حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾. يقولُ: إِن تَلْوُوا بألسنتِكم بالشهادةِ، أو تُعْرِضوا عنها (^١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾. إلى قولِه: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾. يقولُ: تَلْوِى لسانَك بغيرِ الحقِّ. وهى اللَّجْلَجَةُ، فلا تقيمُ الشهادةَ على وَجْهِها، والإعراضُ: التَّرْكُ (^٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾. أي تُبَدِّلُوا الشهادةَ ﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾. قال: تَكْتُموها (^٣).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾. قال: تَبْدِيلُ الشهادةِ، والإعراضُ: كِتْمانُها.
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سُفيانَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾. قال: إن تُحَرِّفوا أو تَتْرُكوا (^٤).
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ عن قتادةَ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٨٩ (٦٠٩٦، ٦١٠٠) من طريق عبد الله بن صالح به.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٨٩، ١٠٩٠ (٦٠٩٧، ٦١٠١) عن محمد بن سعد به.
(٣) تفسير مجاهد ص ٢٩٥. ومن طريقه أخرجه البيهقى ١٠/ ١٥٨.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٠٨٩، ١٠٩٠ (٦٠٩٩، ٦١٠٢) من طريق سفيان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
[ ٧ / ٥٩٠ ]
تُعْرِضُوا﴾. قال: تُلَجْلِجوا أو تكْتُموا، وهذا في الشهادةِ.
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾. أما ﴿تَلْوُوا﴾: فتَلْوِى للشهادةِ فتحَرِّفُها حتى لا تُقِيمَها، وأما ﴿تُعْرِضُوا﴾: فتُعْرِضُ عنها فَتَكْتُمُها، وتقولُ: ليس عندى شهادةٌ (^١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾. فتَكْتُموا الشهادةَ، يَلْوِى: ينقصُ (^٢) منها، أو يُعْرِضُ عنها فيَكْتُمُها، فيَأْتِي أَن يَشْهَدَ عليه، يقولُ: أكْتُمُ عنه لأنه مسكينٌ أرحَمُه. فيقولُ: لا أقِيُم الشهادةَ عليه. ويقولُ: هذا غَنِيٌّ أبَقِّيه وأرجو ما قِبَلَه، فلا أشْهَدُ عليه. فذلك قولُه: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا﴾ (^٣).
حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾: تُحَرِّفوا. ﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾: تَتْرُكوا.
حدَّثنا محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا حسنُ بن عَطِيَّةَ، قال: ثنا فُضَيلُ بنُ مَرْزُوقٍ، عن عَطِيَّةَ في قولِه: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾. قال: إن تُلَجْلِجوا في الشهادةِ فتُفْسِدوها. ﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾. قال: تَتْرُكوها (^٤).
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أخبَرنا هُشَيمٌ، عن
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٨٩، ١٠٩٠ عقب الأثرين (٦٠٩٧، ٦١٠٢) مِن طريق عمرو بن حماد به.
(٢) في ص، ت ١: "يبعض".
(٣) ينظر التبيان ٣/ ٣٥٦.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٨٩، ١٠٩٠ عقب الأثرين (٦٠٩٧، ٦١٠٢) معلقًا.
[ ٧ / ٥٩١ ]
جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾. قال: أن تَلْوُوا في الشهادةِ: أن لا تُقِيموها (^١) على وَجْهِها، ﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾. قال: تَكْتُموا الشهادةَ (^٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بن أبي حَمَّادٍ، قال: ثنا شَيْبانُ، عن قتادةَ أنه كان يقرأُ (^٣): ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾. بواوَيْن (^٤)، يعني: تُلَجْلِجوا. ﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾. قال: تَدَعُها فلا تَشْهَدُ.
حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمعتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عُبَيدُ بنُ سُلَيْمانَ (^٥)، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾. أما ﴿تَلْوُوا﴾. فهو أن يَلْوِىَ الرجلُ لسانَه بغيرِ الحقِّ. يعني: في الشهادةِ.
قال أبو جعفرٍ: وأوْلى التأويلَين بالصوابِ في ذلك، تأويلُ مَن تأوَّله أَنه لَيُّ الشاهدِ شَهادتَه لَمَن شَهِدَ له وعليه، وذلك تَحْرِيفُه إياها بلسانِه، وتَرْكُه إقامتَها؛ ليُبْطِلَ بذلك شهادتَه لمِن شَهِد له، وعمن شَهِد عليه. وأما إعراضَه عنها، فإنه تَرْكُه أداءَها والقيامَ بها، فلا يَشْهَدُ بها.
