اجتمع لابن جرير الطبري من الصفات الخَلْقية والخُلُقية ما جعله من العلماء الربانيين، الذين يشار إليهم بالبنان، فشهد له أفذاذ العلماء بالسبق والريادة، سعة العلم مع التواضع وقوة الحفظ والذكاء، وتوَّج هذا كله ما تحلى به من زهد، وعفة، وورع.
قال عنه الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي: كان أحد أئمة العلماء، يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه؛ لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان حافظا للكتاب، عارفًا بالقراءات، بصيرًا بالمعاني، فقيها في أحكام القرآن، عالما بالسنن وطرقها، وصحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفًا بأقوال الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من المخالفين في الأحكام، ومسائل الحلال والحرام، عارفًا بأيام الناس وأخبارهم، وله الكتاب
_________________
(١) قنطرة البَرَدان: القنطرة: الجسر وما ارتفع من البنيان، وقنطرة البردان: محلة ببغداد. القاموس (ق ن ط ر).
[ المقدمة / ١٤ ]
المشهور في تاريخ الأمم والملوك، وكتاب في التفسير لم يصنف أحد مثله، وكتاب سماه "تهذيب الآثار" لم أر سواه في معناه إلا أنه لم يتمه، وله في أصول الفقه وفروعه كتب كثيرة، واختيار من أقاويل الفقهاء، وتفرد بمسائل حفظت عنه (^١).
وقال ابن خزيمة بعد استعارته كتاب "جامع البيان" من أبي بكر بن بالويه وردِّه بعد سنين: قد نظرتُ فيه من أوله إلى آخره، وما أعلم على أديم الأرض أعلم من ابن جرير (^٢).
وقال الحسين بن علي التميمي: لما رجعت من بغداد إلى نيسابور سألني ابن خزيمة، فقال لي: ممن سمعت ببغداد؟ فذكرت له جماعة ممن سمعت منهم، فقال: هل سمعت من محمد بن جرير شيئًا؟ فقلت له: لا، فقال: لو سمعت منه لكان خيرًا لك من جميع من سمعت منه سواه (^٣).
وقال أبو حامد الإسفراييني: لو سافر رجل إلى الصين، حتى يحصل له كتاب تفسير محمد بن جرير لم يكن ذلك كثيرًا (^٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما التفاسير التي في أيدي الناس فأصحها "تفسير محمد بن جرير الطبري"؛ فإنه يذكر مقالات السلف بالأسانيد الثابتة، وليس فيه بدعة، ولا ينقل عن المتهمين، كمقاتل بن بكير والكلبي (^٤).
وقال الحافظ جلال الدين السيوطي عن تفسير الطبري: وكتابه أجلّ التفاسير
_________________
(١) تاريخ بغداد ٢/ ١٦٣.
(٢) المرجع السابق ٢/ ١٦٤.
(٣) طبقات الشافعية ٣/ ١٢٣.
(٤) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٨٥.
[ المقدمة / ١٥ ]
وأعظمها … فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال، وترجيح بعضها على بعض، والإعراب والاستنباط، فهو يفوقها بذلك (^١).
وقد أثنى العلماء على سعة علمه وعلو همته، التي كَلَّتْ معها همم تلامذته عن تدوين كتبه، فحدث أبو القاسم بن عقيل الورّاق أن أبا جعفر الطبري قال لأصحابه: هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا؟ قالوا: كم قدره؟ فذكر نحو ثلاثين ألف ورقة، فقالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه! فقال: إنا لله! ماتت الهمم. فاختصر ذلك في نحو ثلاثة آلاف ورقة، ولما أراد أنُ يمْلِيَ التفسير قال لهم نحوًا من ذلك ثم أملاه على نحو من قدر التاريخ.
وذكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في "طبقات الفقهاء" في جملة المجتهدين (^٢).
وقال عنه الذهبي: كان من أفراد الدهر علما وذكاء، وكثرة تصانيف، قل أن ترى العيون مثله، كان ثقة، صادقًا، حافظا، رأسًا في التفسير، إمامًا في الفقه والإجماع والاختلاف، علامة في التاريخ وأيام الناس، عارفًا بالقراءات وباللغة، وغير ذلك (^٣).
وذُكِر أن أبا العباس بن سريج كان يقول: محمد بن جرير الطبري فقيه العالَم (^٤).
وقال أبو بكر بن الخطيب: حدثني أبو القاسم الأزهري، قال: حكى لنا أبو
_________________
(١) الإتقان ٤/ ٢٤٢.
(٢) طبقات الفقهاء ٩٣.
(٣) سير أعلام النبلاء ١٤/ ٢٦٧، ٢٧٠.
(٤) طبقات الشافعية ٣/ ١٢٣.
[ المقدمة / ١٦ ]
الحسن بن زرقويه عن أبي علي الطوماري، قال: كنت أحمل القنديل في شهر رمضان بين يدي أبي بكر بن مجاهد إلى المسجد لصلاة التراويح، فخرج ليلة من ليالي العشر الأواخر من داره، واجتاز على مسجده فلم يدخله وأنا معه، وسار حتى انتهى إلى آخر سوق العطش فوقف بباب مسجد محمد بن جرير، ومحمد يقرأ سورة الرحمن، فاستمع قراءته طويلًا ثم انصرف، فقلت له: يا أستاذ تركت الناس ينتظرونك وجئت تسمع قراءة هذا؟! فقال: يا أبا علي دع هذا عنك، ما ظننت أن الله تعالى خلق بشرًا يحسن يقرأ هذه القراءة (^١).
وذُكِر أن المُكتفى الخليفة قال للحسن بن العباس: أريد أن أوقِف وقفًا، تجتمع أقاويل العلماء على صحَّته، ويسلم من الخلاف. فقيل له: لا يقدر على استحضار هذا إلا محمد بن جرير. وطلب منه ذلك فكتبها، فاستدعاه الخليفة إليه. وقال له: سل حاجتك، قال: لا حاجة لي. فقال: لا بد أن تسألني شيئًا. فقال: أسأل أمير المؤمنين أن يتقدم إلى الشُّرَطِ أن يمنعوا السؤال من دخول المقصورة يوم الجمعة، فتقدم بذلك وعظُم في نفوسهم (^٢).
وحكى علي بن عبيد الله بن عبد الغفار اللغوي أن محمد بن جرير مكث أربعين سنة يكتب في كل يوم منها أربعين ورقة (^٣).
وقال هارون بن عبد العزيز: قال أبو جعفر: لما دخلتُ مصر لم يبق أحد من أهل العلم إلا لقيني، وامتحنني في العلم الذي يتحقق به، فجاءني يومًا رجل فسألني عن شيء من العروض ولم أكن نشطت له قبل ذلك، فقلت له: عليَّ قولٌ ألا أتكلم
_________________
(١) تاريخ بغداد ٢/ ١٦٤.
(٢) طبقات الشافعية ٣/ ١٢٤، والبداية والنهاية ١٤/ ٨٤٨.
(٣) المنتظم ١٣/ ٢١٦.
[ المقدمة / ١٧ ]
اليوم في شيء من العروض، فإذا كان في غدٍ فصر إليَّ، وطلبتُ من صديق لي العروض للخليل بن أحمد فجاء به، فنظرت فيه ليلتي فأمسيتُ غير عروضي وأصبحت عروضيًّا (^١).
وقال أبو محمد عبد العزيز بن محمد الطبري: كان أبو جعفر من الفضل والعلم والذكاء والحفظ على ما لا يجهله أحد عَرَفه؛ لجمعه من علوم الإسلام ما لم نعلمه اجتمع لأحد من هذه الأمة (^٢).