قال أبو جعفرٍ: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه وتقدَّست أسماؤُه أدَّب نبيَّه محمدًا ﷺ بتعليمِه تقديمَ ذكرِ أسمائِه الحُسْنَى أمامَ جميعِ أفعالِه، وتقَدَّم إليه في وَصفِه بها قبلَ جميعِ مُهِمَّاتِه، وجعَل ما أدَّبه به مِن ذلك وعلَّمه إياه، منه لجميعِ خلقِه سُنَّةً يَسْتَنُّون بها، وسبيلًا يَتَّبِعونه عليها، في (^٤) افتتاحِ أوائلِ مَنْطِقِهم، وصدورِ رسائلِهم وكتبِهم وحاجاتِهم، حتى أغْنَت دلالةُ ما ظهَر مِن قولِ القائلِ: ﴿بِسْمِ
_________________
(١) في ص: "ﷺ بالاستعاذة".
(٢) سقط من: م، ت ٢.
(٣) ذكره السيوطي في تدريب الراوي ١/ ٦٢ عن بشر بن عمارة، وعزاه إلى المصنف. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٥، ٢٦ (١، ٤، ٦)، والواحدي في أسباب النزول ص ١٠ من طريق أبي كريب به. وقال ابن كثير في تفسيره ١/ ٢٩: وهذا الأثر غريب، وإنما ذكرناه ليعرف، فإن في إسناده ضعفا وانقطاعا.
(٤) في ص، ت ٢: "فيه".
[ ١ / ١١١ ]
اللَّهِ﴾. على ما بطَن مِن مرادِه الذي هو محذوفٌ.
وذلك أن الباءَ مِن: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾. مُقْتَضِيةٌ فعلًا يكونُ لها جالبًا، ولا فعلَ معها ظاهرٌ، فأغْنَت سامعَ القائلِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾. معرفتُه بمرادِ قائلِه من إظهارِ قائلِ ذلك مُرادَه قولًا؛ إذ كان كلُّ ناطقٍ به عندَ افتتاحِه أمرًا قد أحْضَر مَنْطِقَه به - إمَّا معه، وإمَّا قبلَه بلا فصلٍ - ما قد أغْنَى سامِعَه مِن دَلالةٍ شاهدةٍ على الذي مِن أجلِه افْتَتَح قِيلَه به، فصار استغناءُ سامعِ ذلك منه عن إظهارِ ما حذَف منه، نظيرَ استغنائِه إذا سمِع قائلًا قيل له: ما أكَلْتَ اليومَ؟ فقال: طعامًا. عن أن يُكَرِّرَ المسئولُ مع قولِه: طعامًا: أكَلْتُ. لما قد ظهَر لديه مِن الدلالةِ على أن ذلك معناه بتقدُّمِ مسألةِ السائلِ إياه عما أكَل. فمعقولٌ إذن أن (^١) القائلَ إذا قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. ثم افْتَتَح تاليًا سورةً، أن إتْباعَه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. تلاوةَ السورةِ، مُنْبِئٌ (^٢) عن معنى قولِه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. ومفهومٌ به أنه مُرِيدٌ بذلك: أقْرَأُ بسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ. وكذلك قولُه: باسمِ اللَّهِ. عندَ نُهوضِه للقيامِ أو عندَ قعودِه وسائرِ أفعالِه، يُنْبئُ (^٣) عن معنى مرادِه بقولِه: باسمِ اللَّهِ. وأنه أراد بقِيلِه: باسمِ اللَّهِ: أقُومُ باسمِ اللَّهِ، وأقْعُدُ باسمِ اللَّهِ. وكذلك سائرُ الأفعالِ.
وهذا الذي قلْنا في تأويلِ ذلك هو معنى قولِ ابنِ عباسٍ الذي حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، قال: حدَّثنا أبو
_________________
(١) بعده في م: "قول".
(٢) في ص، ر، ت ١: "مبنى" وفي م: "ينبئ".
(٣) في ص: "يكنى". وفي ر: "تنبئ".
