قال أبو جعفرٍ، ﵀: يَعْنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ﴾: يَسْتَخْفِى هؤلاء الذين يَخْتانُون أنفسَهم ما أتَوا (^٣) من الخيانةِ وركِبوا مِن العارِ والمعصيةِ مِن الناسِ الذين لا يَقْدرون (^٤) لهم على شيءٍ إلا ذكرَهم بقبيحِ ما أتَوا (٣) من فعلِهم، وشَنيعِ ما ركِبوا مِن جُزْمِهم إذا اطَّلعوا عليه، حياءً منهم وحذرًا مِن قبيحِ الأُحْدوثةِ.
_________________
(١) في ص، ت ٢، ص: "له".
(٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٧٢.
(٣) في ص، م، ت ٢، س: "أوتوا".
(٤) في ص، ت ١، ت ٢، ص: "يعذرون".
[ ٧ / ٤٧١ ]
﴿وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ الذي هو مطَّلعٌ عليهم، لا يَخْفَى عليه شيءٌ مِن أعمالِهم، وبيَدِه العقابُ والنَّكالُ وتعجيلُ العذابِ، وهو أحقُّ أن يُسْتَحْيا منه مِن غيرِه، وأولى بأن يُعَظَّمَ؛ بأن لا يراهم حيثُ يَكْرَهون أن يَراهم أحدٌ مِن خلقِه، ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾، يعنى: واللهُ شاهدُهم، ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾. يَقُولُ: حين يُسِرُّون (^١) ليلًا ما لا يَرْضى اللهُ مِن القولِ فيُغَيِّرونه عن وجهِه، ويَكْذِبون فيه. وقد بيَّنا معنى التَّثبيتِ في [غيرِ هذا الموضعِ (^٢)، وأنه كلُّ كلامٍ أو أمرٍ أُصلِح ليلًا. وقد حُكِى عن بعضِ الطائيِّين أن التَّبْيِيتَ في] (^٣) لغتِهم التَّبْديلُ، وأنشدَ للأسودِ (^٤) بن عامرِ بن جُوَينٍ (^٥) الطائيِّ في معاتبةِ رجلٍ:
وبيَّتَّ قَوْلِيَ عبدَ (^٦) المليـ … ــكِ قاتَلَك (^٧) اللهُ عبدًا كَنودَا (^٨)
بمعنى: بدَّلت قولى.
ورُوِى عن أبي رزينٍ أنه كان يَقولُ في معنى قولِه: يُبَيِّتون: يُؤَلِّفون.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي رَزينٍ: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾. قال: يُؤَلِّفون ما لا يَرْضَى مِن القولِ.
_________________
(١) في م، ص، ت ١، ت ٢، س: "يسوون".
(٢) انظر ما تقدم في: ٢٤٦، ٢٤٧.
(٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س.
(٤) في ص، ت ٢، س: "الأسود".
(٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: "جرير". وانظر الاشتقاق ص ٣٩١، والخزانة ١/ ٥٣، ٥٤.
(٦) في الأصل: "عند".
(٧) في ص، ت ١، س: "فأملك".
(٨) البيت في التبيان ٣/ ٣١٩.
[ ٧ / ٤٧٢ ]
حدَّثنا أحمدُ بنُ سنانٍ الواسطيُّ، قال: ثنا أبو يحيى الِحمانيُّ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن أبي رَزينٍ بنحوه (^١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن الأعمشِ، عن أبي رَزينٍ مثلَه.
قال أبو جعفرٍ: وهذا القولُ شبيهُ المعنى بالذي قلناه، وذلك أن التأليفَ هو التسويةُ (^٢) والتغييرُ (^٣) عما هو به، وتحويلُه عن معناه إلى غيرِه.
وقد قيل: عنَى بقولِه: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾. الرهطَ الذين مشَوا إلى رسولِ الله ﷺ في مسألةِ المدافعةِ عن ابن (^٤) أُبَيْرِقٍ والجدالِ عنه، على ما قد ذكَرنا قبلُ فيما مضَى عن ابن عباسٍ وغيرِه. ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾. يَعْنى جلَّ ثناؤه: وكان اللهُ بما يَعْمَلُ هؤلاء المُسْتَخْفُون مِن الناسِ فيما أَتَوا (^٥) من جُرْمِهم، حياءً منهم مِن تَبْبِيتِهم ما لا يَرْضَى مِن القولِ وغيرِه مِن أفعالِهم. ﴿مُحِيطًا﴾: مُحْصِيًا، لا يَخْفَى عليه شيءٌ منه، حافظًا لذلك عليهم، حتى يُجازِيَهم عليه جزاءَهم.