قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: وهذا تَقَدُّمٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه إلى عبادِه المؤمنين به وبرسولِه، أن يَفْعَلوا فعلَ الذين سَعَوا إلى رسولِ اللهِ ﷺ في أمرِ بنى أبَيْرِقٍ، أن يقومَ بالعُذْرِ لهم في أصحابِه، وذَبَّهم عنهم، وتَحْسينَهم أمرَهم؛ بأنهم أهلُ فاقةٍ وفَقْرِ، يقولُ اللهُ لهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾. يقولُ: لِيَكُنْ مِن أخلاقِكم وصفاتِكم القيامُ بالقسطِ. يعنى: بالعَدْلِ. ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾. والشهداءُ: جمعُ شهيدٍ. ونُصِبَت الشهداءُ على القَطْعِ مما في قولِه: ﴿قَوَّامِينَ﴾. مِن ذكرِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾. ومعناه: قُوموا بالقِسْطِ للهِ عندَ شهادتِكم. أو حينَ شهادتِكم. ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾. يقولُ: ولو كانت شهادتُكم على أنفسِكم، أو على والدَين لكم، أو أقْرَبيكم، فقُوموا فيها بالقسطِ والعدلِ، وأقِيموها على صحتِها، بأن تقولوا فيها الحقَّ، ولا تَمِيلُوا فيها لغنيٍّ لِغِناه على فقيرٍ، ولا لفقيرٍ لفَقْرِه على غَنيٍّ، فتَجُوروا؛ فإن الله الذي سَوَّى بينَ حُكْمِ الغنيِّ والفقيرِ فيما ألزَمكم، أيُّها الناسُ، مِن إقامةٍ الشهادةِ لكلِّ واحدٍ منهما بالعَدْلِ ﴿أَوْلَى بِهِمَا﴾ وأحقُّ منكم؛ لأنه مالِكُهما [وإلهُهما، دونَكما] (^٢)، فهو أعلمُ بما فيه مصلحةُ كلِّ واحدٍ منهما في ذلك، وفى غيرِه مِن الأمورِ كلِّها منكم، فلذلك أمَركم
_________________
(١) في الأصل: "بما"، وفى م، ت ٢: "فيما"، وفى ت ١، س: "ما".
(٢) في م: "وأولى بهما دونكم".
[ ٧ / ٥٨٤ ]
بالتسوِيةِ بينَهما في الشهادةِ لهما وعليهما. ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾. يقولُ: فلا تَتَّبِعوا أهواءَ أنفسِكم في المَيْلِ في شهادتِكم إذا قُمْتُم بها، لغنيٍّ على فقيرٍ، أو لفقيرٍ على غنيٍّ إلى أحد الفريقَين، فتَقولوا غيرَ الحقِّ، ولكن قُوموا فيه بالقِسْطِ، وأدُّوا الشهادةَ على ما أمَركم اللهُ بأدائِها، بالعَدْلِ لَمن شَهِدْتم عليه وله.
فإن قال قائلٌ: وكيف يقومُ بالشهادةِ على نفسِه الشاهدُ بالقِسْطِ؟ وهل يَشْهَدُ الشاهدُ على نفسِه؟
قيل: نعم، وذلك أن يكونَ عليه حقٌّ لغيرِه، فيُقِرَّ له به، فذلك قيامٌ منه له بالشهادةِ على نفسِه. وهذه الآيةُ عندى تأديبٌ مِن اللهِ جلّ ثناؤه للمؤمنين، أن يفعَلوا ما فعَله الذين عَذَروا بنى أُبَيْرِقٍ في سرقتِهم ما سَرَقوا، وخيانتِهم ما خانوا مَن [ذكَرْنا قبلُ] (^١) عندَ رسولِ اللهِ ﷺ، وشهادتِهم لهم عندَه بالصلاحِ، فقال لهم: إذا قُمْتُم بالشهادةِ لإنسانِ أو عليه، فقُوموا (^٢) فيها بالعَدْلِ، ولو كانت شهادتُكم على أنفسِكم وآبائِكم وأمهاتِكم وأقْرِبائِكم، ولا يَحْمِلَنَّكم غِنَى مَن شَهِدتم له أو فَقْرُه أو قَرابتُه ورَحِمُه منكم على الشهادةِ له بالزُّورِ، ولا على تَرْكِ الشهادةِ عليه بالحقِّ وكِتْمانِها.
وقد قيل: إنها نَزَلَت تأديبًا لرسولِ اللَّهِ ﷺ.