[ ١ / ١١٢ ]
رَوْقٍ، عن الضَّحّاكِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ قال: إن أولَ ما نزَل به جبريلُ على محمدٍ ﷺ، قال: يا محمدُ، قُلْ: أسْتَعِيذُ بالسميعِ العليمِ مِن الشيطانِ الرجيمِ. ثم قال: قُلْ: بسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ. قال: قال له جبريلُ (^١): بسمِ اللَّهِ يا محمدُ. يقولُ: اقْرَأْ بذكرِ اللَّهِ ربِّك، وقمْ واقْعُدْ بذكرِ اللَّهِ.
قال أبو جعفرٍ: فإن قال لنا قائلٌ: فإن كان تأويلُ قولِ اللَّهِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾. ما وصَفْتَ، والجالبُ الباءَ في: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾. ما ذكرتَ، فكيف قيل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾. بمعنى: أقْرَأُ باسمِ اللَّهِ. أو: أقُومُ [باسمِ اللَّهِ] (^٢). أو: أقْعُدُ باسمِ اللَّهِ؟ وقد علمتَ أن كلَّ قارئٍ كتابَ اللَّهِ، فبعونِ اللَّهِ وتوفيقِه قراءتُه، وأن كلَّ قائمٍ أو قاعدٍ أو فاعلٍ فعلًا، فباللَّهِ قيامُه وقعودُه وفعلُه؟ وهلَّا - إذ كان ذلك كذلك - قيل: باللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ. ولم يُقَلْ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾. فإن قولَ القائلِ: أقُومُ وأقْعُدُ باللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ. أو: أقْرَأُ باللَّهِ. أوضحُ معنًى لسامعِه مِن قولِه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾. إذ كان قولُه: أقُومُ، أو (^٣): أقْعُدُ باسمِ اللَّهِ. يُوهِمُ سامعَه أن قيامَه وقعودَه بمعنًى غيرِ اللَّهِ.
قيل له وباللَّهِ التوفيقُ: إن المقصودَ إليه مِن معنى ذلك غيرُ ما توهَّمْتَه في نفسِك، وإنما معنى قولِه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾: أبْدَأُ بتسميةِ اللَّهِ وذِكْرِه قبلَ كلِّ شيءٍ. أو: أقْرَأُ بتسميتِه (^٤). أو: أقُومُ وأقْعُدُ بتَسْميتِي اللَّهَ وذكرِه. [لا أنه] (^٥) يعني
_________________
(١) بعده في م: "قل".
(٢) سقط من: م.
(٣) في م: "و".
(٤) في ر، م: "بتسمية الله".
(٥) في ص: "إلا أنه"، وفي ر: "لأنه".
[ ١ / ١١٣ ]
بقيلِه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾: أقُومُ باللَّهِ. أو: أقْرَأُ باللَّهِ. فيَكُونَ قولُ القائلِ: أقْرَأُ باللَّهِ. أو: أقومُ. أو: أقعدُ باللَّهِ. أولى بوجهِ الصوابِ في ذلك مِن قولِه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾.
فإن قال: فإن كان الأمرُ في ذلك على ما وصَفْتَ، فكيف قيل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾. وقد علمتَ أن الاسمَ اسمٌ، وأن التسميةَ مصدرٌ مِن قولِك: سمَّيت؟.
قيل: إن العربَ قد تُخْرِجُ المصادرَ مُبْهَمةً على أسماءٍ مختلفةٍ، كقولِهم: أكرَمْتُ فلانًا كرامةً. وإنما بناءُ مصدرِ "أفعلتُ" - إذا أُخْرِج على فعلِه - الإفعالُ. وكقولِهم: أهَنْتُ فلانًا هَوانًا، وكلَّمْتُه كلامًا. وبناءُ مصدرِ "فعَّلْتُ" التَّفْعيلُ. ومِن ذلك قولُ الشاعرِ (^١):
أكُفْرًا بعدَ ردِّ الموتِ عني … وبعدَ عطائِك المائةَ الرِّتاعا
يريدُ: إعْطاءَك.
