ذكر الطبري في مقدمة تفسيره - كما أسلفنا - أن من أوجه تأويل القرآن ما كان علمه عند أهل اللسان الذي نزل به القرآن؛ لذلك استعان كثيرًا جدًّا بالتأويل باللغة، وقد مكَّنه من ذلك غزارة علمه بالعربية، ومعرفته لدلالات ألفاظها
_________________
(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: ١٣/ ٣٨٥.
[ المقدمة / ٥٠ ]
وتراكيبها، كما أنه أفاد من علماء اللغة الذين سبقوه إلى بيان مفردات القرآن؛ كيحيى بن زياد الفراء، وأبي عبيدة معمر بن المثنى، وسعيد بن مسعدة الأخفش، وعلي بن حمزة الكسائي، وأبي علي قطرب، والنضر بن شميل، وغيرهم (^١)، وعلى الرغم من كثرة نقولاته في اللغة عن أبي عبيدة في "مجاز القرآن"، وإن لم يسمه في الغالب، فإنه يشتد عليه في النقد إذا خالفه، حتى إن نقده له يصل إلى حد وصمه بالغباء، كقوله: وقد زعم بعض أهل الغباء أن العرب كانت لا تعرف الرحمن ولم يكن ذلك في لغتها.
وكان الطبري لا يُجوِّز توجيه كلام الله إلا إلى الأغلب الأشهر من معانيه عند العرب، إلا أن تقوم حجة على شيء منه بخلاف ذلك، فيسلم لها، فلا يجوز صرف اللفظ عن ظاهره إلا بقرينة؛ وذلك لأن الله جل ثناؤه، إنما خاطبهم بما خاطبهم به؛ لإفهامهم معنى ما خاطبهم به.
وقد اتخذ الطبري اللغة مرجحًا له في تفضيل قراءة على قراءة، كما سيأتي.