﷽
(^١)
[قُرِئ على أبي جعفرٍ محمدِ بنِ جريرٍ الطَّبَرِيِّ، في سنةِ ستٍّ وثلاثِمائةٍ، قال] (^٢):
الحمدُ للَّهِ الذي حَجَّت (^٣) الألبابَ بَدائعُ حُكْمِه (^٤)، وخصَمَت العقولَ لَطائفُ حُجَجِه، وقَطعَت عُذْرَ المُلْحِدِين عَجائبُ صُنْعِه، وهتَف (^٥) في أسماعِ العالمين ألْسُنُ أدلَّتِه، شاهدةً أنه اللَّهُ الذي لا إلهَ إلَّا هو، الذي لا عِدْلَ له مُعادِلٌ (^٦)، ولا مِثْلَ له مُماثِلٌ، ولا شريكَ له مُظاهِرٌ، ولا ولدَ له ولا والدٌ، ولم يَكُنْ له صاحبةٌ، ولا كُفُوًا أحدٌ، وأنه الجبارُ الذي خضَعَت لجَبروتِه الجَبابرةُ، والعزيزُ الذي ذلَّت لعزَّتِه الملوكُ الأعِزَّةُ، وخشَعَت لمَهابةِ سَطْوتِه (^٧) ذَوُو المَهابةِ، وأذْعَن له جميعُ الخلقِ بالطاعةِ، طَوْعًا وكَرْهًا، كما قال جلَّ ثناؤه وتقدَّسَتْ أسماؤه: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥].
_________________
(١) * الأرقام التي بين المعقوفين أرقام المخطوط المشار له بالرمز ت ١، وهو أحد نسخ مكتبة الفاتح التي حصلنا عليها من مكتبة آياصوفيا.
(٢) بعده في ص: "رب تمم برحمتك"، وفي م: "وبه ثقتي وعليه اعتمادي رب يسر"، وفي ت ١: "وبه نستعين".
(٣) في ص: "قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ﵀"، ومثله في ت ١ دون قوله: "الإمام".
(٤) في م، ت ١، ت ٢: "حجبت".
(٥) في ت ٢: "حكمته".
(٦) في ت ١، ت ٢: "هتفت".
(٧) سقط من: ر، ت ٢.
(٨) في ت ٢: "سطواته".
[ ١ / ٣ ]
فكلُّ موجودٍ إلى وَحْدانيتِه داعٍ، وكلُّ مَحْسوسٍ إلى ربُوبيتِه هادٍ، بما وسَمهم به مِن آثارِ الصَّنْعةِ؛ مِن نقصٍ وزيادةٍ، وعجزٍ وحاجةٍ، وتصَرُّفٍ في عاهاتٍ عارضةٍ (^١)، ومُقارَنةِ أحداثٍ لازمةٍ؛ لِتَكونَ له الحُجَّةُ البالغةُ، ثم أرْدَف ما شهِدت به مِن ذلك أدلتُه، وأكَّد ما اسْتَنارت في القلوبِ منه بهجتُه، برسلٍ ابْتَعَثهم إلى (^٢) عبادِه، دُعاةً إلى ما اتَّضَحَت لديهم صحتُه، وثبَتَت في العقولِ حُجَّتُه؛ ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. ولِيَذَّكَّرَ أولو النُّهَى والحِلْمِ، فأمَدَّهم بعونِه، وأبانَهم مِن سائرِ خلقِه، بما دلَّ به على صدقِهم مِن الأدلةِ، وأيَّدَهم به مِن الحُجَجِ البالغةِ، والآيِ المُعْجِزةِ؛ لئلا يقولَ القائلُ منهم (^٣): ﴿مَا هَذَا (^٤) إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣، ٣٤].
فجعَلهم سُفَراءَه (^٥) بينَه وبينَ خلقِه، وأُمناءَه على وَحْيِه، واخْتَصَّهم بفضلِه، واصْطَفاهم برسالتِه، ثم جعَلهم فيما خصَّهم به مِن مَواهبِه، ومَنَّ به عليهم مِن كَراماتِه - مَراتبَ مُختلفةً، ومَنازلَ مُفْتَرقةً، ورفَع بعضَهم فوقَ بعضٍ دَرَجاتٍ مُتَفاضِلاتٍ مُتَبايِناتٍ؛ فكرَّم بعضَهم بالتَّكْليمِ والنَّجْوَى، وأيَّد بعضَهم برُوحِ القُدُسِ، وخصَّه بإحياءِ الموتى، وإبْراءِ أُولِي العاهةِ والعَمَى، وفضَّل نبيَّنا محمدًا ﷺ مِن الدرجاتِ بالعُلْيا، ومِن المراتبِ بالعُظْمَى، فحَباه مِن أقسامِ كَرامتِه بالقسمِ الأفْضلِ، وخصَّه مِن درجاتِ النبوَّةِ بالحظِّ الأجْزَلِ، ومِن الأتْباعِ والأصحابِ بالنصيبِ الأوْفرِ، وابْتَعَثه بالدَّعوةِ التامَّةِ، والرسالةِ العامةِ، وحاطه
_________________
(١) في ر: "المعارضة".
(٢) بعده في م، ت ١: "من يشاء من".
(٣) في م "فيهم".
(٤) في ص: "هؤلاء"، وفي ر، ت ٢: "هو".
(٥) في ص، م، ت ١، ت ٢: "سفراء".
[ ١ / ٤ ]
وحيدًا، وعصَمه (^١) فَريدًا، مِن كلِّ جبارٍ عاندٍ، وكلِّ شيطانٍ ماردٍ، حتى أظْهَر به الدينَ، وأوْضَح به السبيلَ، وأنْهَج (^٢) به مَعالمَ الحقِّ، ومحَق به مَنارَ الشركِ، وزهَق به الباطلُ، واضْمَحَلَّ به الضلالُ، وخُدَعُ الشيطانِ، وعبادةُ الأصنامِ والأوْثانِ، مُؤَيَّدًا بدَلالةٍ على الأيامِ باقيةٍ، وعلى الدُّهورِ والأزْمانِ ثابتةٍ، وعلى مرِّ (^٣) الشهورِ والسنينَ دائمةٍ، يَزدادُ ضِياؤُها على كَرِّ الدُّهورِ إشْراقًا، وعلى مرِّ الليالي والأيامِ ائْتِلاقًا (^٤)، خِصِّيصَى (^٥) مِن اللَّهِ له بها دونَ سائرِ رسلِه الذين قهَرَتهم الجبَابرةُ، واسْتَذَلَّتهم الأممُ الفاجرةُ، فتعفَّت بعدَهم منهم الآثارُ، وأخْمَلَت ذكرَهم الليالي والأيامُ، ودونَ مَن كان منهم مُرْسَلًا إلى أمةٍ دونَ أمةٍ، وخاصةٍ دونَ عامَّةٍ، وجماعةٍ دون كافَّةٍ.
فالحمدُ للَّهِ الذي كرَّمَنَا بتصديقِه، وشرَّفَنا باتِّباعِه، وجعَلَنا مِن أهلِ الإِقْرارِ والإيمانِ به، وبما دعا إليه وجاء به، صلى اللَّهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّم، أزْكَى صَلواتِه، وأفضلَ سلامِه، [وأتمَّ تحيّاتِه] (^٦).
ثُمَّ أمَّا بعدُ، فإن مِن جَسيمِ ما خصَّ اللَّهُ به أمَّةَ نبيِّنا محمدٍ ﷺ مِن الفَضيلةِ، وشرَّفهم به على سائرِ الأممِ مِن المنازلِ الرفيعةِ، وحَبَاهم به مِن الكرامةِ السَّنِيّةِ، حِفْظَه ما حفِظ عليهم جل ذكرُه وتقدَّست أسماؤُه، مِن وحيِه وتَنْزِيلِه، الذي جعَله على
_________________
(١) سقط من: ر.
(٢) في ر، ت ٢: "أبهج".
(٣) في م: "ممر".
(٤) في ر، ت ٢: "انفلاقًا".
(٥) في م: "تخصيصا". يقال: خصه بالشيء، خصًّا وخصوصًا وخصوصية وخصيصى، ويمد: إذا فضله دون غيره.
(٦) زيادة من: م.