ومنه قولُ القائلِ (^٢) الآخرِ:
فإن كان هذا البُخْلُ منك سَجِيَّةً … لقد كنتُ في طُولِي رجاءَك أشْعَبا
يريد: في (^٣) إطالتي رجاءَك.
ومنه قولُ الآخرِ (^٤):
_________________
(١) هو القطامي، والبيت في ديوانه ص ٣٧.
(٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢. والبيت في التبيان للطوسي ١/ ٢٦. وأشعب هو الذي يضرب به المثل في الطمع.
(٣) سقط من: ص.
(٤) هو الحارث بن خالد المخزومي. ينظر الأغاني ٩/ ٢٢٦، ٢٣٤، ٢٣٥. والبيت غير منسوب في أمالي الشجري ١/ ١٠٧.
[ ١ / ١١٤ ]
أظُلَيْمَ (^١) إن مُصابَكم رجلًا … أهْدَى السلامَ تحيةً ظُلْمُ
يُريدُ: إصابتَكم.
والشواهدُ في هذا المعنى تَكْثُرُ، وفيما ذكَرْنا كفايةٌ لمن وُفِّق لفهمِه.
فإذ (^٢) كان [الأمرُ على ما] (^٣) وصَفْنا مِن إخراجِ العربِ مصادرَ الأفعالِ على غيرِ بناءِ أفعالِها (^٤) كثيرًا، وكان تصديرُها إياها على مَخارجِ الأسماءِ موجودًا فاشيًا - فبَيِّنٌ (^٥) بذلك صوابُ ما قلْنا مِن التأويلِ في قولِ القائلِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾. أن (^٦) معناه في ذلك عندَ ابتدائِه في فعلٍ أو قولٍ: أبْدَأُ بتسميةِ اللَّهِ قبلَ فعلي أو قبلَ قولي. وكذلك معنى قولِ القائلِ عندَ ابتدائِه بتلاوةِ القرآنِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. إنما معناه: أقْرَأُ مُبْتَدئًا بتسميةِ اللَّهِ. أو: أبْتَدِئُ قراءتي بتسميةِ اللَّهِ. فجُعِل الاسمُ مكانَ التسميةِ، كما جُعِل الكلامُ مكانَ التكليمِ، والعطاءُ مكانَ الإعْطاءِ.
وبمثلِ الذي قلْنا مِن التأويلِ في ذلك رُوِي الخبرُ عن عبدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ، حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضَّحّاكِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ، قال: أولُ ما نزلَ به (^٧) جبريلُ على محمدٍ ﷺ، قال: يا محمدُ، قُلْ: أسْتَعِيذُ بالسميعِ العليمِ مِن الشيطانِ الرجيمِ. ثم
_________________
(١) في م: "أظلوم".
(٢) في ص: "فإن"، وفي م: "فإذا".
(٣) في ص: "كما".
(٤) في ص: "أفعل لها".
(٥) في م، ت ١، ت ٢: "تبين".
(٦) سقط من: ت ٢.
(٧) سقط من: ر، م، ت ٢.
[ ١ / ١١٥ ]
قال: قُلْ: بسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ. قال ابنُ عباسٍ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾. يقولُ له جبريلُ: يا محمدُ، اقْرَأْ بذكرِ اللَّهِ ربِّك، وقُمْ واقْعُدْ بذكرِ اللَّهِ.
وهذا التأويلُ مِن ابنِ عباسٍ يُنْبِئُ عن صحةِ ما قلنا، مِن أنه مُرادٌ (^١) بقولِ القائلِ مُفْتَتِحًا قراءتَه بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. أقْرَأُ بتسميةِ اللَّهِ وذكرِه، وأفْتَتِحُ القراءةَ بتسميةِ اللَّهِ بأسمائِه الحسنَى وصفاتِه العُلَى - ويُوضِّحُ (^٢) فسادَ قولِ مَن زعَم أن معنى ذلك مِن قائلِه: باللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ أولُ (^٣) كلِّ شيءٍ. مع أن العبادَ إنما أُمِروا أن يَبْتَدِئوا عندَ فَواتحِ أمورِهم بتسميةِ اللَّهِ، لا بالخبرِ عن عظمتِه وصفاتِه، كالذي أُمِروا به مِن التسميةِ على الذَّبائحِ والصيدِ، وعندَ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ، وسائرِ أفعالِهم. فكذلك الذي أُمِروا به مِن تسميتِه عندَ افْتِتاحِ تلاوةِ تَنْزيلِ اللَّهِ، وصدورِ رسائلِهم وكتبِهم.
