يبرز منهج ابن جرير الطبري في تفسيره لمن يُطالعه بتفرده في الجمع بين الرواية والدراية، في براعة منقطعة النظير، فهو يُصَدِّر تفسيره للآية بالمأثور عن النبي ﷺ، وبما روى عن الصحابة والتابعين، بطريق الإسناد الدقيق، ويتجلى ذلك واضحًا في تصديره لكل آية يفسرها بقوله: "القول في تأويل قوله تعالى كذا وكذا". فيستعرض الروايات الواردة في تأويلها بعد أن يذكر المعنى الإجمالي للآية، فإن كان فيها أكثر من قول ساق تلك الأقوال مقرونة بحجة أصحابها من رواية ودراية، ثم يتعرض لتوجيه الأقوال ويرجح بعضها على بعض من خلال الروايات واللغة إعرابًا
_________________
(١) طبقات الشافعية ٣/ ١٢٦، وذُكِرت ضمن أبيات في تاريخ بغداد ٢/ ١٦٧، ١٦٨، سير أعلام النبلاء ١٤/ ٢٨١.
[ المقدمة / ٤٧ ]
وتركيبًا وشعرًا، متجنبًا التأويل بالرأي؛ إذ التأويل بالرأي المجرد عن الدليل لا يعدو أن يكون صدى لهوى صاحبه.
وقد أبان الطبري عن منهجه في ترك القول في القرآن بالرأي حين ساق في مقدمة تفسيره بعضًا من الأخبار التي رويت في النهي عن القول في تأويل القرآن بالرأي، حيث أورد فيها ما أُثر عن النبي ﷺ من الوعيد لمن قال في القرآن برأيه، وما روى عن أبي بكر الصديق ﵁ من شدة حذره وخوفه من أن يقع في القول في القرآن برأيه. ثم قال: "وهذه الأخبار شاهدة لنا على صحة ما قلنا؛ من أن ما كان من تأويل القرآن الذي لا يُدرك علمه إلا بنص بيان رسول الله ﷺ، أو بنصبه الدلالة عليه، فغير جائز لأحد القيل فيه برأيه، بل القائل في ذلك برأيه، وإن أصاب عين الحق فيه، فمخطئ في فعله بقيله فيه برأيه، ولأن إصابته ليست إصابة موقن أنه محق، وإنما إصابة خارص وظان، والقائل في دين الله بالظن قائل على الله ما لا يعلم، وقد حرَّم الله جل ثناؤه ذلك في كتابه على عباده، فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (^١). فالقائل في تأويل كتاب الله الذي لا يُدرك علمه إلا ببيان رسول الله ﷺ الذي جعل الله إليه بيانه، قائلٌ ما لا يعلم، وإن وافق قيلُه ذلك في تأويله ما أراد الله به من معناه؛ لأن القائل فيه بغير علم قائل على الله ما لا علم له به" (^٢).
كما بيَّن الطبري ما يعنيه بالرأي؛ إذ إن قومًا غلِطوا في تأويل الأخبار الواردة في النهي عن القول في القرآن بالرأي، حتى أنكروا القول في تأويل القرآن مطلقًا، فرد عليهم أبو جعفر الطبري، وساق بعض الأخبار التي رُويت في الحض على العلم
_________________
(١) سورة الأعراف: الآية ٣٣.
(٢) مقدمة المصنف ١/ ٧١ - ٧٣ من النص المحقق.
[ المقدمة / ٤٨ ]
بتفسير القرآن، وذكَر من كان يفسره من الصحابة (^١).
وقد أجمل ابن جرير الطبري منهجه في التفسير حين بيَّن وجوه تأويل القرآن، فبعد أن عدّ ثلاثة أوجه لتأويل القرآن، قال: فإذ كان ذلك كذلك، فأحق المفسرين بإصابة الحق في تأويل القرآن الذي إلى علم تأويله للعباد السبيلُ، أوضحهم حجة فيما تأول وفسر، مما كان تأويله إلى رسول الله ﷺ دون سائر أمته، من أخبار رسول الله ﷺ الثابتة عنه؛ إما من جهة النقل المستفيض، فيما وُجد فيه من ذلك عنه النقل المستفيض، وإما من جهة نقل العدول الأثبات، فيما لم يكن عنه فيه النقل المستفيض، أو من جهة الدلالة المنصوبة على صحته، وأوضحهم برهانًا فيما ترجم وبيَّن من ذلك مما كان مُدركًا علمُه من جهة اللسان؛ إما بالشواهد من أشعارهم السائرة، وإما من منطقهم ولغاتهم المستفيضة المعروفة، كائنًا من كان ذلك المتأول والمفسر، بعد ألا يكون خارجًا تأويله وتفسيره ما تأول وفسر من ذلك عن أقوال السلف من الصحابة والأئمة، والخلف من التابعين وعلماء الأمة (^٢).
ولمَّا كان الطبري إمامًا في الفقه، فقد ناقش في تفسيره الأحكام الفقهية، وفنَّد أقوال العلماء في كل مسألة، ورجح بعضها على بعض، مستدلًا لما خَلَص إليه رأيه بالأدلة العلمية.
وبالإمكان إجمال منهج الطبري في هذا التفسير في عدة نقاط موجزة على النحو التالى:
_________________
(١) مقدمة المصنف ص ٧٤ - ٨٩ من النص المحقق.
(٢) مقدمة المصنف ص ٨٧ - ٨٩ من النص المحقق.
[ المقدمة / ٤٩ ]