[ ١ / ٥ ]
حقيقةِ نُبُوَّةِ نبيِّهم ﷺ دَلالةً، وعلى ما خصَّه به مِن الكرامةِ علامةً واضحةً، وحُجَّةً بالغةً، أبانه به مِن كلِّ كاذبٍ ومُفْتَرٍ، وفصَل به بينَهم وبينَ كلِّ جاحدٍ ومُلْحِدٍ، وفرَق به بينَهم وبينَ كلِّ كافرٍ ومشركٍ، الذي لو اجْتَمَع جميعُ مَن بينَ أقطَارِها؛ مِن جِنِّها وإنْسِها، وصغيرِها وكبيرِها، على أن يأتوا بسورةٍ من مثلِه، لم يأتوا بمثلِه ولو كان بعضُهم لبعضٍ ظَهيرًا (^١)، فجعَله لهم في دُجَى الظُّلَمِ نورًا ساطعًا، وفي سُدَفِ (^٢) الشُّبَهِ (^٣) شِهابًا لامعًا، وفي مَضَلَّةِ المَسَالكِ دليلًا هاديًا، وإلى سُبُلِ النجاةِ والحقِّ حاديًا، ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٦]. حرَسه بعينٍ منه لا تَنامُ، وحاطه برُكْنٍ منه لا يُضامُ، لا تَهِي على الأيامِ دَعائمُه، ولا تَبِيدُ على طولِ الأزمانِ مَعالمُه، ولا يَجورُ (^٤) عن قصدِ المَحَجَّةِ تابعُه، ولا يَضِلُّ عن سُبُلِ الهُدَى مُصاحِبُه، مَن اتَّبَعه فاز وهَدَى، ومَن حاد عنه ضلَّ وغَوَى، فهو مَوْئِلُهم الذي إليه عندَ الاخْتلافِ يَئِلون، ومَعْقِلُهم الذي إليه في النَّوازل يَعْتَقِلون (^٥)، وحِصْنُهم الذي به مِن وَساوسِ الشيطانِ يَتَحَصَّنون، وحِكْمةُ ربِّهم التي إليها يَحْتَكِمون، وفَصْلُ قَضائِه بينَهم الذي إليه يَنْتَهون، وعن الرِّضا به يَصْدُرون، وحَبْلُه الذي بالتَّمَسُّكِ (^٦) به مِن الهَلَكةِ يَعْتَصِمون.
اللهم فوفِّقْنا لإصابةِ صَوابِ القولِ في مُحْكَمِه ومُتَشابِهِه، وحَلالِه وحَرامِه،
_________________
(١) اقتباس من الآية ٨٨ من سورة الإسراء.
(٢) السدف، واحدها سدفة: وهي ظلمة الليل يخالطها بعض الضوء، وتكون في أول الليل وآخره. ينظر تاج العروس (س د ف).
(٣) في ص، ت ١: "الشبهة".
(٤) في ر: "يجوز".
(٥) في ر: "يعقلون".
(٦) في ر: "يتمسك".
[ ١ / ٦ ]
وعامِّه وخاصِّه، ومُجْمَلِه ومُفَسَّرِه، وناسخِه ومَنْسوخِه، وظاهرِه وباطنِه، وتأْويلِ آيِه، وتفسيرِ مُشْكِلِه، وألْهِمْنا التمسكَ به، والاعْتِصامَ بمُحْكَمِه، والثَّباتَ (^١) على التسليمِ لمُتَشابِهِه، وأوْزِعْنا الشكرَ على ما أنْعَمْتَ به علينا، مِن حفظِه، والعلمِ بحُدودِه، إنك سميعُ الدعاءِ، قريبُ الإجابةِ، وصلى اللَّهُ على محمدٍ النبيِّ وآلِه، وسلَّم تسليمًا.
اعْلَموا عبادَ اللَّهِ، رحِمكم اللَّهُ، أن أحقَّ ما صُرِفت إلى علمِه العِنايةُ، وبُلِغت في معرفتِه الغايةُ، ما كان للَّهِ في العلمِ به رِضًا، وللعالمِ به إلى سبيلِ الرشادِ هُدًى، وأنّ أجْمَعَ ذلك لباغيه، كتابُ اللَّهِ الذي لا ريبَ فيه، وتَنْزيلُه الذي لا مِرْيةَ فيه، الفائزُ بجَزيلِ الذُّخْرِ وسَنِيِّ الأجرِ تاليه، الذي لا يَأْتيه الباطلُ مِن بينِ يديه ولا مِن خلفِه، تنزيلٌ مِن حكيمٍ حميدٍ (^٢).