ولا خلافَ بينَ الجميعِ مِن علماءِ الأمةِ أن قائلًا لو قال عندَ تذكيتِه بعضَ بَهائمِ الأنعامِ: باللَّهِ. ولم يقلْ: باسمِ اللَّهِ. أنه مُخالفٌ بتركِه قيلَ: باسمِ اللَّهِ. ما سُنّ له عندَ التذكيةِ من القولِ، فقد عُلم بذلك أنه لم يُرِدْ بقولِه: باسمِ اللَّهِ: باللَّهِ. كما قال الزاعمُ أن اسمَ اللَّه في قولِ اللَّهِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. هو اللَّهُ؛ لأن ذلك لو كان كما زعَم، لَوجَب أن يكونَ القائلُ عندَ تذكيتِه ذبيحتَه: باللَّهِ. قائلًا ما سُنَّ له مِن القولِ على
_________________
(١) في م: "يراد".
(٢) سقط من: م.
(٣) في م: "في".
[ ١ / ١١٦ ]
الذَّبيحةِ. وفي إجماعِ الجميعِ على أن قائلَ ذلك تاركٌ ما سُنَّ له مِن القولِ على ذبيحتِه إذا لم يَقُلْ: باسمِ اللَّهِ - دليلٌ واضحٌ على فسادِ ما ادَّعَى مِن التأويلِ في قولِ القائلِ: باسمِ اللَّهِ. أنه مرادٌ به باللَّهِ، وأن اسمَ اللَّهِ هو اللَّهُ.
وليس هذا الموضعُ مِن مَواضعِ الإكثارِ في الإبانةِ عن الاسمِ؛ أهو المُسَمَّى أم غيرُه؟ أم هو صفةٌ له؟ فنُطِيلَ الكتابَ بذكْرِه، وإنما هذا موضعٌ مِن مَواضعِ الإبانةِ عن الاسمِ المضافِ إلى اللَّهِ - جلّ وعزّ -؛ أهو اسمٌ أم مصدرٌ بمعنى التسميةِ؟
فإن قال لنا قائلٌ: فما أنت قائلٌ في بيتِ لَبيدِ بنِ رَبيعةَ (^١):
إلى الحَوْلِ ثم اسمُ السلامِ عليكما … ومَن يَبْكِ حولًا كاملًا فقد اعْتَذَر
فقد تأوَّله مُقَدَّمٌ في العلمِ بلغةِ العربِ أنه مَعْنِيٌّ به: ثم السلامُ عليكما. وأن اسمَ السلامِ هو السلامُ (^٢).
قيل له: لو جاز ذلك وصحَّ تأويلُه فيه على ما تأوَّل، لجَاز أن يقالَ: رأيْتُ اسمَ زيدٍ، وأكلتُ اسمَ الطعامِ، وشرِبْتُ اسمَ الشرابِ. وفي إجماعِ جميعِ العربِ على إحالةِ ذلك، ما يُنْبِئُ عن فسادِ تأويلِ من تأوَّل قولَ لبيدٍ:
* ثم اسمُ السلامِ عليكما *
أنه أراد: ثم السلامُ عليكما. و(^٣) ادِّعائِه أن إدخالَ الاسمِ في ذلك وإضافتَه إلى
_________________
(١) شرح ديوان لبيد ص ٢١٤.
(٢) الذي تأوله كذلك هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ١/ ١٦.
(٣) في ص، ر: "أو".
[ ١ / ١١٧ ]
السلامِ، إنما جاز إذ كان اسمُ المُسَمَّى هو المُسَمَّى بعينِه.
