حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾، إلى قولِه: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾: فيما بينَ ذلك، في [ابن أُبَيْرِقٍ] (^٢) ودرعِه مِن حديدٍ (^٣) التي سرَق، قال أصحابُه مِن المؤمنين للنبيِّ (^٤): اعْذُره في الناسِ بلسانِك، ورمَوا بالدرعِ رجلًا من يهودَ بريئًا (^٥).
[حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه] (^٦).
حدَّثنا الحسنُ بنُ أحمدَ بن أبي شُعيبٍ (^٧) أبو مسلمٍ الحرانيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ سلمةَ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن عاصمِ بن عمرَ بن قتادةَ، عن أبيه، عن جدِّه
_________________
(١) في ص، ت ١، ت ٢، س: "يخاصم".
(٢) في م، والدر المنثور، وإحدى نسخ تفسير مجاهد: "طعمة بن أبيرق".
(٣) بعده في ص، ت ١ س: "من يهود".
(٤) سقط من: الأصل، ص، ت ١، ت ٢، س.
(٥) تفسير مجاهد ص ٢٩١، ٢٩٢. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢١٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٦) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س.
(٧) في الأصل: "شعبة". وانظر تهذيب الكمال ٦/ ٤٨، ومصدر التخريج.
[ ٧ / ٤٥٨ ]
قتادةَ بن النعمانِ، قال: كان أهلُ بيتٍ منا (^١) يُقالُ لهم: بنو أُبَيرِقٍ؛ بِشَرٌ وبُشَيرٌ ومُبَشِّرٌ، وكان بُشَيرٌ رجلًا، منافقًا، وكان يَقُولُ الشعرَ يَهْجُو به أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ، ثم يَنْحُلُه بعضَ (^٢) العربِ، ثم يَقُولُ: قال فلانٌ كذا، وقال فلانٌ كذا. فإذا سمِع أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ ذلك الشعرَ، قالوا: واللهِ ما يَقُولُ هذا الشعرَ إلا هذا الخبيثُ. فقال:
أوَ (^٣) كلَّما قال الرجالُ قصيدةً … أضِمُوا (^٤) وقالوا ابن الأُبَيرِقِ قالَهَا
قال: وكانوا أهلَ بيتِ فاقةٍ وحاجةٍ في الجاهليةِ والإسلامِ، وكان الناسُ إنما طعامهم بالمدينةِ التمرُ والشعيرُ، وكان الرجلُ إذا كان له يَسَارٌ، فقدِمت ضافِطةٌ (^٥) مِن الشامِ بالدَّرْمكِ (^٦)، ابتاع الرجلُ منها (^٧) فخصَّ به نفسَه، فأما العيالُ فإنما طعامُهم التمرُ والشعيرُ، فقدِمت ضافطةٌ مِن الشامِ، فابتاع عمى عمى رفاعةُ بنُ زِيدٍ حِملًا مِن الدرمكِ، فجعله في مَشْرُبةٍ (^٨) له، وفى المَشْرُبةِ سلاحٌ له؛ دِرْعان وسَيْفاهما وما يُصْلِحُهما، فعُدِى عليه مِن تحتِ الليلِ فنُقِبت (^٩) المَشْرُبةُ، وأُخِذ الطعامُ والسلاحُ،
_________________
(١) في ص، ت ١، س: "منها".
(٢) في ص، م، ت ١، ت ٢: "إلى بعض".
(٣) في الأصل، ص، ت ١: "أفى".
(٤) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، س: "نحلت". وأضم الرجل: غضب. وقيل: أضمر حقدًا لا يستطيع أن يمضيه. التاج (أ ض م).
(٥) ضافطة: الضافط والضفاط، الذي يجلب الميرة والمتاع إلى المدن والمكارى الذي يكرى الأحمال، وكانوا يومئذ قومًا من الأنباط يحملون إلى المدينة الدقيق والزيت وغيرهما. النهاية ٣/ ٩٤، ٩٥.
(٦) الدرمك: الدقيق الحوّارى. النهاية ٢/ ١١٤.
(٧) في ص، ت ١، ص: "منا"، وفى م: "منهم".
(٨) المشربة بالضم والفتح: الغرفة. النهاية ٢/ ٤٥٥.
(٩) في الأصل: "فثقبت"، وفي ت ١: "فبقيت".
