قال أبو جعفرٍ: كان بعضُ أهلِ البصرةِ (^٣) يَزْعُمُ أن ﴿لَا﴾ مع ﴿الضَّالِّينَ﴾ أُدْخِلَت تَتْميمًا للكلامِ، والمعنى إلغاؤُها (^٤)، ويَسْتَشْهِدُ على قِيله [في ذلك ببيتِ] (^٥) العَجَّاجِ (^٦):
في بِئْرٍ لَا حُورٍ سَرَى وما شَعَرْ
_________________
(١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: "الذين".
(٢) وهذا القول هو الصحيح، وهو مذهب أهل السنة والجماعة. وينظر مجموع الفتاوى ٣/ ٣٣، ٦/ ٦٨، ١١٩، ١٢٠.
(٣) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ١/ ٢٥ وما بعدها.
(٤) في مجاز القرآن: "إلقاؤها".
(٥) في ص، ت ٢، ت ٣: "ذلك ببيت"، وفي م: "ذلك بيت".
(٦) ديوانه ص ١٤.
[ ١ / ١٩٠ ]
ويَتَأوَّلُه بمعنى: في بئرٍ حورٍ سَرى. أي: في بئرٍ هَلَكةٍ. وأن "لا" بمعنى الإلغاءِ والصلةِ (^١)، ويَعْتَلُّ أيضًا لذلك بقولِ أبي النَّجْمِ (^٢):
فما أَلومُ البِيضَ ألا تَسْخَرا
لمَّا رأَيْن الشَّمَطَ القَفَنْدَرَا (^٣)
وهو يُريدُ: فما ألومُ البيضَ أن تَسْخَرَ. وبقولِ الأحْوصِ (^٤):
ويَلْحَيْنَنِي (^٥) في اللهْوِ ألا أُحِبَّه … وللهوِ داعٍ دائبٌ غيرُ غافِلِ
يريدُ: ويَلْحَيْنَني في اللهوِ أن أُحِبَّه. وبقولِه تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]. يُريدُ: أن تَسْجُدَ.
وحُكِي عن قائلِ هذه المقالةِ أنه كان يتَأَوَّلُ: ﴿غَيْرِ﴾ التي مع ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ أنها بمعنى "سِوى". فكأن معنى الكلامِ كان عندَه: اهدنا الصراطَ المستقيمَ، صراطَ الذين أنعمتَ عليهم، الذين هم سوى المغضوبِ عليهم و(^٦) الضالين.
وكان بعضُ نحويِّي الكوفيِّين (^٧) يَسْتَنْكِرُ ذلك مِن قولِه، ويَزْعُمُ أن ﴿غَيْرِ﴾ التي مع ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ لو كانت بمعنى "سِوَى"، لَكان خطأً أن يُعْطَفَ عليها بـ "لا"، إذ كانت "لا" لا يُعْطَفُ بها إلا على جَحْدٍ قد تقَدَّمَها، كما كان خطأً قولُ القائلِ: عندي "سِوى" أخيك ولا أبيك. لأن "سوى" ليست مِن
_________________
(١) يقصد بالصلة هنا الحرف الزائد. ينظر مصطلحات النحو الكوفي ص ٣٨.
(٢) ديوانه (مجموع) ص ١٢١.
(٣) القفندر: القبيح المنظر. اللسان (قفندر)، والبيت فيه.
(٤) شعر الأحوص ص ١٧٩.
(٥) في ر: "تلحينني". ولحاه يلحاه لحيا: لامه وعذله. اللسان (ل ح ا).
(٦) بعده في ص، ت ١: "لا".
(٧) في م: "الكوفة". ويعني بذلك الفراء. ينظر معاني القرآن له ١/ ٨.
