اعتنى ابن جرير الطبري في تفسيره بالنحو عناية كبيرة، وأحكم تطبيق قواعده في تفسير القرآن إحكامًا يعكس طول باعه في هذا العلم، فقد جاء الطبري بعد أن بلغ علم النحو أقصى درجات النضوج؛ إذ أثمرت رحى الخلاف بين مدرستي البصرة والكوفة في المسائل النحوية استقرار قواعد هذا العلم ونضوجه، حتى إذا نضج وضع عصاه في بغداد، فاستقى الطبري من هذا النبع الصافي علمه بالنحو، إذ درَس آراء المدرستين حتى صار من أعلام هذا العلم، فاستعان في تأويل القرآن ببيان
_________________
(١) معجم الأدباء لياقوت ١٨/ ٦٥.
[ المقدمة / ٥١ ]
وجوه الإعراب، وقد علل لذلك بنفسه قائلًا: وإنما اعترضنا بما اعترضنا في ذلك من بيان وجوه إعرابه - وإن كان قصدنا في هذا الكتاب الكشف عن تأويل آي القرآن - لما في اختلاف وجوه إعراب ذلك من اختلاف وجوه تأويله، فاضطرتنا الحاجة إلى كشف وجوه إعرابه؛ لتنكشف لطالب تأويله وجوه تأويله على قدر اختلاف المختلفة في تأويله وقراءته (^١).
وقد التزم الطبري في ترجيحاته الحياد التام بين مدرستي البصرة والكوفة، فهو يستعرض آراء المدرستين ثم يرجح ما يراه أولى بالصواب، سواء أكان الصواب مع مدرسة البصرة أم الكوفة، معللًا ترجيحه بأسلوب جذاب لا يستطيع المنطق أن يرده.
وقد أفاد الطبري كثيرًا من كتاب "معاني القرآن" للفراء، وهو من أئمة نحاة الكوفة.