فإن قال لنا قائلٌ: فما أنت قائلٌ فيما حدَّثكم به العباسُ بنُ عبدِ العظيمِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ خالدٍ ابنُ عَثْمةَ (^٤)، قال: حدَّثني جعفرُ بنُ محمدٍ الزُّبَيريُّ، قال: حدَّثني هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: ما كان النبيُّ ﷺ يُفَسِّرُ شيئًا مِن القرآنِ إلا آيًا بعَددٍ (^٥)، علَّمهنَّ إياه جبريلُ (^٦).
حدَّثنا [أبو بكرٍ] (^٧) محمدُ بنُ يزيدَ الطَّرَسُوسيُّ، قال: أخْبَرَنا مَعْنُ [بنُ عيسى] (^٧)،
_________________
(١) في م: "فإذا"، وفي ت ١: "فإن".
(٢) بعده في م: "قد".
(٣) بعده في م، ت ١: "بعض".
(٤) في م: "عتمة". وينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ١٤٣.
(٥) في م: "تعد"، وفي ت ٢: "تعدد". والمثبت موافق لأكثر نسخ تفسير ابن كثير ١/ ١٣٣ - تحقيق أبي إسحاق الحويني - وقد ذكره عن المصنف.
(٦) حديث منكر. أخرجه البزار (٢١٨٥ - كشف) عن محمد بن المثنى، عن محمد بن خالد ابن عثمة، عن حفص - أظنه ابن عبد الله - عن هشام به. وأخرجه ابن شاهين في الجزء الخامس من الأفراد (٣١) من طريق جعفر بن محمد به.
(٧) زيادة من: ر.
[ ١ / ٧٨ ]
عن جعفرِ (^١) بنِ خالدٍ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: لم يكنِ النبيُّ ﷺ يُفَسِّرُ شيئًا مِن القرآنِ إلا آيًا بعَددٍ (^٢)، علَّمهن إياه جبريلُ ﵇ (^٣).
وحدَّثنا أحمدُ بنُ عَبْدةَ الضَّبِّيُّ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زيدٍ، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّهِ بنُ عمرَ، قال: لقد أدْرَكْتُ فُقهاءَ المدينةِ وإنهم لَيُعْظِمون القولَ في التفسيرِ؛ منهم سالمُ بنُ عبدِ اللَّهِ، والقاسمُ بنُ محمدٍ، وسعيدُ بنُ المسيَّبِ، ونافعٌ (^٤).
وحدَّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، قال: سمِعْتُ رجلًا يَسْألُ سعيدَ بنَ المسيَّبِ عن آيةٍ مِن القرآنِ، فقال: لا أقولُ في القرآنِ شيئًا (^٥).
حدَّثنا يونُسُ، قال: حدَّثنا ابنُ وهبٍ، قال: أخْبَرَني مالكٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ أنه كان إذا سُئِل عن تفسيرِ آيةٍ مِن القرآنِ قال: [إنا لا نقولُ] (^٦) في القرآنِ شيئًا.
حدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: سمِعْتُ الليثَ يُحَدِّثُ عن
_________________
(١) في ت ٢: "حرمل".
(٢) في م: "تعد"، وفي ت ٢: "تعدد".
(٣) أخرجه ابن شاهين في الجزء الخامس من الأفراد (٣١) من طريق معن بن عيسى به. وأخرجه أبو يعلى (٤٥٢٨) من طريق معن، عن فلان بن محمد بن خالد، عن هشام به. قال الهيثمي في المجمع ٦/ ٣٠٣: رواه أبو يعلى، والبزار بنحوه، وفيه راوٍ لم يحرر اسمه عند واحد منهما. وبقية رجاله رجال الصحيح. أما البزار فقال … فذكره. وذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٨ عن المصنف، وقال: حديث منكر غريب. وجعفر هذا هو ابن محمد بن خالد بن الزبير بن العوام القرشي الزبيري، قال البخاري: لا يتابع في حديثه. وقال الحافظ أبو الفتح الأزدي: منكر الحديث. اهـ. وقد قال المصنف عن جعفر هذا: لا يعرف في أهل الآثار. كما سيأتي في ص ٨٣.
(٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٧ عن المصنف.
(٥) أخرجه ابن سعد ٢/ ٣٨١، ٥/ ١٣٧ من طريق مالك به.
(٦) في ص، م، ت ٢: "أنا لا أقول".
[ ١ / ٧٩ ]
يحيى بنِ سعيدٍ، عن ابنِ المسيَّبِ أنه كان لا يَتَكَلَّمُ إلا في المعلومِ مِن القرآنِ (^١).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا حَكّامٌ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن هشامٍ، عن ابنِ سِيرينَ، قال: سألْتُ عَبِيدةَ السَّلْمانيَّ عن آيةٍ، قال: عليك بالسَّدادِ، فقد ذهَب الذين علِموا فيمَ أُنْزِل القرآنُ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أيوبَ وابنِ عَوْنٍ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، قال: سألْتُ عَبيدةَ عن آيةٍ مِن القرآنِ، فقال: ذهَب الذين كانوا يَعْلَمون فيم أُنْزِل القرآنُ، فاتَّقِ اللَّهَ وعليك بالسَّدادِ (^٢).
حدَّثني يعقوبُ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، عن ابنِ أبي مُلَيْكةَ، أنَّ ابنَ عباسٍ سُئِل عن آيةٍ لو سُئِل عنها بعضُكم لَقال فيها، فأبَى أن يقولَ فيها (^٣).
حدَّثني يعقوبُ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن مَهْديِّ بنِ ميمونٍ، عن الوليدِ بنِ مسلمٍ، قال: جاء طَلْقُ بنُ حَبيبٍ إلى جُنْدُبِ بنِ عبدِ اللَّهِ فسأله عن آيةٍ مِن القرآنِ، فقال له: أُحَرِّجُ عليك إن كنتَ مسلمًا لَما قمتَ عني. أو قال: أن تُجالِسَني (^٤).
حدَّثني العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أخْبَرَني أبي، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ شَوْذَبٍ، قال: حدَّثني يزيدُ بنُ أبي يزيدَ، قال: كنا نَسْألُ سعيدَ بنَ المُسَيَّبِ عن الحلالِ والحرامِ، وكان أعلمَ الناسِ، فإذا سألْناه عن تفسيرِ آيةٍ مِن القرآنِ سكَت كأن لم
_________________
(١) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ٢٢٨ من طريق الليث به.
(٢) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ٢٢٨، وسعيد بن منصور في سننه (٤٤ - تفسير)، وابن أبي شيبة ١٠/ ٥١١، والبيهقي في الشعب (٢٢٨٢) من طريق ابن عون به.
(٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٦ عن المصنف، وقال: إسناد صحيح. وينظر فضائل القرآن لأبي عبيد ص ٢٢٧، ٢٢٨.
(٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٧ عن المصنف.
[ ١ / ٨٠ ]
يَسْمَعْ (^١).
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: أخْبَرَنا شعبةُ، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ، قال: سأل رجلٌ سعيدَ بنَ المسيَّبِ عن آيةٍ مِن القرآنِ، فقال: لا تَسْألْني عن (^٢) القرآنِ، وسَلْ مَن يَزْعُمُ أنه لا يَخْفَى عليه شيءٌ منه. يعني عِكْرمةَ (^٣).
وحدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عامرٍ، عن شعبةَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي السَّفَرِ، قال: قال الشعبيُّ: واللَّهِ ما مِن آيةٍ إلا قد سألْتُ عنها، ولكنَّها الروايةُ عن (^٤) اللَّهِ تعالى (^٥).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن صالحٍ - يعني ابنَ مسلمٍ (^٦) - قال: حدَّثني رجلٌ، عن الشعبيِّ، قال: ثلاثٌ لا أقولُ فيهنَّ حتى أموتَ؛ القرآنُ، والروحُ (^٧)، والرأيُ (^٨).