ونحن في شرحِ تأويلِه وبيانِ ما فيه مِن معانيه، مُنْشِئون، إن شاء اللَّهُ ذلك، كتابًا مُسْتَوْعِبًا لكلِّ ما بالناسِ إليه الحاجةُ مِن علمِه، جامعًا، ومِن سائرِ الكتبِ غيرِه في ذلك كافيًا، ومُخْبِرون في كلِّ ذلك بما انْتَهَى إلينا مِن اتفاقِ الحجةِ فيما اتَّفَقَت عليه منه، واختلافِها فيما اختَلَفَت فيه منه، ومُبَيِّنو (^٣) عِلَلِ كلِّ مذهبٍ مِن مذاهبِهم، ومُوَضِّحو الصحيحِ لدينا مِن ذلك، بأوْجَزِ ما أمْكَن مِن الإيجازِ في ذلك، وأخْصَرِ ما أمْكَن مِن الاخْتِصارِ فيه، واللَّهَ أسْأَلُ (^٤) عونَه وتوفيقَه لما يُقَرِّبُ مِن مَحابِّه، ويُبْعِدُ مِن مَساخِطِه، وصلَّى اللَّهُ على صَفْوتِه مِن خلقِه وعلى آلِه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
_________________
(١) في ر: "البيان".
(٢) اقتباس من الآية ٤٢ من سورة فصلت.
(٣) في ص: "مبينون"، وفي ر، ت ٢: "مثبتو".
(٤) في ر: "يسأل"، وفي م: "نسأل"، وفي ت ٢: "يسأله".
[ ١ / ٧ ]
و(^١) أولُ ما نَبْدَأُ به مِن القِيلِ في ذلك الإبانةُ عن الأسبابِ التي البِدايةُ بها أَوْلَى، وتقديمُها قبلَ ما عداها أحْرَى؛ وذلك البيانُ عما في آيِ القرآنِ مِن المعاني التي مِن قِبَلِها يَدْخُلُ اللَّبْسُ على مَن لم يُعانِ رِياضةَ العلومِ العربيةِ، ولم تَسْتَحْكِمْ معرفتُه بتَصاريفِ وُجوهِ مَنْطِقِ الألسنِ السَّلِيقيَّةِ الطبيعيةِ.
القولُ في البيانِ عن اتِّفاقِ مَعاني آيِ القرآنِ ومعاني مَنْطِقِ مَن نزَل بلسانِه مِن وجهِ البيانِ، والدَّلالةُ على أن ذلك مِن اللَّهِ - جل وعز - هو الحكمةُ البالغةُ، مع الإبانةِ (^٢) عن فضلِ المعنى الذي به بايَن القرآنُ سائرَ الكلامِ
قال أبو جعفرٍ: إن مِن عظيمِ (^٣) نعمِ اللَّهِ على عبادِه، وجَسيمِ مِنَّتِه (^٤) على خلقِه، ما منَحهم مِن فضلِ البَيانِ، الذي به عن ضمائرِ صُدورِهم يُبينون، وبه على عَزائمِ نفوسِهم يَدُلُّون، فذلَّل به منهم الألسنَ، وسهَّل به عليهم المُسْتَصْعبَ، فبه إياه يُوَحِّدون، وإياه به يُسَبِّحون ويُقَدِّسون، وإلى حاجاتِهم به يَتَوَصَّلون، وبه بينَهم يَتَحاوَرون، فيتَعارَفون ويَتَعامَلون.
ثم جعَلهم جل ذكرُه - فيما منَحهم مِن ذلك - طبقاتٍ، ورفَع بعضَهم فوقَ بعضٍ درجاتٍ، فبَيْنَ خَطيبٍ مُسْهِبٍ، وذَلِقِ اللسانِ مُهْذِبٍ، ومُفْحَمٍ عن نفسِه لا يُبِينُ، وعَيِيٍّ عن ضميرِ قلبِه لا يُعَبِّرُ، وجعَل أعْلاهم فيه رُتْبةً، وأرْفَعَهم فيه درجةً، أبْلَغَهم فيما أراد به بلاغًا، وأبينَهم عن نفسِه به بيانًا، ثم عرَّفهم في تنزيلِه ومُحْكَمِ
_________________
(١) بعده في م، ت ١، ت ٢: "إن".
