قال أبو جعفرٍ: القُرَّاءُ مُخْتَلِفون في تلاوةِ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. فبعضُهم يَتْلوه: (مَلِكِ يَومِ الدّينِ). وبعضُهم يَتْلُوه: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. وبعضُهم يَتْلُوه: (مالكَ يَومِ الدّينِ). بنصبِ الكافِ (^٤). وقد اسْتَقْصَيْنا حكايةَ
_________________
(١) بعده في م، ت ٢: "في".
(٢) شرح ديوانه ص ٥٤١.
(٣) اللمام: الزيارة غِبًّا، ويقال: فلان يزورنا لماما. أي في الأحايين. اللسان (ل م م).
(٤) أما قراءة (مَلِكِ) فهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وحمزة، وأما قراءة (مالِكِ): فهي =
[ ١ / ١٤٩ ]
الروايةِ عمَّن رُوِي عنه في ذلك قراءةٌ في كتابِ "القِراءاتِ"، وأخْبَرْنا بالذي نَخْتارُ مِن القراءةِ فيه، والعلةِ المُوجِبةِ صحةَ ما اخْتَرْناه مِن القراءةِ فيه، فكرِهنا إعادةَ ذلك في هذا الموضعِ، إذ كان الذي قصَدْنا له في كتابِنا هذا البيانَ عن وجوهِ تأويلِ آيِ القرآنِ دونَ وجوهِ قراءتِها.
ولا خلافَ بينَ جميعِ أهلِ المعرفةِ بلغاتِ العربِ أن المَلِكَ مِن المُلْكِ مشتقٌّ، وأن المالكَ مِن المِلْكِ مأخوذٌ، فتأويلُ قراءةِ مَن قرَأ ذلك: (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ). أن للَّهِ المُلْكَ خالصًا يومَ الدينِ دونَ جميعِ خلقِه الذين كانوا قبلَ ذلك في الدنيا مُلوكًا جَبابرةً يُنازِعونه المُلْكَ، ويُدافِعونه الانفرادَ بالكِبْرياءِ والعظمةِ والسلطانِ والجَبْرِيةِ، فأيْقَنوا (^١) بلقاءِ اللَّهِ يومَ الدينِ أنهم الصَّغَرةُ الأذِلَّةُ، وأن له مِن (^٢) دونِهم ودونِ غيرِهم المُلْكَ والكبرياءَ والعزةَ والبَهاءَ، كما قال جل ذكرُه وتقَدَّسَت أسماؤُه في تنزيلِه: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]. فأخْبَر تعالى أنه المنفردُ يومَئذٍ بالمُلْكِ دون ملوكِ الدنيا الذين صاروا يومَ الدين مِن مُلْكِهم إلى ذلةٍ وصَغارٍ، ومِن دنياهم في المَعادِ إلى خَسارٍ.
وأما تأويلُ قراءةَ مَن قرأ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بشرِ بنِ عُمارةَ، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. يقولُ: لا يَمْلِكُ أحدٌ في ذلك اليومِ معه حكمًا كمِلْكِهم في الدنيا. ثم قال: ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨]. وقال: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ [طه: ١٠٨].
_________________
(١) = قراءة عاصم والكسائي، وأما قراءة (مالِكَ) بفتح الكاف فهي رواية المطوعي عن الأعمش، وهي من الشواذ. ينظر إتحاف فضلاء البشر ص ٧٦.
(٢) سقط من: ر.
(٣) سقط من: م، ت ٢.
[ ١ / ١٥٠ ]
وقال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ (^١) [الأنبياء: ٢٨].
قال أبو جعفرٍ: وأولى التأويلَيْن بالآيةِ وأصحُّ القِراءتَين في التلاوةِ عندي التأويلُ الأولُ، و(^٢) قراءةُ مَن قرَأ (مَلِكِ). بمعنى المُلْكِ؛ لأن في الإقْرارِ له بالانفرادِ بالمُلْكِ إيجابًا لانفرادِه بالمِلْكِ، وفضيلةَ زيادةِ المَلِكِ على المالكِ (^٣)، إذ كان معلومًا ألا مَلِكَ إلا وهو مالكٌ، وقد يكونُ المالكُ لا مَلِكًا.