ويُسألُ القائلون قولَ مَن حكَيْنا قولَه هذا، فيقالُ لهم: أتَسْتَجِيزون في العربيةِ أن يقالَ: أكَلْتُ اسمَ العسلِ. يعني بذلك: أكَلْتُ العسلَ. كما جازَ عندَكم: اسمُ السلامِ عليك (^١). وأنتم تُريدون: السلامُ عليك (^١)؟
فإن قالوا: نعم. خرَجوا مِن لسانِ العربِ، وأجازوا في لغتِها (^٢) ما تُخَطِّئُه جميعُ العربِ في لغتِها. وإن قالوا: لا. سُئِلوا الفرقَ بينَهما، فلن يَقُولوا في أحدِهما قولًا إلا أُلْزِموا في الآخرِ مثلَه.
فإن قال لنا قائلٌ: فما معنى قولِ لبيدٍ هذا عندَك؟
قيل له: يَحْتَمِلُ ذلك وجهين، كلاهما غيرُ الذي قاله مَن حكَيْنا قولَه؛ أحدُهما: أن السلامَ اسمٌ مِن أسماءِ اللَّهِ، فجائزٌ أن يكونَ لبيدٌ عنَى بقولِه:
* ثم اسمُ السلامِ عليكما *
: ثم الْزَما اسمَ اللَّهِ وذِكْرَه بعدَ ذلك، ودَعَا ذِكْري والبكاءَ عليَّ. على وجهِ الإغْراءِ. فرفَع الاسمَ إذ (^٣) أخَّر الحرفَ الذي يَأْتي بمعنى الإغراءِ. وقد تَفْعَلُ العربُ ذلك إذا أخَّرَت الإغراءَ وقدَّمَت المُغْرَى به، وإن كانت قد تَنْصِبُ به وهو مُؤَخَّرٌ، ومِن ذلك قولُ الشاعرِ (^٤):
_________________
(١) في ص: "عليكم".
(٢) في ر: "لغاتها".
(٣) في م: "إذا و".
(٤) الرجز في أمالي القالي ٢/ ٢٤٤، وخزانة الأدب ٦/ ٢٠٠.
[ ١ / ١١٨ ]
يا أيُّها المائحُ (^١) دَلْوِي دونَكا
إني رأيْتُ الناسَ يَحْمَدُونكا
فأغْرَى بـ "دونك" وهي مُؤخَّرةٌ، وإنما معناه: دونَك دلوِي. فكذلك قولُ لبيدٍ:
* إلى الحولِ ثم اسمُ السلامِ عليكما *
يعني: ثم (^٢) عليكما اسمَ السلامِ. أي: الْزَما ذكرَ اللَّهِ، ودَعَا ذِكْرِي والوَجْدَ بي؛ لأن مَن بكَى حولًا على امرئٍ ميتٍ فقد اعْتَذَر. فهذا أحدُ وجهيه.
والوجهُ الآخرُ منهما: ثم تَسْمِيتي اللَّهَ عليكما. كما يقولُ القائلُ للشيءِ يَراه فيُعْجِبُه: اسمُ اللَّهِ عليك. يُعَوِّذُه بذلك مِن السُّوءِ، فكأنه قال: ثم اسمُ اللَّهِ عليكما مِن السُّوءِ. وكأنَّ الوجهَ الأولَ أشبهُ المعْنَيَيْن بقولِ لبيدٍ.
ويُقالُ لمن وجَّه بيتَ لبيدٍ هذا إلى أن معناه: ثم السلامُ عليكما. أتَرَى ما قلْنا مِن هذين الوجهَيْن جائزًا، أو أحدَهما، أو غيرَ ما قلتَ فيه؟ فإن قال: لا. أبان مِقْدارَه مِن العلمِ بتَصاريفِ وجوهِ كلامِ العربِ، وأغْنَى خَصمَه عن مناظرتِه. وإن قال: بلى. قيل له: فما بُرهانُك على صحةِ ما ادَّعَيْتَ مِن التأويلِ أنه الصوابُ دونَ الذي ذكَرْتُ أنه مُحْتَمِلُه مِن الوجهِ الذي يَلْزَمُنا تسليمُه لك؟ ولا سبيلَ إلى ذلك.