[ ٧ / ٤٥٩ ]
فلما أصبح أتانى عمى رفاعةُ، فقال: يا بنَ أخى، تَعْلَمُ أنه قد عُدِى علينا في ليلتِنا هذه، فنُقبت مَشْرُبَتُنا، فذُهِب بطعامِنا وسلاحِنا. قال: فتَحَسَّسْنا (^١) في الدارِ وسأَلنا، فقيل لنا: قد رَأَيْنا بنى أُبَيْرِقٍ اسْتَوْقَدوا في هذه الليلةِ، ولا نَرَى فيما نراه إلا على بعضِ طعامِكم، قال: وقد كان بنو أُبَيرِقٍ قالوا - ونحن نَسْأَلُ (^٢) في الدارِ -: واللهِ ما نَرَى صاحبَكم إلا لبيدَ بنَ سهلٍ (^٣)، رجلٌ منا له صلاحٌ وإسلامٌ، فلما سمِع بذلك لبيدٌ اخْتَرَط سيفَه، ثم أتى بنى أُبَيْرِقٍ، فقال: واللهِ ليُخالِطَنّكم هذا السيفُ أو لتُبيِّنُنَّ هذه السرقةَ. قالوا: إليك عنا أيُّها الرجلُ، فواللهِ ما أنت بصاحبِها. فسألنا في الدارِ حتى لم نَشُكَّ أنهم أصحابُها. فقال عمى: يا بنَ أخي، لو أتيتَ رسولَ اللهِ ﷺ فذكَرتَ ذلك له. [قال قتادةُ: فأَتَيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ فَذَكَرْتُ ذلك له] (^٤)، فقُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، إن أهلَ بيت منا أهلَ جفاءٍ، عمَدوا إلى عمِّى رفاعةَ بن زيدٍ فَنَقَبوا مَشْرُبَةً له، وأَخَذُوا سلاحَه وطعامَه، فَلْيَرُدُّوا علينا سلاحنا، فأما الطعامُ فلا حاجةَ لنا به (^٥). فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "سَأَنْظُرُ (^٦) في ذلك". فلما سمِع ذلك بنو أُبَيْرِقٍ أتَوا (^٧) رجلًا منهم يُقالُ له: أَسَيرُ (^٨) بنُ عُرْوةَ. فكلَّموه في ذلك، واجْتَمَع إليه ناسٌ مِن أهلِ الدارِ، فأتَوا رسولَ اللهِ ﷺ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، إن قتادةَ بنَ النعمانِ وعمَّه عمَدوا إلى أهلِ بيتٍ منا أهلِ إسلامٍ وصلاحٍ، يَرْمونهم
_________________
(١) في الأصل، ص، م، والدر المنثور: "فتجسسنا".
(٢) بعده في ت ١، ت ٢، س: "الله".
(٣) في الأصل: "سهيم"، وفى م: "سهم". وانظر الإصابة ٥/ ٦٨٠.
(٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س.
(٥) في م، ت ١، ت ٢: "فيه".
(٦) في ص، ت ١، ت ٢، س: "أنظر".
(٧) في ت ١، ت ٢، س: "أبرز".
(٨) في الأصل: "أمير". وانظر الإصابة ١/ ٨٦.
[ ٧ / ٤٦٠ ]
بالسرقةِ عن (^١) غيرِ بينةٍ ولا ثَبَتٍ (^٢). قال قتادةُ: فأَتَيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ فكلَّمْتُه (^٣)، فقال: "عمَدْتَ إلى أهلِ بيتٍ ذُكِر منهم إسلامٌ وصلاحٌ، تَرْمِيهم بالسَّرقةِ على غيرِ بينةٍ ولا ثَبَتٍ". قال: فرجَعت ولوَدِدْتُ أنى خرَجتُ مِن بعضِ مالي ولم أُكَلِّمْ رسولَ اللهِ ﷺ في ذلك، فأتَيْتُ عمِّى رِفاعةَ، فقال: يا بنَ أخي، ما صَنَعْتَ؟ فَأَخبَرتُه بما قال لى رسولُ اللهِ ﷺ، فقال: اللهُ المستعانُ. فلم نَلْبَثْ أن نزَل القرآنُ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾؛ بنى أُبَيرِقٍ، ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾، أي مما قلتَ لقتادة (^٤)، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: بني أَبَيرِقٍ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ﴾، إلى قولِه: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، أي: إنهم إن يَسْتَغْفِرُوا الله يَغْفِرْ لهم. ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾: قولُهم للبيدٍ، ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾، يَعْنى: أسيرًا وأصحابَه، ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ إلى قولِه: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
فلما نزل القرآنُ أُتِى رسولُ اللهِ ﷺ بالسلاحِ، فردَّه إلى رفاعةَ.
