إن سأَلَنا منهم سائلٌ، فقال: إنك قد قدَّمْتَ (^٣) في أولِ كتابِك هذا في وصْفِ البيانِ، بأن أعلاه درجةً، وأشرفَه مَرْتَبةً، أبلغُه في الإبانةِ عن حاجةِ المُبَيِّنِ به عن نفسِه، وأبينُه عن مُرادِ قائلِه، وأقربُه مِن فَهمِ سامعِه، وقلتَ مع ذلك: إن أولى البيانِ بأن يكونَ كذلك كلامُ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه لفَضْلِه (^٤) على سائرِ الكلامِ (^٥)، بارتفاعِ درجتِه على أعلى درجاتِ البيانِ، فما الوجهُ - إذ كان الأمرُ على ما وصَفْتَ - في إطالةِ الكلامِ بمثلِ سُورةِ أمِّ القرآنِ بسبعِ آياتٍ، وقد حوَت معانيَ جميعِها منها آيتان،
_________________
(١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: "منشأة".
(٢) في ص، ر: "عينها".
(٣) تقدم في ص ٨، ٩.
(٤) في م، ت ٢، ت ٣: "بفضله".
(٥) بعده في م، ت ٣: "و".
[ ١ / ١٩٩ ]
وذلك قولُه: (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ). إذ كان لا شكَّ أن مَن عرَف مَلِكَ يومِ الدينِ، فقد عرَفه بأسمائِه الحُسْنَى، وصفاتِه المُثْلَي، وأن مَن كان للَّهِ مُطيعًا، فلا شكَّ أنه لسبيلِ مَن أنْعَم اللَّهُ عليه في دينِه مُتَّبِعٌ، وعن سبيلِ مَن غضِب عليه وضلَّ مُنعَدِلٌ، فما في زيادةِ الآياتِ الخمسِ الباقيةِ مِن الحكمةِ التي لم تَحْوِها الآيتان اللتان ذكَرْنا؟
قيل له: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه جمَع لنبيِّنا محمدٍ ﷺ ولأمتِه بما أنْزَل إليه مِن كتابِه معانيَ لم يَجْمَعْهن بكتابٍ (^١) أنْزَلَه إلى نبيٍّ قبلَه، ولا لأُمةٍ مِن الأممِ قبلَهم، وذلك أن كلَّ كتابٍ أنْزَله جلَّ ذكرُه، على نبيٍّ مِن أنبيائِه قبلَه، فإنما أنْزَله ببعضِ المعاني التي يَحْوِي جميعَها كتابُه الذي أنْزَله إلى نبيِّنا محمدٍ ﷺ، كالتوراةِ التي هي مَواعِظُ وتَفصيلٌ، والزَّبُورِ الذي هو تَحْميدٌ وتَمْجيدٌ، والإنجيلِ الذي هو مَواعِظُ وتَذْكيرٌ، لا مُعجزةَ في واحدٍ منها تَشْهَدُ لمَن أُنْزِل إليه بالتصديقِ، والكتابُ الذي أُنْزِل على نبيِّنا محمدٍ ﷺ يَحْوِي معانيَ ذلك كلِّه، ويَزِيدُ عليه كثيرًا مِن المعاني التي سائرُ الكتبِ غيرِه منها خالٍ، وقد قدَّمْنا ذكرَها فيما مضَى مِن هذا الكتابِ (^٢).
ومِن أشرفِ تلك المعاني التي فضَل بها كتابُنا سائرَ الكتبِ قبلَه نظْمُه العجيبُ، ورصفُه (^٣) الغريبُ، وتأْليفُه البديعُ، الذي عجَزَتْ عن نظمِ مثلِ أصغرِ سورةٍ منه الخُطَباءُ، وكلَّتْ عن رَصْفِ (^٤) شكلِ بعضِه البُلَغاءُ، وتحيَّرَت في تأليفِه
_________________
(١) في ص: "كتاب".
(٢) ينظر ما تقدم في ص ٦٥، ٦٦.
(٣) في ر، م، ت ١، ت ٣: "وصفه". والرصْف: ضم الشيء بعضه إلى بعض. اللسان (ر ص ف).
(٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: "وصف".
[ ١ / ٢٠٠ ]
الشعراءُ، وتبَلَّدَت - قصورًا عن أن تَأْتيَ بمثلِه - لديه أفهامُ الفُهماءِ، فلم يَجِدوا له إلا التسليمَ والإقرارَ بأنه مِن عندِ الواحدِ القَهَّارِ، مع ما يَحْوِي مع ذلك مِن المعاني التى هي ترغيبٌ وترهيبٌ، وأمرٌ وزجرٌ، وقَصَصٌ وجَدَلٌ ومَثَلٌ، وما أشبهَ ذلك مِن المعاني التي لم تَجْتَمِعْ (^١) في كتابٍ أُنْزِل إلى الأرضِ مِن السماءِ. فمهما يَكُنْ فيه مِن إطالةٍ على نحوِ ما في أمِّ القرآنِ، فلِما وصَفْتُ قبلُ مِن أن اللَّهَ جلَّ ذكرُه أراد أن يَجْمَعَ برصفِه العجيبِ، ونظْمِه الغريبِ، المُنْعَدِلِ عن أوزانِ الأشعارِ، وسَجْعِ الكُهَّان، وخُطَبِ الخطباءِ، ورسائلِ البُلغاءِ، العاجزِ عن رصْفِ مثلِه جميعُ الأنامِ، وعن نظمِ نظيرِه كلُّ العبادِ - الدلالةَ على نبوةِ نبيِّنا محمدٍ ﷺ.
