حدَّثنا محمدُ بنُ عليِّ بنِ الحسنِ بنِ شَقيقٍ المَرْوزِيُّ، قال: سمِعْتُ أبي يقولُ: حدَّثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن شَقيقٍ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: كان الرجلُ منا إذا تعَلَّم عشْرَ آياتٍ لَمْ يُجاوِزْهن حتى يَعْرِفَ مَعانِيَهن والعملَ بهن (^٢).
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن أبي عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا الذين كانوا يُقْرِئُوننا أنهم كانوا يَسْتَقْرِئون مِن النبيِّ ﷺ، فكانوا إذا تعَلَّموا عشْرَ آياتٍ لم يُخَلِّفوها حتى يَعْمَلوا [بما فيها] (^٣) مِن العملِ، فتعَلَّمنا القرآنَ والعملَ جميعًا (^٤).
_________________
(١) في ر: "بأن الذي"، وفي ت ١: "بالذي".
(٢) سيأتي تصحيح المصنف له في ص ٨٣.
(٣) في ت ٢: "ما فيه".
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٦٠٢٧)، وابن سعد ٦/ ١٧٢، وابن أبي شيبة ١٠/ ٤٦٠، وأحمد ٥/ ٤١٠ (الميمنية) من طريق عطاء بن السائب به. وأخرجه الحاكم ١/ ٥٥٧، والبيهقي في الشعب (١٩٥٣، ١٩٥٤) من طريق شريك، عن عطاء، عن أبي عبد الرحمن، عن ابن مسعود. وقال الحاكم: صحيح الإسناد.
[ ١ / ٧٤ ]
وحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا جابرُ بنُ نُوحٍ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن مُسْلمٍ، عن مَسْروقٍ، قال: قال عبدُ اللَّهِ: والذي لا إلهَ غيرُه، ما نزَلَت آيةٌ في كتابِ اللَّهِ إلا وأنا أعْلَمُ فيمَ (^١) نزَلَت، وأين نزَلَت (^٢)، ولو أعْلَمُ مكانَ أحدٍ أعْلَمَ بكتابِ اللَّهِ مني تَنالُه المَطايا لأتَيْتُه (^٣).
وحدَّثنا يحيى بنُ إبراهيمَ المَسْعوديُّ، قال: حدَّثنا أبي، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمشِ، [عن مسلمٍ] (^٤)، عن مسروقٍ، قال: كان عبدُ اللَّهِ يَقْرَأُ علينا السورةَ، ثم يُحَدِّثُنا فيها ويُفَسِّرُها عامَّةَ النهارِ.
حدَّثني أبو السائبِ سلْمُ (^٥) بنُ جُنادةَ، قال: حدَّثنا أبو مُعاويةَ، عن الأعمشِ، عن شَقيقٍ، قال: اسْتَعْمَل عليٌّ ابنَ عباسٍ على الحجِّ. قال: فخطَب الناسَ خُطبةً لو سمِعها التركُ والرومُ لأسْلَموا، ثم قرَأ عليهم سورةَ النورِ، فجعَل يُفَسِّرها (^٦).
وحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ شَقيقِ بنِ سَلَمةَ، قال: قرَأ ابنُ عباسٍ سورةَ البقرةِ، فجعَل يُفَسِّرُها، فقال رجلٌ: لو سمِعَت هذا الدَّيْلَمُ لأَسْلَمَت (^٧).
_________________
(١) في ت ١، والبخاري: "في من".
(٢) بعده في م: "وأين أنزلت".
(٣) أخرجه البخاري (٥٠٠٢)، ومسلم (٢٤٦٣) من طريق الأعمش به بنحوه. وينظر ما تقدم في ص ٤٦.
(٤) سقط من: ت ١.
(٥) في م: "سالم".
(٦) أخرجه أبو العباس السراج - كما في الإصابة ٤/ ١٤٩ - ومن طريقه الحاكم ٣/ ٥٣٧ من طريق أبي معاوية به.
(٧) أخرجه الفسوي في تاريخه ١/ ٤٩٥ من طريق سفيان به. وفيه أنه قرأ سورة النور.
[ ١ / ٧٥ ]
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا ابنُ (^١) يَمانٍ، عن أشعثَ بنِ إسحاقَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: مَن قرَأ القرآنَ ثم لم يُفَسِّرْه، كان كالأعْجَمِيِّ (^٢) أو: كالأعْرابيِّ.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ذكَر أبو بكرِ بنُ عياشٍ الأعمشَ، قال: قال أبو وائلٍ: ولِي ابنُ عباسٍ الموسمَ، فخطَبهم فقرَأ على المِنْبرِ سورةَ النورِ، واللَّهِ لو سمِعها التركُ لأسْلَموا. فقيل له: حَدِّثْنا (^٣) به عن عاصمٍ. فسكَت (^٤).
وحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعْتُ الأعمشَ، عن شَقيقٍ، قال: شهِدْتُ ابنَ عباسٍ وولِي الموسمَ، فقرَأ سورةَ النورِ على المنبرِ، وفسَّرها، لو سمِعَت الرومُ لأَسْلَمَت.
