حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾. قال: أمَر اللهُ سبحانَه المؤمنين أن يقولوا الحقَّ ولو على أنفسِهم أو آبائِهم أو أبنائِهم، ولا يُحابُوا غنيًّا لِغِناه، ولا يَرْحَموا مسكينًا لمَسْكنتِه، وذلك قولُه: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾. فَتَذَرُوا الحقَّ فتَجُورُوا (^٤).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُويدُ بنُ نَصْرٍ، قال: أخبَرنا ابن المُباركِ، عن يونسَ، عن ابن شهابٍ في شهادةِ الوالدِ لولدِه وذى القَرابةِ، قال: كان ذلك فيما مَضَى من السُّنَّةِ في سَلَفِ المسلمين، وكانوا يَتأوَّلون في ذلك قولَ اللَّهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
_________________
(١) ضلعه: ميله. النهاية ٣/ ٩٦.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٨٦، ١٠٨٨ (٦٠٧٨، ٦٠٨٨) من طريق أحمد بن المفضل به.
(٣) سقط من: ص، ت ٢.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٨٦، ١٠٨٨ (٦٠٧٧، ٦٠٨٧، ٦٠٩٠)، والبيهقى ١٠/ ١٥٨ من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٤ إلى ابن المنذر.
[ ٧ / ٥٨٦ ]
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ الآية. فلم يكُنْ يُتَّهَمُ سَلَفُ المسلمين الصالحُ في شهادةِ الوالدِ لولدِه، ولا الولدِ لوالدِه، ولا الأخِ لأخيه، ولا الرجلِ لامرأتِه، ثم دَخِلَ الناسُ (^١) بعدَ ذلك، فظَهَرَت منهم أمورٌ حَمَلَت الولاةَ على اتِّهامِهم، فتُرِكَت شهادةُ مَن يُتَّهَمُ إذا كانت مِن أقربائِهم، وصار ذلك مِن الولدِ والوالدِ والأخِ والزوجِ والمرأةِ، لم يُتَّهَمْ إلا هؤلاء في آخرِ الزمانِ (^٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ إلى آخِرِ الآيةِ. قال: لا يَحْمِلُك فَقْرُ هذا على أن تَرْحَمَه، فلا تُقِيمَ عليه الشهادةَ. قال: يقولُ هذا للشاهدِ.
حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾. الآية: هذا في الشهادةِ، فأقِم الشهادةَ يابنَ آدمَ، ولو على نفسِك، أو الوالِدَين، أو على ذَوى قَرابتِك، أو شَرَفِ (^٣) قومِك، فإنما الشهادةُ للهِ وليست للناسِ، وإن الله رَضِى العدلَ لنفسِه، والإقْساطُ والعَدْلُ مِيزانُ اللهِ في الأرضِ، به يَرُدُّ اللَّهُ مِن الشديدِ على الضعيفِ، ومِن الكاذبِ على الصادقِ، ومِن المُبْطِلِ على المُحِقِّ، وبالعدلِ يُصَدِّقُ الصَّادِقَ، ويُكَذِّبُ الكاذِبَ، ويَرُدُّ المُعْتَدِىَ ويُوَبِّخُه، تعالى ربُّنا وتبارك، وبالعدلِ يَصْلُحُ الناسُ، يا بنَ آدمَ، ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾. يقولُ: أوْلى بغَنِيِّكم وفقيرِكم. قال: وذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ موسى ﵇ قال: ربِّ،
_________________
(١) دخِل الناس: فسد داخلهم: الوسيط (د خ ل).
(٢) ينظر التبيان ٣/ ٣٥٥.
(٣) في م، ومصدرى التخريج: "أشراف". والشرف والأشراف بمعنى. التاج (ش ر ف).
[ ٧ / ٥٨٧ ]
أيُّ شيءٍ وَضَعْتَ في الأرضِ أقلَّ؟ قال: العَدْلُ أقلُّ ما وَضَعتُ في الأرضِ، فلا يَمْنَعَنَّكَ غِنَى غنيٍّ، ولا فَقْرُ فقَيرٍ، أن تَشهَدَ عليه بما تَعْلَمُ، فإن ذلك عليك مِن الحقِّ. وقال جل ثناؤه: ﴿فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ (^١).
وقد قيل: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا﴾. الآية، أرِيدَ: فاللَّهُ أوْلى بغِنَى الغَنِيِّ، وفَقْرِ الفقيرِ؛ لأن ذلك منه لا مِن غيرِه؛ فلذلك قيل: ﴿بِهِمَا﴾ ولم يُقَلْ: به.
وقال آخرون: إنما قيل: ﴿بِهِمَا﴾؛ لأنه قال: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا﴾. فلم يَقصِدْ فقيرًا بعَيْنِه، ولا غَنِيًّا بعَيْنِه، وهو مجهولٌ، وإذا كان مجهولًا، جازَ الرَّدُّ عليه (^٢) بالتوحيدِ والتثنيةِ والجمعِ. وذَكَر قائلو هذا القولِ أنه في قراءةِ أبَيٍّ: (فاللهُ أوْلى بِهِمْ) (^٣).
وقال آخرون: "أو"، بمعنى "الواوِ" في هذا الموضعِ.
وقال آخرون: جازَ تَثْنِيةُ قولِه: ﴿بِهِمَا﴾. لأنهما قد ذُكِرا، كما قيل: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١٢]. وقيل: جازَ ذلك؛ لأنه أضْمَر فيه "مَن"، كأنه قيل: إن يكنْ مَن خاصَم غَنِيًّا أو فقيرًا. بمعنى: غَنِيَّين أو فقيرَين، فاللهُ أوْلى بهما.
فتأويلُ قولِه: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾. [على ما ذكَرنا من أقوالِ من ذكرنا قولَه: فلا تَتَّبعِوا الهَوَى في أن تَعْدِلوا] (^٤) عن الحقِّ، فَتَجُوروا بتَرْكِ إقامةِ الشهادةِ
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٠٨٧ (٦٠٨١) من طريق يزيد بن زريع ببعضه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) في ت ١، ت ٢، ت ٣، س: "منه".
(٣) هي قراءة شاذة، وينظر البحر المحيط ٣/ ٣٧٠.
(٤) سقط من: م.
[ ٧ / ٥٨٨ ]
بالحقِّ. ولو وُجِّه إلى أن معناه: فلا تَتَّبِعوا أهواءَ أنفسِكم؛ هربًا مِن أنْ تَعْدِلُوا في إقامةِ الشهادةِ بالقِسْطِ. كان وَجْهًا.
وقد قيل: معنى ذلك: فلا تَتَّبِعوا الهَوى لتَعْدِلوا. كما يقالُ: لا تَتَّبِعْ هَواك لتُرْضِيَ ربَّك. بمعنى: أنْهاك عنه؛ كيما تُرْضِيَ ربَّكَ بتَرْكه.