قال قتادةُ: فلما أتَيْتُ عمِّى بالسلاحِ وكان شيخًا قد عسَا (^٥) في الجاهليةِ،
_________________
(١) في م: "من".
(٢) في ص: "بيت". والثبت، بالتحريك: الحجة والبينة. اللسان (ث ب ت).
(٣) في ص، ت ١، ت ٢، س: "فسألته".
(٤) في ص، ت ١، ت ٢، س: "لعبادة".
(٥) في الترمذي: "عشى". وعسا: أي كبر وأسن. وعشى: أي ضعف بصره. النهاية ٣/ ٢٣٨.
[ ٧ / ٤٦١ ]
وكُنتُ أرى إسلامَه مدخولًا (^١)؛ فلما أتَيْتُه بالسلاحِ، قال: يا بنَ أخي، هو في سبيلِ اللهِ. قال: فعرَفت أن إسلامَه كان صحيحًا. فلما نزَل القرآنُ لحق بُشَيرٌ بالمشركين فنزَل على سُلافةَ (^٢) بنتِ سعدِ بن شُهَيدٍ (^٣)، فأنزَل اللهُ فيه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، إلى قولِه: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، فلما نزَل على سُلافةَ رماها حسانُ بنُ ثابتٍ بأبياتٍ مِن شعرٍ، فأَخَذَت رَحْلَه فوضَعَتْه على رأسها ثم خرجت به فرَمَتْ به في الأبطحِ، ثم قالت: أَهْدَيْتَ إليَّ شعرَ حسانَ، ما كنتَ تَأتينى بخيرٍ (^٤).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾. يَقُولُ: بما أنزَل اللهُ عليك وبيَّن لك. ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾. فقرَأ إلى قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾: ذُكِر لنا أن هؤلاء الآياتِ أُنزِلت في شأنِ طُعْمَةَ بن أُبَيْرقٍ، وفيما همَّ به نبيُّ اللهِ ﷺ من عُذْرِه، وبيَّن اللهُ شَأنَ طعمةَ بن أُبيرِقٍ، ووعَظ نبيَّه وحذَّره أن يَكُونَ للخائنين خصيمًا، وكان طُعْمَةُ بنُ أُبَيْرِقٍ رجلًا مِن الأنصارِ ثم أحدَ بني ظَفَرٍ، سرَق درعًا لعمِّه كانت وديعةً عندَه، ثم قذَفها (^٥) على يهوديٍّ كان يَغْشاهم، يُقال له: زيدُ بنُ السمينِ. فجاء اليهوديُّ إلى نبيِّ اللهِ ﷺ
_________________
(١) الدخَل، بالتحريك: العيب والغش والفساد، يعنى أن إيمانه كان متزلزلًا فيه نفاق. النهاية ٢/ ١٠٨.
(٢) في ص، ت ١ س: "سلاقة"، وفى ت:١ "سلام". وانظر الإصابة ٧/ ٧٢٤.
(٣) في ص، ت ١، ت ٢، س: "سهيل"، وفى م: "سهل".
(٤) أخرجه الترمذى (٣٠٣٦) عن الحسن بن أحمد وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٥٩، ١٠٦٠ (٥٩٣٣، ٥٩٣٤، ٥٩٣٦) من طريق محمد بن سلمة به، والحاكم ٤/ ٣٨٥ - ٣٨٨ من طريق محمد بن إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢١٥ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.
(٥) في ص، ت ١، ت ٢، س: "قدمها".