وإنما قُلنا: هذا التأويلُ أوْلى بالصوابِ؛ لأن الله جلّ ثناؤه قال: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾. فأمَرَهم بالقيامِ بالعَدْلِ شهداءَ، وأظْهْرُ معاني الشهداءِ ما ذكَرنا مِن وَصْفِهم بالشهادةِ.
_________________
(١) في الأصل، ص، س، ت ١: "نقيمها".
(٢) ينظر التبيان ٣/ ٣٥٦.
(٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: "يقول".
(٤) سقط مِن: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س. وينظر ما يأتي في الصفحة التالية.
(٥) في م: "سلمان". وينظر ترجمته في تهذيب الكمال ١٩/ ٢١٢.
[ ٧ / ٥٩٢ ]
واختَلَفَت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾؛ فقَرَأ ذلك عامةُ قَرَأةِ الأمصارِ سِوَى لكوفةِ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ بوَاوَين، مِن: لَوانى الرجلُ حقِّى، والقومُ يَلْووننى دَيْني. وذلك إذا مَطَلُوه لَيًّا.
وقرَأ ذلك جماعةٌ مِن قَرَأةِ الكوفةِ: (وَإِنْ تَلُوا) بواوٍ واحدةٍ (^١). ولقراءةِ مَن قرَأ ذلك كذلك وجهان.
أحدُهما: أن يكونَ قارِئُها أرادَ همز "الواوٍ" لانْضِمامها، ثم أسقَطَ الهمزَ، فصارَ إعرابُ الهمزِ في اللامِ إذ أسقَطَه، وبَقِيَت واوٌ واحدةً، كأنه أرادَ: تَلْؤُوا. ثم حَذَف الهمز، وإذا عَنَى هذا الوجهَ، كان معناه معنى مَن قرَأ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ بواوَين، غيرَ أنه خالَف المعروفَ مِن كلامِ العربِ، وذلك أن الواوَ الثانيةَ مِن قولِه: ﴿تَلْوُوا﴾ واوٌ جمعٍ، وهى عَلَمٌ لمعنًى، فلا يَصِحُّ همزُها، ثم حَذْفُها بعدَ همزِها، فيَبْطُلُ عَلَمُ المعنى الذي له أُدْخِلَت الواوُ المحذوفُة.
والوجه الآخرُ: أن يكونَ قارئها كذلك، أراد: (وإن تَلُوا) مِن الولايةِ، فيكونُ معناه: وإن تَلُوا أمورَ الناس أو تَتْرُكوها. وهذا معنًى - إذا وَجَّهَ القارئُ قراءتَه، على ما وَصْفنا، إليه - خارجٌ عن معاني أهلِ التأويلِ، وما وَجَّه إليه أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ والتابعون تأويلَ الآيةِ.
فإذ كان فسادُ ذلك واضحًا مِن كِلا وَجْهَيه، فالصوابُ مِن القراءة الذي لا يَصْلُحُ غيره أن يُقرَأ به، عندَنا: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾. بمعنى اللَّيِّ، الذي هو مَطْلٌ (^٢)، فيكونُ تأويلُ الكلامِ: وإن تَدْفَعوا القيام بالشهادةِ على وَجْهِها لمَن لَزِمكم
_________________
(١) قرأ حمزة وابن عامر بواو واحدة واللام مضمومة. وقرأ الباقون بواوين. التيسير ص ٨١، النشر ٢/ ١٩٠.
(٢) كلتا القراءتين صحيحة لأنهما متواترتان. المصدران السابقان.
[ ٧ / ٥٩٣ ]
القيام له بها، فتُغَيِّرُوها وتُبَدِّلوا، أو تُعْرِضوا عنها، فَتَتْرُكوا القيامَ له بها، كما يَلْوِى الرجلُ دَيْنَ الرجلِ، فيُدافعه بأدائِه إليه على ما أوجَب عليه له، مَطْلًا منه له، كما قال الأعْشَى (^١):
يَلْوِينَنِي دَيْنِي النَّهَارَ وأَقْتَضِى … دَيْني إذا وَقَذَ (^٢) النُّعاسُ الرُّقَّدَا
وأما تأويلُ قولِه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾. فإنه أرادَ: فإن الله كان بما تعمَلون مِن إقامتِكم الشهادةَ، وتَحِريفِكم إياها، وإعراضِكم عنها بكِتْمانِكموها ﴿خَبِيرًا﴾ يعنى: ذا خبرةٍ وعلمٍ به؛ يَحْفَظُ ذلك منكم عليكم، حتى يُجازِيَكم به جزاءَكم في الآخرة؛ المُحْسِنُ منكم بإحسانِه، والمُسِيءُ بإساءتِه. يقولُ: فاتَّقُوا ربَّكم في ذلك.