وبما فيه مِن تحْميدٍ وتمْجيدٍ وثناءٍ عليه، تنبيهَ العبادِ على عظمتِه وسلطانِه وقدرتِه وعِظَمِ مَملكتِه، ليَذْكُروه بآلائِه، ويَحْمَدوه على نَعْمائِه، فيَسْتَحِقُّوا به منه المزيدَ، ويَسْتَوْجِبوا عليه الثوابَ الجزيلَ.
وبما فيه مِن نَعْتِ مَن أنْعَم عليه بمعرفتِه وتفضَّل عليه بتوفيقِه لطاعتِه، تعريفَ عبادِه أن كلَّ ما بهم مِن نعمةٍ في دينِهم ودُنْياهم فمنه، ليَصْرِفوا رغبتَهم إليه، ويَبْتَغوا حاجاتِهم مِن عندِه دونَ ما سواه مِن الآلهةِ والأندادِ.
وبما فيه مِن ذكرِه ما أحَلَّ بمَن عَصَاه مِن مَثُلاتِه، وأنْزَل بمَن خالَف أمرَه مِن عقوباتِه، ترهيبَ عبادِه عن رُكوبِ مَعاصِيه، والتعرُّضِ لما لا قِبَلَ لهم به مِن سَخَطِه، فيَسْلُكَ بهم في النَّكالِ والنَّقِماتِ سبيلَ مَن ركِب ذلك مِن الهُلَّاكِ.
فذلك وجهُ إطالةِ البيانِ في سورةِ أمِّ القرآنِ، وفيما كان نظيرًا لها مِن سائرِ سُورِ الفرقانِ، وذلك هو الحكمةُ البالغةُ والحجةُ الكاملةُ.
_________________
(١) في ص، ر، ت ١، ت ٢، ت ٣: "تجمع".
[ ١ / ٢٠١ ]
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا المُحارِبيُّ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: حدَّثني العَلاءُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ يعقوبَ، عن أبي السائبِ مولى زُهْرةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "إذا قال العَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي. وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. قال: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي. وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. قال: مَجَّدَنِي عبدِي، فهذا لي. وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. إلى أن يَخْتِمَ السُّورَةَ. قال: فذاك له" (^١).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عَبْدةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن العَلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبي السائبِ، عن أبي هريرةَ، قال: إذا قال العبدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ثم ذكَر نحوَه، ولم يَرْفَعْه.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا أبو أسامةَ، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ كثيرٍ، قال: حدَّثني العَلاءُ بنُ عبدِ الرحمنِ مولى الحُرَقةِ، عن أبي السائبِ، عن أبي هريرةَ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ مثلَه (^٢).
حدَّثني صالحُ بنُ مِسْمارٍ المَرْوَزيُّ، قال: حدَّثنا زيدُ بنُ الحُبَابِ، قال: حدَّثنا عَنْبَسةُ بنُ سعيدٍ، عن مُطَرِّفِ بنِ طَرِيفٍ، عن سعدِ بنِ إسحاقَ بنِ كعبِ بنِ عُجْرةَ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "قال اللَّهُ ﷿: قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ (^٣)، وله ما سَألَ، فإذا قال العَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ
_________________
(١) أخرجه أحمد ١٣/ ٢٣٣ (٧٨٣٨)، والبخاري في القراءة خلف الإمام (٧٣)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (٥٧، ٥٨) من طرق عن ابن إسحاق به. وأخرجه مسلم (٣٩٥/ ٣٩، ٤٠)، والنحاس في القطع والائتناف ص ١٠١، ١٠٢، وغيرهما من طريق العلاء به. وينظر مسند الطيالسي (٢٦٨٤).
(٢) أخرجه البيهقي ٢/ ١٦٦، وفي القراءة خلف الإمام (٥٤) من طريق أبي أسامة به.
(٣) سقط من: ر، ت ١، ت ٢، ت ٣.
[ ١ / ٢٠٢ ]
رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال (^١): حَمِدَنِي عَبْدِي. وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. قال: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي. وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. قال: مَجَّدَنِي عَبْدِي. قال: هَذَا لِي وله ما بَقِي" (^٢).
آخرُ تفسيرِ سورةِ فاتحةِ الكتابِ
_________________
(١) بعده في م، ت ٢، ت ٣: "اللَّه".
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٨ (١٩)، والسهمي في تاريخ جرجان ص ١٤٤ من طريق زيد بن الحباب به، بنحوه دون آخره. وقال ابن كثير في تفسيره ١/ ٢٥: وهذا غريب من هذا الوجه.
[ ١ / ٢٠٣ ]