[ ١ / ١٩١ ]
حروفِ النفيِ والجحودِ. ويقولُ: لمَّا كان ذلك خطأً في كلامِ العربِ، وكان القرآنُ بأفصحِ (^١) اللغاتِ مِن لغاتِ العربِ، كان معلومًا أن الذي زعَمه القائلُ أن ﴿غَيْرِ﴾ مع ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ بمعنى: سوى المغضوبِ عليهم - خطأٌ، إذ كان قد كرَّ عليه الكلامَ بـ "لا"، وكان يَزْعُمُ أن ﴿غَيْرِ﴾ هنالك إنما هي بمعنى الجحدِ، و(^٢) كان صحيحًا في كلامِ العربِ وفاشيًا ظاهرًا في مَنْطِقِها تَوجيهُ "غيرِ" إلى معنى النفيِ، ومُسْتَعْمَلًا فيهم: أخوك غيرُ مُحْسِنٍ ولا مُجْمِلٍ. يُرادُ بذلك: أخوك لا مُحْسِنٌ ولا مُجْمِلٌ. ويَسْتَنْكِرُ أن تَأْتيَ "لا" بمعنى الحذفِ في الكلامِ مبتدأً ولمَّا يَتَقَدَّمْها جحدٌ. ويقولُ: لو جاز مجيئُها بمعنى الحذفِ مبتدأً قبلَ دلالةٍ تَدُلُّ على ذلك مِن جحدٍ سابقٍ، لصحَّ قولُ قائلٍ قال: أرَدْتُ ألا أُكْرِمَ أخاك. بمعنى: أردْتُ أن أكرمَ أخاك. وكان يقولُ: ففي شهادةِ أهلِ المعرفةِ بلسانِ العربِ على تخطئةِ قائلِ ذلك دَلالةٌ واضحةٌ على أنَّ "لا" لا تَأْتي مُبْتدأةً بمعنى الحذفِ ولمَّا يَتَقَدَّمْها جحْدٌ. وكان يَتَأوَّلُ في "لا" التي في بيتِ العجَّاجِ الذي (^٣) ذكَرْنا أن البصْريَّ اسْتَشْهَد به لقولِه (^٤) - أنها جحْدٌ صحيحٌ، وأن معنى البيتِ: سَرَى في بئرٍ لا تُحِيرُ عليه خيرًا، ولا يَتَبَيَّنُ له فيها أثرُ عملٍ، وهو لا يَشْعُرُ بذلك ولا يَدْرِي (^٥) به. مِن قولِهم: طحَنَتِ الطاحنةُ فما أحارَت شيئًا. أي: لم يتبيَّنْ لها أثرُ عملٍ. ويقولُ في سائرِ الأبياتِ الأُخَرِ، أعْني مثلَ بيتِ أبي النَّجْمِ:
فما ألُومُ البِيضَ ألا تَسْخَرَا
_________________
(١) في ص: "أفصح".
(٢) في م، ت ٢، ت ٣: "إذ".
(٣) في ص، ت ١: "التي".
(٤) في م: "بقوله".
(٥) في ص: "يرى".
[ ١ / ١٩٢ ]
إنما جاز أن تَكونَ "لا" بمعنى الحذفِ؛ لأن الجحدَ قد تقَدَّمَها في أولِ الكلامِ، فكان الكلامُ الآخرُ مُواصِلًا للأولِ، كما قال الشاعرُ (^١):
ما كان يَرْضَى رسولُ اللَّهِ فعلَهمُ … والطَّيِّبان أبو بكرٍ ولا عمرُ
فجاز ذلك؛ إذ كان قد تقدَّم الجحدُ في أولِ الكلامِ.
قال أبو جعفرٍ: وهذا القولُ الآخرُ أولى بالصوابِ مِن الأولِ، إذ كان غيرَ موجودٍ في كلامِ العربِ ابتداءُ الكلامِ مِن غيرِ جحدٍ تقدَّمه بـ "لا" التي معناها الحذفُ، ولا جائزٍ العطفُ بها على "سوى"، ولا على حرفِ الاستثناءِ. وإنما لـ "غير" في كلامِ العربِ معانٍ ثلاثةٌ؛ أحدُها الاستثناءُ، والآخرُ الجحدُ، والثالثُ سوى، فإذا [ثبَت خطأُ أن "لا" تكونُ] (^٢) بمعْنى الإلغاءِ مبتدأً، وفسَد أن يكونَ عطفًا على ﴿غَيْرِ﴾ التي مع ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، لو كانت بمعنى "إلا" التي هي استثناءٌ، ولم يَجُزْ أن يكونَ أيضًا عطفًا عليها لو كانت بمعنى "سوى"، وكانت "لا" موجودةً عطفًا بالواوِ التي هي عاطفةٌ لها على ما قبلَها - صحّ وثبَت ألا وجهَ لـ ﴿غَيْرِ﴾ التي مع ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ يَجوزُ توجيهُها إليه على صحةٍ، إلا بمعنى الجحدِ والنفيِ، وألا وجهَ لقولِه: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ إلا العطفُ على ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾.
فتأويلُ الكلامِ إذن - إذ كان صحيحًا ما قلْنا بالذي عليه اسْتَشْهَدْنا: اهدنا الصراطَ المستقيمَ، صراطَ الذين أنعمْت عليهم، لا (^٣) المغضوبِ عليهم ولا
_________________
(١) ديوان جرير ١/ ١٥٩.
(٢) في م: "بطل حظ لا أن يكون"، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: "بطل حظ لا أن تكون". والمثبت من: ص. وفيها أيضًا: "حظ". وينظر تعليق الشيخ شاكر.
(٣) في ص، ت ٣: "غير".
[ ١ / ١٩٣ ]
الضالين.
فإن قال لنا قائلٌ: ومَن هؤلاء الضالُّون الذين أمَرَنا اللَّهُ بالاستعاذةِ باللَّهِ أن يَسْلُكَ بنا سبيلَهم و(^١) نَضِلَّ ضلالتَهم؟
قيل: هم الذين وصَفَهم اللَّهُ في تنزيلِه، فقال: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧].
فإن قال: وما برهانُك على أنهم أُولاءِ؟
قيل: حدَّثنا أحمدُ بنُ الوليدِ الرَّمْليُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنةَ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن الشعبيِّ، عن عَدِيِّ بنِ حاتمٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: "النَّصَارَى" (^٢).
حدَّثنا محمدُ (^٣) بنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن سِماكٍ، قال: سمِعْتُ عَبَّادَ بنَ حُبَيْشٍ يُحَدِّثُ عن عَدِيِّ بنِ حاتمٍ، قال: قال لي رسولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ الضَّالِّينَ النَّصَارَى" (٢).
حدَّثنا عليُّ بن الحسنِ، قال: حدَّثنا مسلمُ بن (^٤) عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مصعبٍ، عن حمادِ بنِ سَلَمةَ، عن سِماكِ بنِ حربٍ، عن مُرِّيِّ بنِ قَطَريٍّ، عن عديِّ بنِ حاتمٍ، قال: سأَلْتُ النبيَّ ﷺ عن قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَا
_________________
(١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: "أو".
(٢) تقدم أوله في ص ١٨٦.
(٣) في ر: "أحمد".
(٤) في م: "و".
[ ١ / ١٩٤ ]
الضَّالِّينَ﴾ قال: "النَّصَارَى هم الضَّالُّونَ" (^١).
حدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدةَ الساميُّ (^٢)، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: حدَّثنا الجُرَيْريُّ (^٣)، عن عبدِ اللَّهِ بنِ شَقيقٍ (^٤)، أن رجلًا أَتَى رسولَ اللَّهِ ﷺ وهو مُحَاصِرٌ واديَ القُرَى، قال: قلتُ: مَن هؤلاء؟ قال: "هؤلاء الضَّالُّونَ النَّصَارَى" (^٥).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن سعيدٍ الجُرَيْريِّ (٣)، عن عروةَ - يعني ابنَ عبدِ اللَّهِ (^٦) - عن عبدِ اللَّهِ بنِ شَقيقٍ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ بنحوِه (٥).
حدَّثنا الحسن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن بُدَيْلٍ العُقَيْليِّ، قال: أخْبَرَني عبدُ اللَّهِ بنُ شَقيقٍ، أنه أخْبَرَه مَن سمِع النبيَّ ﷺ وهو بوادي القُرَى، وهو على فرسِه، وسأله رجلٌ مِن بني القَيْنِ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، مَن هؤلاء؟ قال: "هؤلاء الضَّالُّونَ". يَعْنِي النَّصَارَى (٥).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا خالدٌ الواسطيُّ، عن خالدٍ الحَذَّاءِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ شَقيقٍ، أنَّ رجلًا سأل النبيَّ ﷺ وهو مُحاصِرٌ واديَ القُرَى، وهو على فرسٍ: مَن هؤلاء؟ قال: "الضَّالُّونَ". يَعْنِي النَّصَارَى (^٧).