وبعدُ، فإن اللَّهَ جل ذكرُه قد أخْبَر عبادَه في الآيةِ التي قبلَ قولِه: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ أنه مالكُ جميعِ العالَمين، وسيدُهم، ومُصْلِحُهم، [والناظرُ لهم] (^٤)، والرحيمُ بهم في الدنيا والآخرةِ بقولِه: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. فإذ (^٥) كان جل ذكرُه قد أنْبَأهم عن مِلْكِه إياهم كذلك بقولِه: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فأولى الصفاتِ مِن صفاتِه جل ذكرُه أن يَتبَعَ ذلك، ما لم يَحْوِه قولُه: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مع قربِ ما بينَ الآيتَيْن مِن المُواصَلةِ والمُجاوَرةِ، إذ كانت حكمتُه الحكمةَ التي لا تُشْبِهُها حِكْمةٌ. وكان في إعادةِ وصفِه جل ذكرُه بأنه: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ إعادةُ ما قد مضَى مِن وصفِه به في قولِه: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. مع تقاربِ الآيتين وتجاوُرِ الصفتَيْن، وكان في إعادةِ ذلك تكرارُ ألفاظٍ مختلفةٍ بمعانٍ متفقةٍ، لا تُفِيدُ سامعَ ما كُرِّر منه فائدةً به إليها حاجةٌ. والذي لم يَحْوِه مِن صفاتِه جل
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٩ (٢٤) من طريق أبي كريب به مختصرا.
(٢) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢: "هي".
(٣) في ص، ت ١، ت ٢: "الملك".
(٤) سقط من: ر.
(٥) في ص: "فإن"، وفي م: "فإذا"، وفي ت ١: "وإذ".
[ ١ / ١٥١ ]
ذكرُه ما قبلَ قولِه: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ المعنى الذي في قولِه: (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) وهو وصفُه بأنه المَلِكُ.
فبَيِّنٌ إذن أن أوْلَى القراءتَيْن بالصوابِ، وأحقَّ التأويلين بالكتابِ، قراءةُ مَن قرَأه: (مَلِكِ يَومِ الدِّينِ) بمعنى إخلاصِ المُلْكِ له يومَ الدينِ، دون قراءةِ مَن قرأ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ بمعنى (^١) أنه يَمْلِكُ الحكمَ بينَهم وفَصْلَ القَضاءِ، مُتَفَرِّدًا به دونَ سائرِ خلقِه.
فإن ظنَّ ظانٌّ أن قولَه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ نبأٌ عن مِلْكِه إياهم في الدنيا دونَ الآخرةِ، فوجَب (^٢) [وصلُ ذلك] (^٣) بالنبإِ عن نفسِه أنه مَن (^٤) ملَكهم في الآخرةِ على نحوِ مِلْكِه إياهم في الدنيا بقولِه: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فقد أغْفَل (^٥) وظنَّ خطأً؛ وذلك أنه لو جاز لظانٍّ أن يَظُنَّ أن قولَه: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ محصورٌ معناه على الخبرِ عن رُبوبيتِه (^٦) عالَمَ الدنيا دونَ عالَمِ الآخرةِ - مع عدمِ الدلالةِ على أن معنى ذلك كذلك في ظاهرِ التنزيلِ، أو في خبرٍ عن الرسولِ ﷺ به منقولٍ، أو بحُجةٍ موجودةٍ في المعقولِ - جاز (^٧) لآخرَ أن يَظُنَّ أن ذلك محصورٌ على عالَمِ الزمانِ الذي فيه نزَل قولُه: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ دون سائرِ ما يَحْدُثُ بعدَه في الأزمنةِ الحادثةِ مِن العالَمين، إذ كان صحيحًا بما (^٨) قدَّمْنا مِن البيانِ أن عالَمَ كلِّ زمانٍ
_________________
(١) في ص: "الذي بمعنى".
(٢) في ص، م: "يوجب".
(٣) في م: "وصله".
(٤) في م، ت ٢: "قد".
(٥) قال الشيخ شاكر: قوله: أغفل. فعل لازم غير متعد، ومعناه: دخل في الغفلة والنسيان ووقع فيهما، وهي عربية معرقة وإن لم توجد في المعاجم.
(٦) في ر، م، ت ١، ت ٢: "ربوبية".
(٧) في م: "لجاز".
(٨) بعده في م، ت ٢: "قد".
[ ١ / ١٥٢ ]
غيرُ عالَمِ الزمانِ الذي بعدَه.
فإن غَبِي عن علمِ صحةِ ذلك بما قد قدَّمْنا ذو غَباءٍ، فإن في قولِ اللَّهِ جل ثناؤُه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الجاثية: ١٦]. دلالةً واضحةً على أن عالَمَ كلِّ زمانٍ غيرُ عالَمِ الزمانِ الذي كان قبلَه وعالَمِ الزمانِ الذي بعدَه، إذ كان اللَّهُ جل ثناؤُه قد فضَّل أمةَ نبيِّنا محمدٍ ﷺ على سائرِ الأمِ الخاليةِ، وأخْبَرَهم بذلك في قولِه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الآية [آل عمران: ١١٠]. فمعلومٌ بذلك أن بني إسرائيلَ في عصرِ نبيِّنا ﷺ لم يكونوا مع تكذيبِهم به ﷺ أفضلَ العالَمين، بل كان أفضلَ العالمين في ذلك العصرِ وبعدَه إلى قيامِ الساعةِ المؤمنون به المُتَّبِعون مِنْهاجَه، دونَ مَن سواهم مِن الأممِ المُكَذِّبةِ الضالَّةِ عن مِنْهاجِه.