قال أبو جعفرٍ: وفي حثِّ (^٥) اللَّهِ ﷿ عبادَه على الاعتبارِ بما في آيِ القرآنِ مِن المواعظِ والبيناتِ (^٦) - بقولِه جلّ ذكرُه لنبيِّه ﷺ: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]. وقولِه: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٧، ٢٨]. وما أشْبَهَ ذلك مِن آيِ القرآنِ التي أمَر اللَّهُ عبادَه وحثَّهم فيها على الاعتبارِ بأمثالِ آيِ القرآنِ والاتِّعاظِ بمَواعظِه - ما يَدُلُّ على أن عليهم معرفةَ
_________________
(١) في م: "أبو". وهو أبو زكريا يحيى بن يمان. ينظر تهذيب الكمال ٣٢/ ٥٥.
(٢) في ص، ر، م: "كالأعمى".
(٣) في ت ١: "حدثتنا".
(٤) ينظر الإصابة ٤/ ١٤٩.
(٥) في ت ٢: "حثيث".
(٦) في م، ت ٢: "التبيان".
[ ١ / ٧٦ ]
تأويلِ ما لَمْ يُحْجَبْ عنهم تأويلُه مِن آيِه (^١)؛ لأنه مُحالٌ أن يُقالَ لمن لا يَفْهَمُ ما يُقالُ له، ولا يَعْقِلُ تأويلَه: اعْتَبِرْ بما لا فهمَ لك به ولا معرفةَ مِن القيلِ والبيانِ [والكلامِ] (^٢). إلا على معنى الأمرِ بأن يَفْهَمَه ويَفْقَهَه، ثم يَتَدَبَّرَه ويَعْتَبِرَ به.
فأما قبلَ (^٣) ذلك فمستحيلٌ أمرُه بتدبرِه، وهو بمعناه جاهلٌ، كما مُحالٌ أن يُقالَ لبعضِ أصنافِ الأممِ الذين لا يَعْقِلون كلامَ العربِ ولا يَفْهَمونه (^٤)، لو أُنْشِدَ (^٥) قصيدةَ شعرٍ مِن أشعارِ بعضِ العربِ ذاتَ أمثالٍ ومَواعظَ وحِكَمٍ: اعْتَبِرْ بما فيها مِن الأمثالِ، وادَّكِرْ بما فيها مِن المواعظِ - إلَّا بمعنى الأمرِ له (^٦) بفهمِ كلامِ العربِ ومعرفتِه، ثم الاعتبارِ بما نبَّهَه عليه ما فيها مِن الحِكَمِ، فأما وهي جاهلةٌ بمعاني ما فيها مِن الكلامِ والمَنْطِقِ، فمُحالٌ أمرُها بما دلَّت عليه معاني ما حوَته مِن الأمثالِ والعِبَرِ، بل سواءٌ أمرُها بذلك وأمرُ بعضِ البهائمِ به، إلا بعدَ العلمِ بمعاني المَنْطِقِ والبيانِ الذي فيها.
فكذلك ما في آيِ كتابِ اللَّهِ مِن العبرِ والحِكمِ والأمثالِ والمَواعِظِ، لا يجوزُ أن يقالَ: اعْتَبِرْ بها. إلا لمَن كان بمعاني بيانِه عالمًا، وبكلامِ العربِ عارفًا، وإلا بمعنى الأمرِ لمن كان بذلك منه جاهلًا أن يَعْلَمَ معانيَ كلامِ العربِ، ثم يَتَدَبَّرَه بعدُ، ويَتَّعِظَ بحِكَمِه وصنوفِ عِبَرِه.
_________________
(١) في م: "آيات".
(٢) سقط من: م، ت ٢.
(٣) في ت ١: "قيل".
(٤) في ت ١: "يفقهونه".
(٥) في م: "أنشدت".
(٦) في م: "لها".
[ ١ / ٧٧ ]
فإذ (^١) كان ذلك كذلك، وكان اللَّهُ جلَّ ثناؤُه قد أمَر عبادَه بتدبُّرِه وحثَّهم على الاعتبارِ بأمثالِه - كان معلومًا أنه لم يَأْمُرْ بذلك مَن كان بما يَدُلُّ عليه آيُه جاهلًا. وإذ لَمْ يَجُزْ أن يَأْمُرَهم بذلك إلا وهم بما يَدُلُّهم عليه عالِمون، صحَّ أنهم بتأويلِ ما لم يُحْجَبْ عنهم علمُه مِن آيِه الذي اسْتَأْثَر اللَّهُ بعلمِه منه دونَ خلقِه، الذي (^٢) قدَّمنا صفتَه آنفًا عارفون. وإذ صحَّ ذلك، فسَد قولُ مَن أنْكَر تفسيرَ المُفَسِّرِين مِن كتابِ اللَّهِ وتنزيلِه ما لَمْ يَحْجُبْ عن خلقِه تأويلَه.