حدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾: يعني المنافقين مِن الأوْسِ والخَزْرَجِ ومَن كان على أمرِهم (^٤).
وقد سُمِّي في حديثِ ابنِ عباسٍ هذا أسماؤُهم (^٥)، غيرَ أني ترَكْتُ تسميتَهم كراهةَ إطالةِ الكتابِ بذكرِهم.
حدَّثنا الحسنُ (^٦) بنُ يحيى، قال: أنبأنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أنبأنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ
_________________
(١) زيادة من: م.
(٢) ينظر ما تقدم في ص ١٢٤.
(٣) سقط من: ص.
(٤) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٢ (١٠٤) من طريق سلمة به.
(٥) بعده في م: "عن أبي بن كعب".
(٦) في م، ت ٢: "الحسين".
[ ١ / ٢٧٥ ]
في قولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾. حتى بلَغ: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. قال: هذه في المنافقين (^١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو الباهليُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ ميمونٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: هذه الآيةُ إلى ثلاثَ عَشْرةَ في نعتِ المنافقين (^٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٣).
حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا أبي، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن (^٤) ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾: هم المنافقون (^٥).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، عن ابنِ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ في قولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى:
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٥٠ (١٥٦) عن الحسن بن يحيى به.
(٢) ينظر ما تقدم في ص ٢٤٥.
(٣) أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص ١٣ من طريق أبي حذيفة، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح به.
(٤) في م: "وعن".
(٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٩ إلى المصنف عن ابن مسعود وحده. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٢ عقب الأثر (١٠٥) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط، عن السدي من قوله.
[ ١ / ٢٧٦ ]
﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾. قال: هؤلاء أهلُ النفاقِ (^١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ في قولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ قال: هذا المنافقُ، يخالفُ قولُه فعلَه، وسرُّه علانيتَه، ومَدْخَلُه مَخْرَجَه، ومَشْهَدُه مَغِيبَه (^٢).
وتأويلُ ذلك أن اللَّهَ ﵎ لما جمَع لرسولِه محمدٍ ﷺ أمرَه في دارِ هجرتِه، واسْتَقرَّ بها قرارُه، وأظْهَر اللَّهُ بها كلِمتَه، وفشا في دُورِ أهلِها الإسلامُ، وقهَر بها المسلمون مَن فيها مِن أهلِ الشركِ مِن عَبَدةِ الأوْثانِ، وذلَّ بها مَن فيها مِن أهلِ الكتابِ - أظْهَر أحبارُ يهودِها لرسولِ اللَّهِ ﷺ الضَّغائنَ، وأبْدَوا له العداوةَ والشنآنَ (^٣)، حسدًا وبَغيًا، إلا نفرًا منهم هداهم اللَّهُ للإسلامِ فأسْلَموا، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩]. وطابَقهم سرًّا على معاداةِ النبيِّ ﷺ وأصحابِه وبغيِهم الغوائلَ (^٤) - قومٌ مِن أراهطِ (^٥) الأنصارِ الذين آوَوْا رسولَ اللَّهِ ﷺ ونصَروه، كانوا (^٦) قد عَسَوا (^٧) في شركِهم وجاهليَّتِهم
_________________
(١) أخرجه أبن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٢ (١٠٥) من طريق أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية.
(٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٧٢ عن ابن جريج به.
(٣) في ص: "الشنار". والشنآن: البغض. اللسان (ش ن أ).
(٤) الغوائل: الدواهي. اللسان (غ ول).
(٥) الأراهط جمع الرهط: ما دون العشرة من الرجال لا يكون فيهم امرأة. اللسان (ر هـ ط).
(٦) في م: "وكانوا".
(٧) في م: "عتوا".