وأما الخبرُ الذي حدَّثنا إسماعيلُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ العَلاءِ بنِ الضَّحّاكِ [وهو يُلَقَّبُ بِزِبْرِيقٍ] (^٣)، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عَيَّاشٍ، عن إسماعيلَ بنِ
_________________
(١) المائح: الرجل ينزل إلى قرار البئر إذا قل ماؤها، فيملأ الدلو بيده ويميح أصحابه. اللسان (م ي ح) والرجز فيه.
(٢) زيادة من: ر.
(٣) سقط من: م، ت ٢، وفي ر، ت ١: "وهو يلقب بابن برفق"، والمثبت من: ص. وينظر تهذيب الكمال ٢/ ١٦١، وتفسير ابن كثير ١/ ٣٣، ونزهة الألباب للحافظ ١/ ٣٣٨.
[ ١ / ١١٩ ]
يحيى، عن ابنِ أبي مُلَيْكةَ، عمَّن حدَّثه، عن ابنِ مسعودٍ، ومِسْعَرِ بنِ كِدَامٍ، عن عطيةَ، عن أبي سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ عِيسى ابنَ مَرْيَمَ أَسْلَمَتْهُ أُمُّهُ إلى الكُتَّابِ لِيُعَلِّمَه، فقال لَه المُعَلِّمُ: اكتُبْ باسمِ. فقال له عِيسَى: وما باسمِ؟ فقال له المُعلِّمُ: مَا أَدْرِي، فَقَالَ له (^١) عيسى: الباءُ بَهاءُ اللَّهِ، والسينُ سَناؤُهُ، والميمُ مَمْلَكَتُه" (^٢).
فأخْشَى أن يكونَ غلطًا مِن المُحَدِّثِ، وأن يكونَ أراد [ب س م] على سبيلِ ما يُعَلَّمُ المُبْتَدِئُ مِن الصِّبيانِ في الكُتابِ حروفَ [أبي جاد] (^٣)، فغلِط بذلك فوصَله، فقال: باسمِ. لأنه لا معنَى لهذا التأويلِ إذا تُلِي: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. على ما يَتْلُوه القارئُ في كتابِ اللَّهِ تعالى؛ لاستحالةِ معناه عن المفهومِ به عندَ جميعِ العربِ وأهلِ لسانِها، إذا حُمِل تأويلُه على ذلك.
_________________
(١) سقط من: ص، م، ت ١.
(٢) حديث موضوع. أخرجه ابن عدي ١/ ٢٩٩ - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ١٤/ ٣٩ (مخطوط)، وابن الجوزي في الموضوعات ١/ ٢٠٣ - من طريق إبراهيم بن العلاء به. وأخرجه ابن مردويه - كما في تفسير ابن كثير ١/ ٣٣، وتدريب الراوي ١/ ٦١ - وابن عساكر ١٤/ ٣٩ من طريق إسماعيل بن عياش به. وعند ابن مردويه بالإسناد الثاني فقط. وأخرجه ابن حبان في المجروحين ١/ ١٢٦، ١٢٧، وأبو نعيم في الحلية ٧/ ٢٥١ - ومن طريقه ابن الجوزي ١/ ٢٠٣، ٢٠٤ - من طريق إبراهيم بن العلاء به بالإسناد الثاني. وإسماعيل بن يحيى كذاب. وقال ابن عدي: حديث باطل. وقال ابن الجوزي: حديث موضوع محال. وقال ابن كثير: غريب جدًّا، وقد يكون صحيحًا إلى من دون رسول الله ﷺ، ويكون من الإسرائيليات لا من المرفوعات. واللَّه أعلم. وسيأتي هذا الحديث في ص ١٢٣، ١٢٦. ورُوي نحوه من قول سعيد بن جبير. أخرجه ابن المنذر بإسناد صحيح، كما في الدر المنثور ٢/ ٢٥. وعن الضحاك نحوه. أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٥ (٢).
(٣) هذه الكلمة يعني بها الأحرف الأبجدية "أبجد هوز حطي … " إلخ.