وما أشبَه ذلك مِن الأخبارِ (^٩)؟
قيل له: أما الخبرُ الذي رُوِي عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أنه لم يكنْ يُفَسِّرُ مِن القرآنِ شيئًا إلا آيًا بعددٍ (^١٠)، فإن ذلك مُصَحِّحٌ ما قلْنا مِن القولِ في البابِ الماضي قبلُ، وهو
_________________
(١) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٧ عن ابن شوذب به.
(٢) بعده في م: "آية من"، وفي ت ٢: "شيء من القرآن".
(٣) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ٢٢٨، وابن أبي شيبة ١٠/ ٥١١ عن محمد بن جعفر به.
(٤) في ص، ت ١، ت ٢: "على". وعند ابن عساكر: "ولكنها الرواية عن الله - أو قال: على الله".
(٥) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٢٥/ ٣٦٥ من طريق سعيد بن عامر به. وينظر تفسير ابن كثير ١/ ١٧.
(٦) في ت ١: "سلم"، وفي ت ٢: "أسلم". وينظر التاريخ الكبير ٤/ ٢٩٠.
(٧) في ص، ر، ت ١، ت ٢: "الزرع".
(٨) في ص، ر، ت ١: "الربا"، وفي ت ٢: "الري".
(٩) هذا آخر السؤال الذي بدأه المصنف في ص ٧٨.
(١٠) في م: "تعد"، وفي ت ٢: "تعدد".
[ ١ / ٨١ ]
أن مِن تأويلِ القرآنِ ما لا يُدْرَكُ علمُه إلا ببيانِ الرسولِ ﷺ، وذلك تفصيلُ (^١) جُمَلِ ما في آيِه، مِن أمرِ اللَّهِ ونهيِه، وحلالِه وحرامِه، وحدودِه وفَرائضِه، وسائرِ معاني شرائعِ دينِه، الذي هو مُجْمَلٌ في ظاهرِ التنزيلِ، وبالعبادِ إلى تفسيرِه الحاجةُ، لا يُدْرَكُ علمُ تأويلِه إلا ببيانٍ مِن عندِ اللَّهِ على لسانِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، وما أشبَه ذلك مما تَحْوِيه آيُ القرآنِ، مِن سائرِ حُكْمِه الذي جعَل اللَّهُ بيانَه لخلقِه إلى رسولِه ﷺ، فلا يَعْلَمُ أحدٌ مِن خلقِ اللَّهِ تأويلَ ذلك إلا ببيانِ الرسولِ ﷺ، ولا يَعْلَمُه رسولُ اللَّهِ ﷺ إلا بتعليمِ اللَّهِ ذلك إياه بوحيِه إليه، إما مع جبريلَ، أو مع مَن شاء مِن رسلِه إليه. فذلك هو الآيُ التي كان رسولُ اللَّهِ ﷺ يُفَسِّرُها لأصحابِه بتعليمِ جبريلَ إياه، وهن لا شكَّ آيٌ ذواتُ عَدَدٍ.
ومِن آيِ القرآنِ ما قد ذكَرْنا أن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه اسْتَأْثَر بعلمِ تأويلِه، فلم يُطْلِعْ على علمِه مَلَكًا مُقَرَّبًا، ولا نبيًّا مرسلًا، ولكنهم يُؤْمِنون بأنه مِن عندِه، وأنه لا يَعْلَمُ تأويلَه إلا اللَّهُ.
فأما ما لا بُدَّ للعبادِ مِن علمِ تأويلِه، فقد بيَّن لهم نبيُّهم ﷺ ببيانِ اللَّهِ ذلك له بوحيِه مع جبريلَ، وذلك هو المعنى الذي أمَره اللَّهُ ببيانِه (^٢) لهم، فقال له جلّ ذكرُه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤].
ولو كان تأويلُ الخبرِ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أنه كان لا يُفَسِّرُ مِن القرآنِ شيئًا إلا آيًا بعددٍ - هو ما يَسْبِقُ إليه أوهامُ أهلِ الغَباءِ مِن أنه لم يكنْ يُفَسِّرُ مِن القرآنِ إلا القليلَ
_________________
(١) في م: "يفصل".