[ ٧ / ٤٦٢ ]
يهتِفُ، فلما رأى ذلك قومُه بنو ظَفَرٍ جاءوا إلى نبيِّ اللهِ ﷺ ليَعْذِروا صاحبَهم، وكان نبيُّ اللهِ ﷺ قد همَّ بعذرِه، حتى أنزَل اللهُ جل ثناؤه في شأنِه ما أَنْزَل؛ فقال: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾، إلى قولِه: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، يَعْنى بذلك قومَه. ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾، وكان طُعْمَةُ قد قذَف بها بريئًا، فلما بَيَّنَ اللهُ شَأنَ طُعْمَةَ، نافَق ولحِق بالمشركين بمكةَ، فأنزَل اللهُ في شأنِه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (^١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾: وذلك أن نفرًا مِن الأنصارِ غَزَوا مع النبيِّ ﷺ في بعضِ غَزَواتِه، فسُرِقت درعٌ لأحدِهم، فأظنَّ (^٢) بها رجلًا مِن الأنصارِ، فأتي صاحبُ الدِّرْعِ رسولَ اللهِ ﷺ، فقال: إِن طُعْمَةَ بنَ أُبَيْرِقٍ سَرَق دِرْعِي، فأتى به رسولَ اللهِ ﷺ، فلما رأَى السارِقُ ذلك، عمَد إليها فألقاها في بيتِ رجلٍ بَرِئٍ، وقال لنفرٍ (^٣) من عشيرتِه: إنى قد غيِّبتُ الدرعَ وألقيتُها في بيت فلانٍ، وستوجد عندَه. فانطَلَقوا إلى نبيِّ اللهِ ﷺ ليلًا، فقالوا: يا نبيِّ اللهِ، إن صاحبَنا برئٌ، وإن سارق الدرِع فلانٌ، وقد أحَطنا بذلك علمًا، فاعْذِرْ صاحبَنا على رُءوسِ
_________________
(١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢١٧ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) أظن: أي اتهم. اللسان (ظ ن ن).
(٣) في ص، ت ١، ت ٢: "النفر".
[ ٧ / ٤٦٣ ]
الناسِ وجادِلْ عنه، فإنه إلا يعْصِمْه اللهُ بك يَهْلِكُ. فقام رسولُ اللهِ ﷺ فبرَّأه وعذَره على رُءوسِ الناسِ، فأنزَل اللهُ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ يَقُولُ: احْكُمْ بينَهم بما أنزَل اللهُ إليك في الكتابِ، ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية. ثم قال للذين أتَوا رسولَ اللهِ ﵊ ليلًا [يَسْتَخفون بالكذبِ] (^١): ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾، إلى قوله: ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾. يَعْنى الذين أَتَوا رسولَ اللهِ ﷺ [مُسْتَخفين يُجادلون عن الخائنِ. ثم قال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، يعني، الذين أَتَوا رسولَ اللهِ ﵇] (^٢) مَسْتَخْفين بالكذبِ. ثم قال: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. يَعْنى: السارقَ، والذين يُجادِلون عن السارقِ (^٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ الآية. قال: كان رجلٌ سرَق درعًا مِن حديدٍ في زمانِ النبيِّ ﷺ وطرَحه على يهوديٍّ، فقال اليهوديُّ: واللهِ ما سرَقتُها يا أبا القاسمِ، ولكن طُرِحت عليَّ. وكان للرجلِ الذي سَرَق جيرانٌ يُبَرِّئونه ويَطْرَحونه على اليهوديِّ، ويَقُولون:
_________________
(١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.
(٢) سقط من: م.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٥٩ - ١٠٦٣ (٥٩٣٠، ٥٩٤٠، ٥٩٤٤، ٥٩٥٠) مفرقًا من طريق محمد بن سعد به.
[ ٧ / ٤٦٤ ]
يا رسولَ اللهِ، إن هذا اليهوديَّ لخبيثٌ (^١) يَكْفُرُ باللهِ وبما جِئْت به. قال: حتى قال (^٢) عليه النبيُّ ﷺ ببعضِ القولِ، فعاتَبه اللهُ ﷿ في ذلك، فقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ مما (^٣) قلت لهذا اليهوديِّ، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. ثم أقبل على جيرانِه فقال: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾. قال: ثم عرض التوبة فقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾: فما أدْخَلكم أنتم أيُّها الناسُ على خطيئةِ هذا تَكَلَّمون دونَه، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ وإن كان مشركًا، ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. [فقرَأ حتى بلَغ: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾] (^٤)، فقرَأ حتى بلَغ: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾. قال: أبَى أن يَقْبَلَ التوبة التي عرَض اللهُ له، وخرَج إلى المشركين بمكةَ، فنقَب بيتًا ليَسْرِقَه، فهدَمه اللهُ عليه فقتَله، فذلك قولُ اللهِ ﷿: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾. فقرَأ حتى بلَغ: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. ويقالُ: هو طُعْمةُ بنُ أُبَيْرقٍ، وكان نازِلًا في بنى ظفَرٍ (^٥).
_________________
(١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: "الخبيث".
(٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: "مال".
(٣) في ص، م، ت ٢: "بما".
(٤) سقط من: م.
(٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢١٧ إلى المصنف.
[ ٧ / ٤٦٥ ]
وقال آخرون: بل الخيانةُ التي وصَف اللهُ بها مَن وصَفه بها بقولِه: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾: جحودُه وديعةً كان أُودِعَها.