[ ١ / ١٢٠ ]
القولُ في تأويلِ قولِ اللَّهِ جل ثناؤُه وتقدَّست أسماؤُه: ﴿اللَّهِ﴾.
قال أبو جعفرٍ: أما تأويلُ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿اللَّهِ﴾. فإنه على معنى ما رُوِي لنا عن عبدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ: هو الذي يَأْلَهُه (^١) كلُّ شيءٍ، ويَعْبُدُه كلُّ خلقٍ. وذلك أن أبا كُرَيْبٍ حدَّثنا، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضَّحّاكِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ، قال: اللَّهُ ذو الأُلوهيةِ والعبوديةِ على خلقِه أجمعين (^٢).
فإن قال لنا قائلٌ: فهل لذلك في "فعَل ويَفْعَل" أصلٌ كان منه (^٣) بناءُ هذا الاسمِ؟ قيل: أمَّا سماعًا مِن العربِ فلا، ولكن استدلالًا.
فإن قال: وما دلَّ على أن الأُلوهيةَ هي العبادةُ، وأن الإلهَ هو المعبودُ، وأن له أصلًا في "فعَل ويَفْعَل"؟
قيل: لا تَمانُعَ بينَ العربِ في الحكمِ لقولِ القائلِ، يَصِفُ رجلًا بعبادةٍ، ويَطْلُبُ ما (^٤) عندَ اللَّهِ جل ذكرُه: تألَّه فلانٌ. بالصحةِ، ولا خلافَ. ومِن ذلك قولُ رُؤْبةَ بنِ العَجَّاجِ (^٥):
للَّهِ دَرُّ الغانِياتِ المُدَّهِ (^٦)
_________________
(١) في ص: "يألفه".
(٢) ذكره السيوطي في تدريب الراوي ١/ ٦٢ عن بشر بن عمارة به، وعزاه إلى المصنف. وعزاه في الدر المنثور ١/ ٨ إلى المصنف وابن أبي حاتم.
(٣) في ر: "فيه".
(٤) في م: "مما".
(٥) ديوان رؤبة (مجموعة أشعار العرب) ص ١٦٥.
(٦) المُدّه، جمع الماده: وهو المادح، والتمده: التمدح. الصحاح (م د هـ) والرجز فيه.
[ ١ / ١٢١ ]
سَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ مِن تأَلُّهي
يعني: مِن تعَبُّدي وطلَبي اللَّهَ بعملي.
ولا شك أن التألُّهَ التفَعُّلَ مِن: ألَه يَأْلَهُ. وأن معنى ألَه - إذا نُطِق به -: عبَد اللَّهَ. وقد جاء منه مصدرٌ يَدُلُّ على أن العربَ قد نطَقَت منه بـ "فعِل يَفْعَل" بغيرِ زيادةٍ.
وذلك ما حدَّثنا به سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن نافعِ بنِ (^١) عمرَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قرَأ: (وَيَذَرَكَ وإلاهَتَكَ) (^٢). قال: عبادتَك. ويقولُ: إنه كان يُعْبَدُ ولا يَعْبُدُ (^٣).
وحدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا ابنُ عُيَيْنةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن محمدِ بنِ عمرِو بنِ الحسنِ، عن ابنِ عباسٍ: (وَيَذَرَكَ وإلاهَتَك). قال: إنما كان فرعونُ يُعْبَدُ ولا يَعْبُدُ. [وكذلك كان [ابنُ عباسٍ] (^٤) يقرؤها ومجاهدٌ] (^٥).
وحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا [الحسين بنُ داودَ] (^٦)، قال: حدَّثني حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ قولَه: (وَيَذَرَكَ وإلاهَتَكَ). قال:
_________________
(١) في ص: "عن". وينظر تهذيب الكمال ٢٩/ ٢٨٧.
(٢) هذه قراءة للآية ١٢٧ من سورة الأعراف، فانظرها هناك.
(٣) سيأتي هذا الأثر والأثر الذي بعده في سورة الأعراف فانظرها هناك.