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: حدَّثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَلَا
_________________
(١) تقدم أوله في ح ١٨٦.
(٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: "الشامي".
(٣) في ص: "الحريري".
(٤) في ص، ت ١: "سفيان".
(٥) تقدم أوله في ص ١٨٧.
(٦) بعده في م، ت ٢، ت ٣: "بن قيس".
(٧) تقدم أوله في ص ١٨٨.
[ ١ / ١٩٥ ]
الضَّالِّينَ﴾ قال: النصارى (^١).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: وغيرِ طريقِ النصارى الذين أضلَّهم اللَّهُ بفِرْيتِهم عليه. قال: يقولُ: فألْهِمْنا دينَك الحقَّ، وهو لا إلهَ إلا اللَّهُ وحدَه لا شريكَ له، حتى لا تَغْضَبَ علينا كما غضِبْتَ على اليهودِ، ولا تُضِلَّنا كما أضْلَلْتَ النصارى، فتُعَذِّبَنا بما تُعَذِّبُهم به. يقولُ: امنَعْنا مِن ذلك برِفْقِك (^٢) ورحمتِك وقدرتِك (^٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ (^٤)، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿الضَّالِّينَ﴾: النصارى (١).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ الهَمْدانيُّ، قال: حدَّثَنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ بنُ نصرٍ، عن إسماعيلَ السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾: هم النصارى (٣).
حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ الغِفاريُّ، قال: أخْبَرَنا عُبيدُ (^٥) اللَّهِ بنُ موسى، عن أبي جعفرٍ، عن ربيعٍ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾: النصارى (١).
حدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعْلَى، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال
_________________
(١) تقدم أوله في ص ١٨٩.
(٢) في ر: "برفدك".
(٣) تقدم أوله في ص ١٨٨.
(٤) في ص: "حماد".
(٥) في ص، ت ١: "عبد".
[ ١ / ١٩٦ ]
عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾: النصارَى (^١).
حدَّثني يونُسُ قال: أَخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ، عن أبيه، قال: ﴿الضَّالِّينَ﴾: النصارَى (^١).
قال أبو جعفرٍ: [فكلُّ جائرٍ] (^٢) عن قَصْدِ السبيلِ وسالكٍ غيرَ المنهجِ القويمِ، فضالٌّ عندَ العربِ؛ لإضْلالِه وجهَ الطريقِ، فلذلك سمَّى اللَّهُ جلَّ ذكرُه النصارى ضُلَّالًا، لخطئِهم في الحقِّ مَنْهجَ السبيلِ، وأخْذِهم مِن الدِّينِ في غيرِ الطريقِ المستقيمِ.
فإن قال قائلٌ: أوَ ليس ذلك أيضًا مِن صفةِ اليهودِ؟
قيل: بلى.
فإن قال: فكيف خَصَّ النصارى بهذه الصفةِ، وخصَّ اليهودَ بما وصَفَهم به مِن أنهم مغضوبٌ عليهم؟
قيل: إن (^٣) كِلَا الفريقين ضُلَّالٌ مغضوبٌ عليهم، غيرَ أن اللَّهَ جل ثناؤُه وَسَم كلَّ فريقٍ منهم مِن صِفَتِه لعبادِه بما يَعْرِفونه به إذا ذكَره لهم أو أخْبَرَهم عنه، ولم يُسَمِّ واحدًا مِن الفريقَيْن إلا بما هو له صفةٌ على حقيقتِه، وإن كان له من صفاتِ الذمِّ زياداتٌ عليه.
[وقد ظنَّ] (^٤) بعضُ أهلِ الغَباءِ مِن القدريَّةِ أن في وصفِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه النصارَى بالضَّلالِ بقولِه: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ وإضافتِه الضَّلالَ إليهم دون إضافةِ إضلالِهم
_________________
(١) تقدم أوله في ص ١٨٩.
