يعنى بذلك جلّ ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بمَن قبلَ محمدٍ مِن الأنبياءِ والرسلِ، وصَدَّقوا بما جاءوهم به مِن عندِ اللهِ ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. يقولُ: صَدِّقوا باللهِ، وبمحمدٍ رسولِه، أنَّه للهِ رسولٌ، مُرْسَلٌ إليكم وإلى سائرِ الأممِ قبلكم ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ يقولُ: وصَدِّقوا بما جاءكم به محمدٌ مِن الكتابِ الذي نَزَّل اللهُ عليه - وذلك القرآنُ - ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾. يقولُ: وأمِنوا بالكتابِ الذي أنَزَل اللهُ مِن قبلِ الكتابِ الذي نزَّله على محمدٍ ﷺ، وذلك هو التوراةُ والإنجيلُ.
_________________
(١) ديوان الأعشى الكبير ص ٢٢٧.
(٢) وقذه: صرعه، ومن المجاز: وقذه النعاس، إذا غلبه. التاج (وق ذ).
[ ٧ / ٥٩٤ ]
فإن قال قائلٌ: وما وَجْهُ دعاءِ هؤلاء إلى الإيمانِ باللهِ ورسولِه وكتبِه، وقد سَمَّاهم مؤمنين؟
قيل: إنه جلّ ثناؤه لم يُسَمِّهم مؤمنين، وإنما وَصَفهم بأنهم آمَنوا، وذلك وَصْفٌ لهم بخصوصٍ مِن التصديقِ، وذلك أنهم كانوا صِنْفَين؛ صِنْفٌ (^١) أهلُ توراةٍ مُصَدِّقِين بها وبمَن جاء بها، وهم مُكَذِّبون بالإنجيلِ والفُرقانِ وعيسى ومحمدٍ، صلواتُ اللهِ عليهما. وصِنْفٌ أهلُ إنجيلٍ، وهم مُصَدِّقون به وبالتَّوراةِ وسائرِ الكتبِ، مُكَذِّبون بمحمدٍ ﷺ والفُرْقانِ، فقال اللهُ لهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني: بما هم به مؤمنون مِن الكُتُبِ والرسلِ ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ محمدٍ والكتاب الذي نَزَّلَ عليه، فإنكم قد علمتم أن محمدًا رسولُ اللهِ؛ تجدون صفته في كتبكم، وبالكتابِ الَّذِى نَزَّلَ مِن قَبْلِه الذي تَزْعُمون أنكم به مؤمنون، فإنكم لن تكونوا به مؤمنين وأنتم بمحمدٍ مُكَذِّبون؛ لأن كتابَكم يأمركم بالتَّصْديقِ به، وبما جاءكم به، فآمِنوا بكتابكم في اتِّباعِكم محمدًا، وإلا فأنتم به كافِرون.
فهذا وَجْهُ أمرِهم بالإيمانِ بما أمَرَهم بالإيمانِ به، بعدَ أن وَصَفهم بما وَصَفهم بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
وأما قولُه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. فإن معناه: ومَن يَكْفُرْ محمدٍ ﷺ، فيَجْحَد نُبوَّتَه، [﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، وإنما قال تعالى ذكرُه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، ومعناه: ومن يَكْفُرْ بمحمدٍ وبما جاء به مِن عندِ اللهِ] (^٢)؛ لأن جُحودَ
_________________
(١) سقط من: م.
(٢) في م: "فهو يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر".
[ ٧ / ٥٩٥ ]
شيءٍ مِن ذلك، بمعنى جُحودِ جميعِه، [ولأنه] (^١) لا يَصِحُّ إيمانُ أحدٍ مِن الخلقِ إلا بالإيمانِ بما أمَره اللهُ بالإيمانِ به، والكفر بشيءٍ منه كفرٌ بجميعِه، فلذلك قال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ بِعَقِبِ خطابِه أهلَ الكتابِ، وأمْرِه إياهم بالإيمانِ بمحمدٍ ﷺ تهديدًا منه لهم، وهم مُقِرُّون بوحدانية اللهِ، والملائكةِ والكتبِ والرسلِ واليومِ الآخرِ، سوى محمدٍ ﷺ، وما جاء به مِن الفُرْقانِ.
وأما قولُه: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، فإنه يعنى: فقد ذَهَب عن قَصْدِ السبيلِ، وجارَ عن مَحَجَّةِ الطريقِ إلى المَهالكِ (^٢) ذهابًا وَجَوْرًا بعيدًا؛ لأن كُفْرَ مَن كفَر بذلك خروجٌ منه عن دينِ اللهِ الذي شَرَعه لعباده. والخروجُ عن دينِ اللَّهِ الهلاكُ الذي فيه البَوَارُ، والضَّلال عن الهُدَى الذي هو الضَّلَالُ.