حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا يزيدُ بن هارونَ، عن العَوَّامِ بن حَوْشَبٍ، عن إبراهيمَ التَّيْمِيِّ، عن أبي وائلٍ، قال: إن الرجلَ ليَتكلَّم بالكلمةِ في المجلسِ مِن الكذبِ ليُضْحِكَ بها (^٢) جُلساءَه (^٣)، فيَسْخَطُ اللَّهُ عليهم. قال: فذَكَرْت ذلك لإبراهيمَ النَّخَعِيِّ، فقال: صدَق أبو وائلٍ، أو ليس ذلك في كتابِ اللهِ: ﴿أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ (^٤).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن إدريسَ، عن العلاءِ بن مِنْهال، عن هشامِ بن عُرُوةَ، قال: أخذ عمرُ بنُ عبدِ العزيز قومًا على شرابٍ، فضرَبهم وفيهم صائمٌ، فقالوا: إن هذا صائمٌ. فتلا: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ
_________________
(١) في م: "الأمة الماضية".
(٢) سقط من: الأصل.
(٣) في ص، ت ١، س: "جلساؤه".
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٠٩٣ (٦١٢٦) مِن طريق يزيد بن هارون به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٧٠٥ - تفسير) من طريق أبي وائل به دون قوله: "فذكرت ذلك لإبراهيم إلخ. والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٥ إلى ابن المنذر. وأثر إبراهيم أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٧٠٤ - تفسير)، من طريق عبيد المُكْتِب عن إبراهيم به بنحوه.
[ ٧ / ٦٠٣ ]
حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ (^١).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني مُعاويةُ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾. قال: وقولَه: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وقولَه ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]. ونحوَ هذا مِن القرآنِ، قال: أمَر اللهُ المؤمنين بالجماعةِ، ونَهاهم عن الاختلافِ والفُرْقَةِ، وأخبرَهم: إنما هَلَك مَن كان قبلكم بالمراءِ والخُصوماتِ في دينِ اللهِ (^٢).
وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾. يقولُ: إن الله جامعٌ الفريقَين مِن أهلِ الكفرِ والنِّفاقِ في القيامةِ في النارِ، فمُوفِّقٌ بينَهم في عقابِه في جهنمَ، وأليمِ عذابِه، كما اتَّفَقوا في الدنيا، فاجتَمَعوا على عداوةِ المؤمنين، وتَوازَرُوا (^٣) على التخذيل عن دينِ اللهِ الذي ارتَضاه وأمَر به أهله (^٤).
واختَلَفت القَرَأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾؛ فقَرَأ ذلك عامةُ القَرَأةِ بضمِّ "النونِ"، وتثقيلِ "الزايِ" وتشديدِها، على وجهِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه. وقرَأه بعضُ الكُوفيين بفتحِ "النون"، وتشديدِ و"الزايِ" على معنى: وقد نَزَّل اللهُ عليكم. وقرَأ ذلك بعضُ المَكَيِّين: (وَقَدْ نَزَلَ عَلَيْكُمْ). بفتحِ "النونِ" وتخفيفِ "الزايِ" بمعنى: وقد جاءكم مِن اللهِ أن إذا سَمِعتم (^٥).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في ٧/ ٤٦٩ (٣٨٢١)، وابن أبي حاتم ٤/ ١٠٩٣ (٦١٢٧) من طريق عبد الله إدريس به.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٠٩٣ (٦١٢٤) من طريق أبي صالح به.
(٣) توازروا: تآزروا، ومعناه: تعاونوا. التاج (وزر).
(٤) في ص، ت ١، ت ٢، س: "وأهله".
(٥) قرأ عاصم ويعقوب بفتح النون والزاى مشددة، وقرَأ الباقون بضم النون وكسر الزاي مشددة. وقرأ =
[ ٧ / ٦٠٤ ]
قال أبو جعفرٍ: وليس في هذه القراءاتِ الثلاثِ وجهٌ يَبْعُدُ معناه مما يحتمِلهُ الكلامُ، غير أن الذي أختارُ القراءةَ به، قراءةُ مَن قرَأ: (وَقَدْ نُزِّل) بضَمِّ "النونِ" وتَشْديدِ "الزايِ"، على وجهِ ما لم يُسَمَّ فاعله؛ لأن معنى الكلامِ فيه، التقديمُ على ما وصَفْتُ (^١) قبلُ، على معنى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ - (وَقَد نُزِّلَ عَلَيكُم في الكِتَابِ أَن إِذَا سَمِعتُم) إلى قولِه: ﴿حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ - ﴿[أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ] ﴾. فقولُه: ﴿[فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا] ﴾ يعنى التأخيرَ، فلذلك كان ضمُّ "النونِ" مِن قولِه: (نُزِّل). أصوبَ عندنا في هذا الموضعِ.
وكذلك اختَلَفوا في قراءةِ قوله: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾؛ فقرَأه بفتح ﴿نَزَّلَ﴾ و﴿أَنْزَلَ﴾ أكثرُ القَرَأَةِ، بمعنى: والكتابِ الذي نَزَّل اللهُ على رسولِه، والكتابِ الذي أنزَل مِن قبلُ. وقرَأ ذلك بعضُ قَرَأةِ البصرةِ بضمِّه في الحرفين كليهما، بمعنى ما لم يُسَمَّ فاعلُه (^٢). وهما متقارِبتا المعنى، غيرَ أن الفتح في ذلك أعجبُ إلى مِن الضمِّ؛ لأن ذكرَ اللهِ قد جرَى قبلَ ذلك في قولِه: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.