(٢) في ص، ر، ت ١، ت ٢: "بيانه".
[ ١ / ٨٢ ]
مِن آيِه واليسيرَ مِن حروفِه، كان إنما أُنْزِل إليه ﷺ الذكرُ ليتْرُكَ للناسِ (^١) بيانَ ما نزِّل إليهم، لا ليُبَيِّنَ لهم ما أُنْزِل إليهم.
وفي أمرِ اللَّهِ جل ثناؤُه نبيَّه ﷺ ببلاغِ ما أَنزَل إليه، وإعلامِه إياه أنه إنما نزَّل إليه ما أَنْزَل ليُبَيِّنَ للناسِ ما نُزِّل إليهم، وقيامِ الحجةِ على أن النبيَّ ﷺ قد بلَّغ [وأدَّى] (^٢) ما أمَره اللَّهُ ببلاغِه وأدائِه على ما أمَره به، وصحةِ الخبرِ عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ بقيلِه (^٣): كان الرجلُ منا إذا تعَلَّم عشْرَ آياتٍ لم يُجاوِزْهن حتى يَعْلَمَ مَعانِيَهن والعملَ بهنَّ (^٤) - ما يُنْبِئُ عن جهلِ مَن ظنَّ أو توَهَّم أن معنى الخبرِ الذي ذكَرْنا عن عائشةَ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أنه لم يكنْ يُفَسِّرُ مِن القرآنِ شيئًا إلا آيًا بعددٍ، هو أنه لم يكنْ يُبَيِّنُ (^٥) لأمتِه مِن تأويلِه إلا اليسيرَ القليلَ منه.
هذا مع ما في الخبرِ الذي رُوِي عن عائشةَ مِن العلةِ التي في إسنادِه التي لا يَجوزُ معها الاحتجاجُ به لأحدٍ ممَّن علِم صحيحَ سندِ الآثارِ وفاسدَها في الدينِ؛ لأن راويَه ممَّن لا يُعْرَفُ في أهلِ (^٦) الآثارِ، وهو جعفرُ بنُ محمدٍ الزُّبيريُّ (^٧).
وأما الأخبارُ التي ذكَرْناها عمَّن ذكَرْناها عنه مِن التابعين بإحْجامِه عن التأويلِ، فإن فعْلَ مَن فعَل ذلك منهم، كفعْلِ مَن أحْجَم منهم عن الفُتْيا في النَّوازلِ والحوادثِ، مع إقرارِه بأن اللَّهَ جلّ ثناؤُه لم يَقْبِضْ نبيَّه إليه إلا بعدَ إكمالِ (^٨) الدينِ به
_________________
(١) في ر: "الناس".
(٢) في م: "فأدى".
(٣) في م: "لقيله".
(٤) تقدم تخريجه في ص ٧٤.
(٥) في ر: "بين".
(٦) سقط من: ر.
(٧) ينظر ما تقدم في ص ٧٩.
(٨) في ر: "كمال".
[ ١ / ٨٣ ]
لعبادِه، وعلمِه بأن للَّهِ في كلِّ نازلةٍ وحادثةٍ حُكْمًا موجودًا بنصٍّ أو دَلَالةٍ، فلم يكنْ إحجامُه عن القولِ في ذلك إحجامَ جاحدٍ أن يكونَ للَّهِ فيه حكمٌ موجودٌ بينَ أظهرِ عبادِه، ولكن إحجامَ خائفٍ ألا يَبْلُغَ باجتهادِه (^١) ما كلَّف اللَّهُ العلماءَ مِن عبادِه فيه.
فكذلك معنى إحجامِ مَن أحْجَم عن القِيلِ في تأويلِ القرآنِ وتفسيرِه مِن العلماءِ السلفِ، إنما كان إحجامُه عنه حِذارًا ألا يَبْلُغَ أداءَ ما كُلِّف مِن إصابةِ صوابِ القولِ فيه، لا على أن تأويلَ ذلك مَحْجوبٌ عن علماءِ الأمةِ، غيرُ موجودٍ بينَ أظْهُرِهم.