(٢) في ر: "الأمانة".
(٣) في ص، ر: "أعظم".
(٤) في م، ت ١، ت ٢: "مننه".
[ ١ / ٨ ]
آيِ كتابِه، فضْلَ ما حَباهم به من البيانِ، على مَن فضَّلهم به عليه مِن ذي البَكَمِ والمُسْتَعْجِمِ اللسانِ، فقال تعالى ذكرُه: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨].
فقد وضَح إذن لذَوِي الأفْهامِ، وتبَيَّن لأُولي الألبابِ، أنَّ فضْلَ أهلِ البيانِ على أهلِ البَكَمِ والمُسْتَعْجِمِ اللسانِ، بفضلِ اقْتِدارِ هذا مِن نفسِه على إبانةِ ما أراد إبانتَه عن نفسِه ببيانِه، واسْتِعْجامِ لسانِ هذا عما حاوَل إبانتَه بلسانِه.
فإن كان ذلك كذلك، وكان المعنى الذي به بايَن الفاضلُ (^١) المفضولَ في ذلك، فصار به فاضلًا، والآخرُ مفضولًا، هو ما وصَفْنا (^٢) مِن فضلِ إبانةِ ذي البيانِ عما قصَّر عنه المُسْتَعْجِمُ اللسانِ، وكان ذلك مُخْتَلِفَ الأقْدارِ، مُتَفاوِتَ الغاياتِ والنِّهاياتِ، فلا شكَّ أن أعْلَى منازلِ البيانِ دَرَجةً، وأسْنَى مَراتبِه مرتبةً، أبْلَغُه في حاجةِ المُبِينِ عن نفسِه، وأبينُه عن مرادِ قائلِه، وأقربُه (^٣) مِن فهمِ سامعِه، فإن تجاوَز ذلك المِقْدارَ، وارْتَفع عن وُسْعِ الأنامِ، وعجَز عن أن يأتِيَ بمثلِه جميعُ العبادِ، كان حُجَّةً وعَلَمًا لرسلِ الواحدِ القهارِ، كما كان حجةً وعَلَمًا لها إحياءُ الموتى وإبراءُ الأبْرصِ وذَوِي العَمَى، بارتفاعِ ذلك عن مقاديرِ أعلى منازلِ طبِّ المتطبِّبِين، وأرْفَعِ مراتبِ علاجِ المُعالجِين، إلى ما يَعْجِزُ عنه جميعُ العالَمِين، وكالذي كان لها حُجَّةً وعَلَمًا قطعُ مسافةِ شهرَيْن في الليلةِ الواحدةِ، بارتفاعِ ذلك عن وُسْعِ الأنامِ، وتعَذُّرِ مثلِه على جميعِ العبادِ، وإن كانوا على قطعِ القليلِ مِن المسافةِ قادرين، ولليسيرِ منه فاعلين.
_________________
(١) بعده في ر: "و".
(٢) بعده في م، ت ١، ت ٢: "به".
(٣) في ر، ت ١: "بهم".