[ ١ / ٢٧٧ ]
قد سُمُّوا لنا بأسمائِهم، كرِهنا تطويلَ الكتابِ بذكرِ أسمائِهم وأنسابِهم، وظاهَروهم على ذلك في خَفاءٍ غيرِ جِهارٍ؛ حِذارَ القتلِ على أنفسِهم والسِّباءِ مِن رسولِ اللَّهِ ﷺ وأصحابِه، وركونًا إلى اليهودِ، لما هم عليه من الشركِ وسوءِ البصيرةِ بالإسلامِ. فكانوا إذا لَقُوا رسولَ اللَّهِ ﷺ وأهلَ الإيمانِ به مِن أصحابِه، قالوا لهم حِذارًا على أنفسِهم: إنَّا مؤمنون باللَّهِ وبرسولِه وبالبعثِ. وأعَطَوهم بألسنتِهم كلمةَ الحقِّ ليَدْرءوا عن أنفسِهم حكمَ اللَّهِ في من اعْتَقد ما هم عليه مقيمون من الشركِ، لو أَظْهروا بألسنتِهم ما هم معتقدوه مِن شركِهم، وإذا لَقُوا إخوانَهم مِن اليهودِ وأهلِ الشركِ والتكذيبِ بمحمدٍ ﷺ وبما جاء به، فخَلَوا بهم: ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. فإيَّاهم عَنى جلَّ ذكرُه بقولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾. يعني بقولِه تعالى خبرًا عنهم: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾: صدَّقنا (^١) باللَّهِ.
وقد دلَّلنا على أن معنى الإيمانِ التصديقُ، فيما مضَى مِن كتابِنا هذا قبلُ (^٢).
وقولُه: ﴿وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. يعني بالبعثِ يومَ القيامةِ، وإنما سُمِّي يومُ القيامةِ اليومَ الآخرَ؛ لأنه آخرُ يومٍ، لا يومَ بعدَه سواه.
فإن قال قائلٌ: وكيف لا يكونُ بعدَه يومٌ، ولا انقطاعَ للآخرةِ ولا فناءَ ولا زوالَ؟
قيل: إن اليومَ عندَ العربِ إنما يُسَمَّى يومًا بليلتِه التي قبلَه، فإذا لم يتقدَّمِ النهارَ ليلٌ لم يُسَمَّ يومًا. فيومُ القيامةِ يومٌ لا ليلَ (^٣) بعدَه، سوى الليلةِ التي قامت في
_________________
(١) في م: "وصدقنا".
(٢) زيادة من: ر. وينظر ما تقدم في ص ٢٤٠، ٢٤١.
(٣) بعده في ص، م: "له".
[ ١ / ٢٧٨ ]
صبيحتِها القيامةُ، فذلك اليومُ هو آخرُ الأيامِ، ولذلك سمَّاه اللَّهُ جلَّ ثناؤُه اليومَ الآخِرَ، ونعَته بالعُقْمِ (^١)، ووصَفه بأنه يومٌ عقيمٌ (^٢)؛ لأنه لا ليلَ بعدَه.
وأما تأويلُ قولِه: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾. ونفيُه عنهم جلّ ذكرُه اسمَ الإيمانِ، وقد أخْبَر عنهم أنهم قد قالوا بألسنتِهم: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. فإن ذلك مِن اللَّه جلَّ ذكرُه تكذيبٌ لهم فيما أخْبروا عن اعتقادِهم مِن الإيمانِ بقُلوبِهم (^٣)، والإقرارِ بالبعثِ، وإعلامٌ منه نبيَّه ﷺ أن الذي يُبْدُونه له بأفواهِهم خلافُ ما في ضمائرِ قلوبِهم، وضِدُّ ما في عزائمِ نفوسِهم.
وفي هذه الآيةِ دلالةٌ واضحةٌ على بُطولِ ما زعَمَته الجَهْميَّةُ (^٤) أن الإيمانَ هو التصديقُ بالقولِ دونَ سائرِ المعاني غيرِه، وقد أخْبَر اللَّهُ جلَّ ذكرُه عن الذين ذكَرهم في كتابه من أهلِ النفاقِ أنهم قالوا بألسنتِهم: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. ثم نفَى عنهم أن يكونوا مؤمنين، إذ كان اعتقادُهم غيرَ مُصدِّقٍ قِيلَهم ذلك.
وقولُه: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾. يعني: بمصدِّقين بما (^٥) يَزْعُمون أنهم به مُصدِّقون.