يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: واذكُرْ يا محمدُ تمادِىَ هؤلاء المشركين في غَيِّهم وارْتِدادِهم، عُتُوًّا على ربِّهم، مخوِّفًا (^١) إياهم تحقيقَهم قولَ عَدُوِّهم وعدوِّ والدِهم - حين أمرَه ربُّه بالسُّجودِ له فعصاه وأبى السجودَ له؛ حَسَدًا واستكبارًا -: ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾، وكيف صَدَّقوا ظَنَّه فيهم (^٢)، وخالَفوا أمرَ ربِّهم وطاعتَه، واتَّبعوا أمرَ عدوِّهم وعدوِّ والدِهم.
ويعنى بقولِه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ﴾: واذكُرْ إذ قلنا للملائكةِ: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾. فإنه اسْتَكبر وقال: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾. يقولُ: لِمَنْ خَلَقْتَه مِن طينٍ. فلمَّا حُذِفَتْ "مِن" تَعلَّق به قولُه: ﴿خَلَقْتَ﴾،
_________________
(١) في النسخ: "بتخويفه". وهو تحريف. والمثبت هو الصواب.
(٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: "فيه".
[ ١٤ / ٦٥٣ ]
فنُصِب، يفتخِرُ عليه الجاهلُ بأنه خُلِق مِن نارٍ، وخُلِق آدمُ من طينٍ.
كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: بعَث ربُّ العِزَّةِ ﵎ إبليسَ، فأَخَذ مِن أدِيمِ الأرضِ؛ مِن عَذْبها ومِلْحِها، فخُلِق منه آدمُ، فكلُّ شيءٍ خُلِق من عذبِها، فهو صائِرٌ إلى السعادةِ وإن كان ابنَ كافرين، وكلُّ شيءٍ خَلَقه مِن مِلحِها، فهو صائرٌ إلى الشَّقاوةِ وإن كان ابنَ نبييِّن، ومن ثَمَّ قال إبليسُ: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾. أي هذه الطينةُ أنا جِئتُ بها، ومِن ثَمَّ سُمِّي آدمَ؛ لأنه خُلِق مِن أديمِ الأَرضِ.
وقولُه: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أرأيتَ هذا الذي كَرَّمْتَه عليَّ، فأَمَرْتَنى بالسجودِ له، ويَعْنى بذلك آدمَ، ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ﴾. أقْسَم عدوُّ اللهِ، فقال لربِّه: لئن أخَّرتَ إهْلاكى إلى يومِ القيامةِ، ﴿لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾. يقولُ: لأَستوليَنَّ عليهم، ولأَستأصِلَنَّهم، ولأَستميلَنَّهم. يقالُ منه: احْتَنك فلانٌ ما عندَ فلانٍ مِن مالٍ أو عِلمٍ أو غيرِ ذلك. ومنه قولُ الشاعرِ (^١):
نَشْكُو إليكَ سَنَةً قد أَجْحَفَتْ … جَهْدًا إلى جَهْدٍ بنا فَأَضْعَفَتْ
واحْتَنَكَتْ أموالَنا وجَلَّفَتْ (^٢)
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.