[ ١ / ٩ ]
فإن كان ما وصَفْنا مِن ذلك كالذي وصَفْنا، فبَيِّنٌ ألا بيانَ أبْيَنُ، ولا حِكْمةَ أبلغُ، ولا مَنْطِقَ أعلى، ولا كلامَ أشرفُ، مِن بيانٍ ومَنْطِقٍ تحَدَّى به امرُؤٌ قومًا، في زمانٍ هما فيه رُؤساءُ صناعةِ الخُطَبِ والبلاغةِ، وقِيل الشعرِ والفَصاحةِ، والسَّجْعِ والكِهانة (^١)، على (^٢) كلِّ (^٣) خطيبٍ منهم وبليغٍ، وشاعرٍ منهم وفَصيحٍ، وكلِّ ذي سَجْعٍ وكِهانةٍ - فسفَّه أحلامَهم، وقصَّر بعقولِهم (^٤)، وتبَرَّأ مِن دينِهم، ودعا جميعَهم إلى اتِّباعِه، والقَبولِ منه، والتَّصديقِ به، والإقرارِ بأنه رسولٌ إليهم مِن ربِّهم، وأخْبَرهم أنّ دَلالتَه على صدقِ مقالتِه، وحجّتَه على حقيقةِ نبوتِه، ما أتاهم به مِن البيانِ والحكمةِ والفُرْقانِ، بلسانٍ مثلِ ألسنتِهم، ومَنْطِقٍ موافقةٍ معانيه معانيَ مَنْطِقِهم، ثم أنْبَأ جميعَهم أنهم عن أن يأتوا بمثلِ بعضِه عَجَزةٌ، ومِن القُدْرةِ عليه نَقَصةٌ، قأقرَّ جميعُهم بالعجزِ، وأذْعَنوا له بالتَّصْديقِ، وشهِدوا على أنفسِهم بالنقصِ، إلا مَن تجاهَل منهم وتَعامَى، واسْتَكْبَر وتعاشَى، فحاوَل تكَلُّفَ ما قد علِم أنه عنه عاجزٌ، ورام ما قد تيَقَّن أنه عليه غيرُ قادرٍ، فأبْدَى مِن ضعفِ عقلِه ما كان مُسْتَتِرًا، ومن عِيِّ لسانِه ما كان مَصُونًا، فأتَى بما لا يَعْجِزُ عنه الضعيفُ الأخْرَقُ، والجاهلُ الأحمقُ، فقال (^٥): والطاحناتِ طحنًا، والعاجناتِ عجنًا، فالخابزاتِ خبزًا، والثارداتِ ثَرْدًا، واللاقماتِ لَقْمًا. ونحو ذلك مِن الحَماقاتِ (^٦) المُشْبِهةِ دَعْواه الكاذبةَ.
_________________
(١) إنما ضرب المثل بالكهان في السجع؛ لأنهم كانوا يروجون أقاويلهم الباطلة بأسجاع تروق السامعين، يستميلون بها القلوب ويستصغون إليها الأسماع. اللسان (ك هـ ن).
(٢) زيادة من: ر.
(٣) سقط من: ص.
(٤) في م: "معقولهم".
(٥) يعني مسيلمة الكذاب. ينظر تاريخ المصنف ٣/ ٢٨٤، والبداية والنهاية ٩/ ٤٧٣.
(٦) في ص، ر: "الحمقات".
[ ١ / ١٠ ]
فإذْ كان تَفاضُلُ مراتبِ البَيانِ، وتَبايُنُ منازلِ دَرَجاتِ الكلامِ بما وصَفْنا قبلُ، وكان اللَّهُ تعالى ذِكْرُه وتقَدَّست أسماؤُه أحْكمَ الحُكماءِ، وأحْلَمَ الحُلماءِ، كان معلومًا أن أبينَ البيانِ بيانُه، وأفضلَ الكلامِ كلامُه، وأنَّ قدرَ فضلِ بيانِه جل ذكرُه على بيانِ (^١) جميعِ خلقِه، كفضلِه على جميعِ عبادِه.
فإن كان ذلك كذلك، وكان غيرَ مُبِينٍ منا عن نفسِه مَن خاطَب غيرَه بما لا يَفْهَمُه عنه المخاطَبُ، كان معلومًا أنه غيرُ جائزٍ أن يُخاطِبَ جل ذكرُه أحدًا مِن خلقِه إلا بما يَفْهَمُه المخاطَبُ، ولا يُرْسِلَ إلى أحدٍ منهم رسولًا برسالةٍ إلا بلسانٍ وبيانٍ يَفْهَمُه المُرْسَلُ إليه؛ لأن [المُخاطَبَ و] (^٢) المُرْسَلَ إليه إن لم يَفْهَمْ ما خُوطِبَ به وأُرْسِل به إليه، فحالُه قبلَ الخطابِ وقبلَ مَجيءِ الرسالةِ إليه وبعدَه سَواءٌ، إذ لم يُفِدْه الخطابُ والرسالةُ شيئًا كان به قبلَ ذلك جاهلًا، واللَّهُ جل ذكرُه يَتَعالَى عن أن يُخاطِبَ خِطابًا أو يُرْسِلَ رسالةً لا تُوجِبُ فائدةً لمن خُوطِب أو أُرْسِلَت إليه؛ لأن ذلك فينا مِن فعلِ أهلِ النقصِ والعَبَثِ، واللَّهُ تعالى عن ذلك مُتَعالٍ، ولذلك قال جل ثناؤُه في مُحْكَمِ تَنْزيلِه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]. وقال لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤]. فغيرُ جائزٍ أن يَكونَ به (^٣) مُهْتَدِيًا مَن كان بما (^٤) يُهْدَى إليه جاهلًا.