وإذ كان بينًا فسادُ تأويلِ مُتَأوِّلٍ لو تأوَّل قولَه: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أنه معنيٌّ به أن اللَّهَ ربُّ عالَمِي زمنِ نبيِّنا محمدٍ ﷺ، دون عالَمِي سائرِ الأزمنةِ غيرِه - كان واضحًا فسادُ قولِ مَن زعَم أن تأويلَه: ربُّ عالَمِ الدنيا دون عالَمِ الآخرةِ. وأن: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ اسْتَحَقَّ الوصلَ به ليُعْلَمَ أنه في الآخرةِ مِن مِلْكِهم ورُبوبيتِهم بمثلِ الذي كان عليه في الدنيا.
ويُسْألُ زاعمُ ذلك الفرقَ بينَه وبينَ مُتَحَكِّمٍ مثلَه في تأويلِ قولِه: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ تحكَّم فقال (^١): إنما عنَى بذلك أنه ربُّ عالَمِي زمانِ محمدٍ ﷺ دون عالَمِي غيرِه مِن الأزمنةِ الماضيةِ قبلَه والحادثةِ بعدَه، كالذي زعَم قائلُ (^٢) هذا القولِ
_________________
(١) بعده في م، ت ٢: "إنه".
(٢) سقط من: م، ت ٢.
[ ١ / ١٥٣ ]
أنه [عنَى به عالَمِي] (^١) الدنيا دون عالَمِي (^٢) الآخرةِ - مِن أصلٍ أو دلالةٍ. فلن يقولَ في أحدِهما شيئًا إلا أُلْزِم في الآخرِ مثلَه.
وأما الزاعمُ أنَّ تأويلَ قولِه: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ أنه الذي يَمْلِكُ إقامةَ يومِ الدينِ، فإن الذي ألْزَمْنا قائلَ هذا القولِ الذي قبلَه له لازمٌ، إذ كانت إقامةُ القيامةِ إنما هي إعادةُ الخلقِ الذين قد بادوا لهيئاتِهم التي كانوا عليها قبلَ الهلاكِ في الدارِ (^٣) التي أعَدَّ (^٤) لهم فيها ما أعَدَّ، وهم العالَمون الذين قد أخْبَر جل ذكرُه عنهم أنه ربُّهم في قولِه: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وأما تأويلُ ذلك في قراءةِ مَن قرَأ: (مالِكَ يَوْمِ الدِّينِ) فإنه أراد: يا (^٥) مالكَ يومِ الدينِ. فنصَبه بنيَّةِ النداءِ والدعاءِ، كما قال جل ثناؤُه: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩]. بتأويلِ: يا يوسُفُ أعْرِضْ عن هذا. وكما قال الشاعرُ من بني أسدٍ، وهو شعرٌ - فيما يقالُ - جاهليٌّ (^٦):
إن كنتَ أزْنَنْتَني (^٧) بها كَذِبًا … جَزْءُ فلاقَيتَ مثلَها عَجِلًا
يريدُ: يا جَزْءُ. وكما قال الآخرُ (^٨):
_________________
(١) في ر، ت ١، ت ٢: "عُني به عالموا"، وفي م: "عنى به عالم".
(٢) في ص، م، ت ٢: "عالم".
(٣) في ص: "دار الدنيا"، وفي ت ١: "الدنيا".
(٤) بعده في م، ت ٢: "اللَّه".
(٥) في ر: "به".
(٦) هو حضرمي بن عامر. ينظر أمالي القالي ١/ ٦٧، والكامل ١/ ٦٧ - ولم ينسبه - واللسان (ج ز أ)، (ن ب ل)، (ز ن ن).
(٧) أزننته بشيء: اتهمته به. اللسان (ز ن ن).
(٨) نسبه في مجاز القرآن ١/ ١٠٠، واللسان (ق ر ن) لرجل من بني أسد. وهو في الكتاب ٢/ ٨٥، ٣/ ٢٠٧، ٣٢٦.
[ ١ / ١٥٤ ]
كذَبْتُم وبيتِ اللَّهِ لا تَنْكِحونها … بَنى شابَ قَرْناها (^١) تَصُرُّ (^٢) وتَحْلُبُ
يريدُ: يا (^٣) بنى شابَ قَرْناها.
