يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ويَسْتَفتونك في النساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فيهن، وفيما يُتْلَى عليكم في الكتابِ، وفى المُسْتَضْعَفِين مِن الولدانِ، وفى أن تَقُوموا لليتامى بالقِسْطِ.
وقد ذَكَرْنا الرِّوايةَ بذلك عمَّن قاله مِن الصحابةِ والتابعين فيما مضَى. والذي أفتاهم في أمرِ المُسْتَضْعَفِين مِن الوِلْدانِ، أن يُؤْتوهم (^٥) حُقوقَهم مِن الميراثِ؛ لأنهم كانوا لا يُوَرِّثون الصِّغارَ مِن أولادِ المَيِّتِ، وأَمَرَهم أن يُقْسِطوا فيهم فيَعْدِلوا ويُعْطوهم فَرائِضَهم على ما قسَم اللهُ لهم في كتابِه.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٧٧ (٦٠٢٦) من طريق أبى صالح به مثله، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٢ إلى ابن المنذر.
(٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: "حبستم".
(٣) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: "عضلهن".
(٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: "حبسها".
(٥) في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: "تؤتوهم".
[ ٧ / ٥٤٤ ]
كما حدَّثنا محمدُ بنُ الحُسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ قولَه: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾، كانوا لا يُوَرِّثون جاريةً ولا غُلامًا صغيرًا، فأمَرَهم اللهُ أن يَقُوموا لليتامى بالقسطِ. والقِسْطُ: أَن يُعْطِىَ كُلَّ دَى حقٍّ منهم حَقَّه، ذكرًا كان أو أُنْثَى، الصغيرُ منهم بمنزلةِ الكبيرِ (^١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرني ابن وهبِ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾. قال: لا تُوَرِّثونَهنَّ (^٢) قال (^٣): ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾. قال: فدخَل النساءُ والصغيرُ والكبيرُ في [المواريثِ، ونَسَخَتِ] (^٤) المواريثُ ذلك الأولَ.
حدُثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، [قال: حدثني] (^٥) عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾: أُمِروا لليتامى بالقِسْطِ: بالعدلِ (^٦).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا [عُبَيدُ اللهِ] (^٧)، عن إسرائيلَ، عن السُّديِّ، عن أبي
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٧٨، ١٠٧٩ (١٠٣٣) من طريق أحمد بن المفضل به.
(٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: "تورثوهن".
(٣) في م: "مالا".
(٤) في الأصل بياض بقدر كلمتين أو ثلاث كلمات.
(٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: "عن".
(٦) تفسير مجاهد ص ٢٩٣، ٢٩٤، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٧٨ (٦٠٣١). وعندهما "لليتيم" بدل "لليتامى".
(٧) في الأصل: "عبد الله". وينظر ص ٥٣٤ حاشية (٢ - ٢).
[ ٧ / ٥٤٥ ]
مالكٍ: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾. قال: كانوا لا يُوَرِّثون إلا الأكبرَ فالأكبرَ (^١).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾: فكانوا في الجاهليةِ لا يُوَرِّثون الصغارَ ولا البناتِ، فذلك قولُه: ﴿لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾. فنهَى اللَّهُ عن ذلك، وبَيَّنَ لكلِّ ذى سَهُمٍ سَهْمَه، فقال: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]. صغيرًا كان أو كبيرًا. (^٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾، وذلك أنهم كانوا لا يُوَرِّثون الصغيرَ والضعيفَ شيئًا، فأمَر اللهُ أن يُعْطَى (^٣) نَصِيبَه مِن الميراثِ (^٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا مُغِيرةُ عن إبراهيمَ، أن عمرَ بنَ الخطابِ كان إذا جاءه وليُّ اليتيمةِ، فإن كانت حَسَنةً غَنِيَّةً، قال له عمرُ: زَوِّجْها مِن غيرِك، والْتَمِس لها [مَن هو خيرٌ منك] (^٥). وإذا كانت بها دَمامةٌ
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٤/ ٣٥٨، ٣٥٩ مطولًا من طريق عبيد الله - وهو ابن موسى بن أبي المختار - به، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٧٨ (٦٠٢٩) من طريق يحيى بن أبى زائدة عن إسرائيل به بلفظ: "كانوا لا يورثون إلا الأكابر". وانظر ص ٥٣٤.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٧٨ (٦٠٢٨) من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٢ إلى ابن المنذر.
(٣) في م: "يعطيه".
(٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣١ إلى المصنف، وهو تمام الأثر المتقدم في صفحة ٥٣٥.
(٥) في الأصل: "كفوا".
[ ٧ / ٥٤٦ ]
ولا مالَ لها، قال: تَزَوَّجْها فأنت أحقُّ بها (^١).
[حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ] (^٢)، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا يونسُ بنُ عُبَيدٍ، عن الحسنِ (^٣)، قال جاء رجلٌ إلى عليّ بن أبى طالبٍ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، ما أمْرِى وما أمْرُ يَتِيمتى؟ قال في أيِّ [ذلك ما] (^٤) قال. ثم قال عليٌّ: أمُتَزَوِّجُها أنتَ وهى غنيةٌ جميلةٌ؟ قال: نعم والإلهِ. قال: فتَزَوَّجْها دَمِيمةً لا مالَ لها. ثم قال عليٌّ: [خِرْ لها] (^٥)، فإن كان غيرُك خيرًا لها فألْحِقْها بالخَيْرِ.
قال أبو جعفرٍ: فقِيامُهم لليتامى بالقسطِ، كان العدلَ فيما أمَر اللهُ فيهم.