فقد تبَيَّنَ إذن - بما عليه دلَّلْنا مِن الدَّلالةِ - أن كلَّ رسولٍ للَّهِ جل
_________________
(١) سقط من: ص، ت ١.
(٢) سقط من: ص.
(٣) سقط من: ر.
(٤) في م: "بها".
[ ١ / ١١ ]
ثناؤُه أرْسَله إلى قومٍ، فإنما أرْسَله بلسانِ مَن أرْسَله إليه، وكلَّ كتابٍ أنْزَله على نبيٍّ، ورسالةٍ أرْسَلَها إلى أُمَّةٍ، فإنما أنْزَلَه بلسانِ مَن أنْزَلَه أو أرْسَله إليه. فاتَّضَح بما قلْنا ووصَفْنا أنَّ كتابَ اللَّهِ الذي أنْزَله إلى نبيِّنا محمدٍ ﷺ[بلسانِ محمدٍ ﷺ، وإذْ كان لسانُ محمدٍ ﷺ] (^١) عربيًّا، فبَيِّنٌ أن القرآنَ عربيٌّ، وبذلك أيضًا نطَق مُحْكَمُ تنزيلِ ربِّنا، فقال جل ذكرُه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢]. وقال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥]. وإذْ كانت واضحةً صحةُ ما قلْنا - بما عليه اسْتَشْهَدْنا مِن الشَّواهدِ، ودلَّلْنا عليه مِن الدَّلائلِ - فالواجبُ أن تكونَ معاني كتابِ اللَّهِ المُنَزَّلِ على نبيِّنا محمدٍ ﷺ، لمعاني كلامِ العربِ موافقةً، وظاهرُه لظاهرِ كلامِها ملائمًا، وإن بايَنه كتابُ اللَّهِ بالفَضيلةِ (^٢) التي فضَل بها سائرَ الكلامِ والبَيانِ، بما قد تقَدَّم وَصْفُناه (^٣).
فإذْ كان ذلك كذلك، فبَيِّنٌ - إذ كان موجودًا في كلامِ العربِ الإيجازُ والاخْتِصارُ، والاجْتِزاءُ (^٤) بالإخْفاءِ مِن الإظْهارِ، وبالقلةِ مِن الإكْثارِ في بعضِ الأحوالِ، واسْتِعْمالُ الإطالةِ والإكْثارِ، والتَّرْدادِ والتَّكْرارِ، وإظهارُ المعاني بالأسماءِ دونَ الكِنايةِ عنها (^٥)، والإسرارُ في بعضِ الأوقاتِ، والخبرُ عن الخاصِّ في المرادِ بالعامِّ الظاهرِ، وعن العامِّ في المرادِ بالخاصِّ الظاهرِ، وعن الكِنايةِ والمرادُ منه المُصَرَّحُ، وعن
_________________
(١) سقط من: ص.
(٢) في ص: "بالفضلة".
(٣) في م، ت ٢: "وصفنا".
(٤) في ص: "الإجزاء".
(٥) زيادة من: م.
[ ١ / ١٢ ]
الصفةِ والمرادُ الموصوفُ، وعن الموصوفِ والمرادُ الصفةُ، وتقديمُ (^١) ما هو في المعنى مُؤَخَّرٌ، وتأخيرُ ما هو في المعنى مُقَدَّمٌ، والاكْتِفاءُ ببعضٍ مِن بعضٍ، وبما يَظْهَرُ عما يُحْذَفُ (^٢)، وإظهارُ ما حظُّه الحذفُ - أن يكونَ ما في كتابِ اللَّهِ المُنَزَّلِ على نبيِّه محمدٍ ﷺ مِن ذلك، في كلِّ ذلك له نَظيرًا، وله مِثْلًا وشَبيهًا (^٣).
ونحن مُبَيِّنو جميعِ ذلك في أماكنِه، إن شاء اللَّهُ ذلك، وأيَّد (^٤) منه بعونٍ وقوةٍ.