(٢) في م، ت ٢، ت ٣: "وكل حائد".
(٣) سقط من: ص.
(٤) في ص: "فيظن".
[ ١ / ١٩٧ ]
إلى نفسِه، وتركِه وصفَهم بأنهم المُضَلَّلون (^١)، كالذي وصَف به اليهودَ أنهم (^٢) المغضوبُ عليهم - دلالةً على صحةِ ما قاله إخوانُه مِن جَهَلةِ القَدَريةِ، جهلًا منه بسَعَةِ كلامِ العربِ وتصاريفِ وجُوهِه، ولو كان الأمرُ على ما ظَنَّه الغبيُّ الذي وصَفْنا شأنَه لَوجَب أن يكونَ شأنُ (^٣) كلِّ موصوفٍ بصفةٍ أو مضافٍ إليه فعلٌ، لا يجوزُ أن يكونَ فيه سببٌ لغيرِه، وأن يكونَ كلُّ ما كان [فيه مِن ذلك لغيرهِ] (^٤) سببٌ، فالحقُّ فيه أن يكونَ مُضافًا إلى مُسَبِّبِه، ولو وَجَب ذلك لوجَب أن يكونَ خطأً قولُ القائلِ: تحَرَّكَتِ الشجرةُ. إذا حرَّكَتها الرياحُ. واضْطَرَبَتِ الأرضُ. إذا حرَّكَتْها الزَّلْزَلةُ، وما أشبهَ ذلك مِن الكلامِ الذي يَطولُ بإحصائِه الكتابُ.
وفي قولِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢]. [وإضافتِه] (^٥) الجَرْيَ إلى الفُلْكِ، وإن كان جَرْيُها بإجراءِ غيرِها إياها - ما يَدُلُّ على خطإِ التأويلِ الذي تأوَّله مَن وصَفْنا قولَه في قولِه: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ وادعائِه أن في نسبةِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه الضَّلالةَ إلى مَن نسَبها إليه مِن النصارى، تَصْحيحًا لما ادَّعى المُنْكِرون أن (^٦) للَّهِ في أفعالِ خلقِه سببًا مِن أجلِه (^٧) وُجِدَت أفعالُهم، مع إبانةِ اللَّهِ جل ثناؤُه نصًّا في آىٍ كثيرةٍ مِن تنزيله أنه المُضِلُّ الهادي؛ فمن ذلك قولُه - جلَّ وعزَّ -: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى
_________________
(١) في ص: "الضالون"، وفي ت ١: "المضلون".
(٢) في ص، ت ١: "وأنهم".
(٣) سقط من: ر، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٤) في ص: "منه من ذلك بغيره"، وفي ت ١: "منه من ذلك لغيره".
(٥) في م، ت ٢، ت ٣: "بإضافته".
(٦) بعده في ص، م، ت ٢، ت ٣، "يكون".
(٧) في ر، ت ١، ت ٣: "أجلها".
[ ١ / ١٩٨ ]
بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣]. فأنْبَأ جل ثناؤُه أنه المُضِلُّ الهادي دونَ غيرِه.
ولكنَّ القرآنَ نزَل بلسانِ العربِ على ما قد قدَّمْنا البيانَ عنه في أولِ الكتابِ، ومِن شأنِ العربِ إضافةُ الفعلِ إلى مَن وُجِد منه وإن كان مسبِّبُه غيرَ الذي وُجِد منه، أحيانًا، وأحيانًا إلى مُسَبِّبِه وإن كان الذي وُجِد منه الفعلُ غيرَه، فكيف بالفعلِ الذي يَكْتَسِبُه العبدُ كَسْبًا، ويُوجِدُه اللَّهُ جل ثناؤُه عَيْنًا [ونشأةً] (^١)! بل ذلك أحْرَى أن يُضافَ إلى مُكْتَسبِه كَسْبًا له بالقوةِ منه عليه والاختيارِ منه له، وإلى اللَّهِ جل ثناؤُه بإيجادِ عينِه (^٢) وإنشائِها تدبيرًا.