حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾. قال: المنافقون يَتَربَّصون بالمسلمين، ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ﴾ قال: إن (^١) أصاب المسلمون مِن عدوِّهم غنيمةً، قال المنافقون: ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾، قد كنا معكم، فأعْطُونا غنيمةً مثل ما تأخُذُون، وإن كان للكافرين نصيبٌ يُصيبونه مِن المسلمين، قال المنافقون للكافرين: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قد كنا نُثَبِّطُهم عنكم (^٢).
واختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: ألم نغْلِبْ عليكم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾. قال: نَغْلِبُ عليكم (^٣).
وقال آخرون: معنى ذلك: ألم نُبَيِّنْ لكم أنا معكم على ما أنتم عليه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿أَلَمْ
_________________
(١) سقط من: الأصل، ص، ت ١، س.
(٢) ذكره الطوسى في التبيان ٣/ ٣٦٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٥ إلى المصنف وابن المنذر عن مجاهد.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٠٩٤ (٦١٣٢) من طريق أحمد بن مفضل به.
[ ٧ / ٦٠٧ ]
نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾: ألم نُبَيِّنْ لكم أنا (^١) على ما أنتم عليه (^٢).
قال أبو جعفرٍ: وهذان القولان مُتقاربِا المعنى، وذلك أن مِن تأوَّله بمعنى: ألم نُبَيِّنْ لكم، إنما أراد - إن شاء اللهُ - ألم نَغْلِبْ عليكم بما كان منَّا مِن البيانِ لكم أنَّا معكم.
وأصلُ الاستحواذِ في كلامِ العربِ - فيما بَلَغَنا - الغَلَبَةُ، ومنه قولُ اللَّهِ جلّ ثناؤُه: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ [المجادلة: ١٩]. بمعنى غَلَب عليهم، يقالُ منه: حاذَ عليه، واستَحاذَ يَحِيذُ ويَسْتَحِيذُ، وأحاذَ يُحِيذُ. ومِن لغةِ مَن قال: "حاذَ"، قولُ العَجَّاجِ في صفةِ ثَوْرٍ وكلابٍ (^٣):
يَحُوذُهنَّ وله حُوذِيُّ
وقد أنشَد بعضُهم:
يَحُوزُهنَّ وله حوزِيُّ
وهما مُتَقارِبا المعنى.
ومن لغة مِن قال: "أحاذَ"، قول لبيد في صفةِ عَيْرٍ وأُتُنٍ (^٤):
إذا اجتَمَعَت وأَحْوَذَ جانِبَيْها … وأَوْرَدَها على عُوجٍ طِوَالِ
يعنى بقوله: وأَحْوَذَ جانِبَيْها: غَلَبَها وقَهَرها حتى حاذِ كلا جانبيَها، فلم يَشِذَّ منها شيءٌ.
_________________
(١) بعده في م، ت ١، ت ٢: "معكم".
(٢) ينظر التبيان ٣/ ٣٦٣، وراجع حاشية (٢).
(٣) ديوان العجاج ص ٣٣٢، ورواية الديوان: "يحوذها وهو لها حوذى".
(٤) شرح ديوان لبيد ص ٨٦. والعير: الحمار. والأُتُن: جمع أَتان وهى أنثاه. وأحوذ: جَمَع وضَمَّ. والعوج. الطوال، أراد: قوائهما.
[ ٧ / ٦٠٨ ]
وكان القياسُ في قولِه: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ أن يأتي: استحاذَ عليهم؛ لأن الواوَ إذا كانت عينَ الفعلِ، وكانت متحركةً بالفتحِ وما قِبَلَها ساكنٌ، جَعَلَت العربُ حرَكَتَها في فاءِ الفعلِ قبلَها، وحَوَّلوها أَلِفًا مُتَّبِعةً حركةَ ما قِبَلَها، كقولِهم: استَحال هذا الشيءُ عما كان عليه. مِن حالَ يَحولُ. واستَنارَ فلانٌ بنورِ اللهِ. مِن النورِ، واستَعاذَ باللهِ مِن عاذَ يَعوذُ. وربما تَرَكوا ذلك على أصلِه، كما قال لبيدٌ: وأَحْوَذَ. ولم يقلْ: وأحاذَ.
وبهذه اللغةِ جاء القرآنُ في قولِه: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾.
وأما قولُه: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾، فلا خلافَ بينَهم في أن معناه: ولن يَجْعَل اللهُ للكافرين يومَئذٍ على المؤمنين سبيلًا.