(٤) في ص: "أبو عبد الله"، وفي م: "عبد الله".
(٥) سقط من: ت ٢.
(٦) في ص: "الحسن بن واره". وهو الحسين بن داود المصيصي، أبو على المحتسب، لقبه سنيد، وهو بلقبه أشهر. ينظر ترجمته في تهذيب الكمال ١٢/ ١٦١.
[ ١ / ١٢٢ ]
وعبادتَك.
ولا شكَّ أن الإلاهةَ (^١) - على ما فسَّره ابنُ عباسٍ ومجاهدٌ - مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: ألَه اللَّهَ فلانٌ إلاهةً. كما يقالُ: عبَد اللَّهَ فلانٌ عبادةً، وعبَر الرؤيا عبارةً. فقد بيَّن قولُ ابنِ عباسٍ ومجاهدٍ هذا أن "ألَه" عبَد، وأن الإلاهةَ مصدرُه.
فإن قال: فإن كان جائزًا أن يقالَ لمن عَبد اللَّهَ: ألَهه - على تأويلِ قولِ ابنِ عباسٍ ومجاهدٍ - فكيف الواجبُ في ذلك أن يقالَ إذا أراد المُخْبِرُ [الخبرَ عن] (^٢) استيجابِ اللَّهِ ذلك على عبدِه؟
قيل: أما الروايةُ فلا روايةَ به (^٣) عندَنا، ولكن الواجبَ على قياسِ ما جاء به الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ الذي حدَّثنا به إسماعيلُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ العَلاءِ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عَيَّاشٍ، عن إسماعيلَ بنِ يحيى، عن ابنِ أبي مُلَيْكةَ، عمَّن حدَّثه، عن ابنِ مسعودٍ، ومِسْعَرِ بنِ كِدَامٍ، عن عطيةَ العَوْفيِّ، عن أبي سعيدٍ قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ عيسى أسْلَمَتْه أُمُّه إلى الكُتَّابِ ليُعَلِّمَه، فقال له المُعَلِّمُ: اكْتُب: اللَّه. فقال له عِيسى: أتَدْرِي ما اللَّهُ؟ اللَّهُ إلهُ الآلِهَةِ" - أن يُقالَ: اللَّهُ جلّ ثناؤُه إلهُ العبدِ، والعبدُ ألَهه. وأن يكونَ قولُ القائلِ: اللَّهُ. مِن الكلامِ (^٤) أصلُه الإلهُ.
_________________
(١) في ر: "إلاهة".
(٢) في ص: "الخبر"، وفي ر: "عن الخبر".
(٣) سقط من: م، وفي ص: "فيه".
(٤) في م: "كلام العرب".
[ ١ / ١٢٣ ]
فإن قال: وكيف يجوزُ أن يكونَ ذلك كذلك مع اختلافِ لفظَيْهما (^١)؟
قيل: كما جاز أن يكونَ قولُه: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ [الكهف: ٣٨]. أصلُه: لكنْ أنا، هو اللَّهُ ربِّي. كما قال الشاعرُ (^٢):
وتَرْمِينَني (^٣) بالطَّرْفِ أيْ أنتَ مُذْنِبٌ … وتَقْلِينَني لكنَّا إياك لا أقْلِي
يريدُ: لكنْ أنا إياك لا أقلي. فحذَف الهمزةَ مِن "أنا" فالْتَقَت نونُ "أنا" ونونُ "لكن" وهي ساكنةٌ، فأُدْغِمَت في نونِ "أنا" فصارتا نونًا مشددةً. فكذلك اللَّهُ، أصلُه الإلهُ، أُسْقِطَت الهمزةُ التي هي فاءُ الاسمِ، فالْتَقَت اللامُ التي هي عينُ الاسمِ واللامُ الزائدةُ التي دخَلَت مع الألفِ الزائدةِ، وهي ساكنةٌ، فأُدْغِمَت في الأُخرى التي هي عينُ الاسمِ، فصارَتا في اللفظِ لامًا واحدةً مشددةً، كما وصَفْنا مِن قولِ اللَّهِ: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾.