فإن كانت المكانة العلمية لابن جرير محل ثناء العلماء وتقديرهم، فإن الناحية الأخلاقية كانت منه بالمنزل نفسه، فقد كان عفيف النفس، زاهدًا، ورعًا، كريمًا، قال مخلد بن جعفر الدقاق: أنشدنا محمد بن جرير لنفسه:
إذا أعْسَرْتُ لم يَعْلَمْ رفيقي … وأستغني فيستغني صديقي
حيائي حافِظٌ لي ماءَ وجهي … ورفْقي في مطالبتي رفيقي
ولو أني سمحتُ بماءِ وجهي … لكنت إلى العلى سهل الطريق
قال: وأنشدنا أيضًا:
خُلُقان لا أرضى طريقهما … بطرُ الغنى ومذلةُ الفقر
فإذا غنيت فلا تكن بَطرًا … وإذا افتقرت فته على الدهر (^٣)
قال الفرغاني: سمعته يقول: أبطأتْ عني نفقة والدي، واضطررت إلى أن
_________________
(١) معجم الأدباء ١٨/ ٥٦.
(٢) المرجع السابق ١٨/ ٥٩.
(٣) "تاريخ بغداد" ٢/ ١٦٥، والمنتظم لابن الجوزي ١٣/ ٢١٦، سير أعلام النبلاء ١٤/ ٢٧٦.
[ المقدمة / ١٨ ]
فتقتُ كُمَّي القميص، فبعتهما (^١).
وقال الفرغاني أيضًا: كان محمد بن جرير ممن لا تأخذه في الله لومة لائم، مع عظيم ما يلحقه من الأذى والشناعات، من جاهل وحاسد، ومُلحد، فأما أهل العلم والدين فغير منكرين علمه، وزهده في الدنيا، ورفضه لها، وقناعته بما كان يرد عليه من حصة خلفها له أبوه بطبرستان يصيرة، ولما تقلد الخاقاني الوزارة وجه إليه بمال كثير، فأبى أن يقبله، فعرض عليه القضاء، فامتنع، فعاتبه أصحابه، وقالوا له: لك في هذا ثواب، وتحيى سنة قد درست. وطمعوا في أن يقبل ولاية المظالم، فانتهرهم، وقال: قد كنتُ أظن أني لو رغبت في ذلك لنهيتموني عنه (^٢).
وقال عبد العزيز بن محمد: كان عازفًا عن الدنيا، تاركًا لها ولأهلها، يرفع نفسه عن التماسها، وكان كالقارئ الذي لا يعرف إلا القرآن، وكالمحدِّث الذي لا يعرف إلا الحديث، وكالفقيه الذي لا يعرف إلا الفقه، وكالنحوي الذي لا يعرف إلا النحو، وكالحاسب الذي لا يعرف إلا الحساب، وكان عالمًا بالعبادات، جامعًا للعلوم، وإذا جمعت بين كتبه وكتب غيره وجدت لكتبه فضلًا على غيرها (^٣).
وقد مدح العلماء تواضعه وسمو خلقه، قال أبو بكر بن مجاهد: بلغنا أنه التقى مع المزني، فلا تسأل كيف استظهاره عليه، والشافعيون حضور يسمعونه، ولم يذكر مما جرى بينهما شيئًا. قال أبو بكر بن كامل. سألتُ أبا جعفر عن المسألة التي تناظر فيها هو والمزني فلم يذكرها؛ لأنه كان أفضل من أن يرفع نفسه وأن يذكر ظفره على خصم في مسألة، وكان أبو جعفر يُفضِّل المزني فيطريه ويذكر دينه (^٤).
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ١٤/ ٢٧٦، ٢٧٧، طبقات الشافعية ٣/ ١٢٥.
(٢) طبقات الشافعية ٣/ ١٢٥.
(٣) معجم الأدباء: ١٨/ ٦١.
(٤) المرجع السابق ١٨/ ٥٤.
[ المقدمة / ١٩ ]
وقال عبد العزيز بن محمد: كان أبو جعفر ظريفًا في ظاهره، نظيفًا في باطنه، حسن العشرة لمجالسيه، متفقدًا لأحوال أصحابه، مُهذبًا في جميع أحواله، جميل الأدب في مأكله وملبسه، وما يخصه في أحوال نفسه، منبسطًا مع إخوانه، حتى ربما داعبهم أحسن مداعبة، وربما جيء بين يديه بشيء من الفاكهة فيجرى في ذلك المَعْنَى مالا يخرج من العلم والفقه والمسائل، حتى يكون كأجد جدٍّ وأحسن علم، وكان إذا أهدى إليه مُهدٍ هدية مما يمكنه المكافأة عليه قَبِلها وكافأه، وإن كانت مما لا يمكنه المكافأة عليه ردها واعتذر إلى مهديها (^١).
ولو تُتبعت أقوال العلماء في الثناء عليه لطال الأمر جدًّا، ولكن في ذلك الكفاية لمن أراد أن يقف على ما تحلى به هذا الإمام؛ من العلم، والورع، والزهد، والتواضع، وحسن المعاشرة، ويكفيه أن هناك علومًا ثلاثة لا يذكر الطبري إلا مقرونًا بها: التفسير والتاريخ والفقه، فقد تفوق فيها على من سبقوه ومن لحقوه، فصار إمامًا لهذه العلوم من غير منازع، فنسأل الله أن يجزيه عن الإسلام خير الجزاء.