما يكونُ مِن غضبِ الآدميِّين الذي (^١) يُزْعِجُهم ويُحَرِّكُهم ويَشُقُّ عليهم ويُؤْذِيهم؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه لا تَحِلُّ ذاتَه الآفاتُ، ولكنه له صفةٌ، كما العلمُ له صفةٌ، والقدرةُ له صفةٌ، على ما يُعْقَلُ مِن جهةِ الإثباتِ، وإن خالفت معاني ذلك معانيَ علومِ العبادِ التي هي معارفُ القلوبِ، وقُواهم التي تُوجَدُ مع وجودِ الأفعالِ وتُعْدَمُ مع عَدَمِها (^٢).