وإنما أوْرَطه في قراءةِ ذلك بنصبِ الكافِ مِن: (مَالِكَ) - على المعنى الذي وصَفْتُ - حيرتُه في توجيهِ قولِه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وِجْهتَه، مع جرِّه (^٤) ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وخفضِه. فظنَّ أنه لا يَصِحُّ معنى ذلك بعدَ جرِّه: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فنصَب: (مالِكَ يَوْمِ الدِّينِ) ليكونَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ له خطابًا، كأنه أراد: يا مالكَ يومِ الدينِ إياك نَعْبُدُ وإياك نَسْتَعِينُ. ولو كان علِمَ تأويلَ أولِ السورةِ وأن: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أمرٌ مِن اللَّهِ عبدَه (^٥) بقِيلِ ذلك - كما ذكَرْنا قبلُ مِن الخبرِ عن ابنِ عباسٍ أن جبريلَ قال للنبيِّ ﷺ عن اللَّهِ: قلْ يا محمدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وقلْ أيضَا يا محمدُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (^٦) وكان عَقَل عن العربِ أن مِن شأنِها إذا حكَت أو أمَرَت بحكايةِ خبرٍ يَتْلُو القولَ - أن تُخاطِبَ ثم تُخْبِرَ [عن غائبٍ] (^٧)، وتُخْبِرَ عن غائبٍ ثم تَعودَ إلى الخطابِ؛ لما في الحكايةِ بالقولِ مِن معنى الغائبِ والمُخاطَبِ، كقولِهم للرجلِ: قد قلتُ لأخيك: لو قمتَ لقمتُ. و: قد قلتُ لأخيك: لو قام لَقمتُ.
_________________
(١) القرنان: الضفيرتان. اللسان (ق ر ن).
(٢) صر الناقة: شد ضرعها. اللسان (ص ر ر).
(٣) سقط من: م.
(٤) في م: "جر".
(٥) في ص: "عنده".
(٦) تقدم في ص ١٣٥، ١٤٣، وينظر ما سيأتي في ص ١٥٩.
(٧) في ص: "غائبا".
[ ١ / ١٥٥ ]
لَسَهُل (^١) عليه مخرجُ ما اسْتَصْعَب عليه وِجْهتُه مِن جرِّ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾.
ومِن نظيرِ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ مجرورًا، ثم عَوْدِه إلى الخطابِ بـ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ كما (^٢) ذكَرْنا قبلُ - البيتُ السائرُ مِن شعرِ أبي كبيرٍ الهُذَليِّ (^٣):
يا لَهْفَ نَفْسِي كان جِدَّة (^٤) خالدٍ … وبَياضُ وجهِك للترابِ (^٥) الأعْفَرِ
فرجَع إلى الخطابِ بقولِه: وبياضُ وجهِك. بعدَ ما قد مضَى الخبرُ عن خالدٍ على معنى الخبرِ عن الغائبِ.
ومنه قولُ لَبيدِ بنِ ربيعةَ (^٦):
باتَتْ تَشَكَّى إليَّ النفسُ (^٧) مُجْهِشَةً (^٨) … وقد حمَلْتُكِ سبعًا بعدَ سَبْعينَا
فرجَع إلى مخاطبةِ نفسِه، وقد تقَدَّم الخبرُ عنها على وجهِ الخبرِ عن الغائبِ.
ومنه قولُ اللَّهِ، وهو أصدقُ قيلٍ وأثْبَتُ حجةٍ: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢]. فخاطَب ثم رجَع إلى الخبرِ عن الغائبِ، ولم يقلْ: وجَرَيْن بكم. والشواهدُ مِن الشعرِ وكلامِ العربِ في ذلك أكثرُ مِن أن تُحْصَى، وفيما ذكَرْنا كفايةٌ لمنَ وُفِّق لفهمِه.
_________________
(١) قوله: لسهل. جواب قوله: ولو كان علم. في الصفحة الماضية.
(٢) في ص، م: "لما".
(٣) ديوان الهذليين ٢/ ١٠١.
(٤) في م: "جلدة". والجدة: نقيض البلى. اللسان (ج د د).
(٥) في ص: "للثواب"، وفي ت ٢: "التراب".
(٦) شرح ديوانه ص ٣٥٢، واللسان (ج هـ ش)، وقال ابن سلام في طبقات فحول الشعراء ١/ ٦١ وقد ذكر البيت: ولا اختلاف في أن هذا مصنوع تكثر به الأحاديث
(٧) في شرح الديوان: "الموت".
(٨) في ت ٢، ت ٣: "مهجته". وأجهشت النفس: همت بالبكاء. اللسان (ج هـ ش).
[ ١ / ١٥٦ ]
فقراءةُ (^١): (مَالِكَ يومِ الدينِ). محظورةٌ غيرُ جائزةٍ؛ لإجماعِ (^٢) الحُجَّةِ مِن القرأةِ وعلماءِ الأمةِ على رفضِ القراءةِ بها.